تسعة مجهول
جينادي ميكاسيفيتش
الرئيسية » جريمة » جينادي ميكاسيفيتش : المحقق السفاح الذي أصاب الجميع بالجنون

جينادي ميكاسيفيتش : المحقق السفاح الذي أصاب الجميع بالجنون

جينادي ميكاسيفيتش سفاح روسي عاش في النصف الأخير من القرن العشرين وارتكب أكثر من خمسين جريمة قتل واغتصاب بحق النساء بدعوى التطهير العرقي للنساء.

يُعتبر جينادي ميكاسيفيتش أحد أهم الألغاز التي مر بها المجتمع السوفيتي، وتحديدًا روسيا البيضاء، فذلك السفاح، الذي قام بقتل العديد من النساء، قبل أن يتم الكشف عن هويته كان يعمل مُحققًا بأحد الجهات الرسمية التي مهمتها الأولى والوحيدة العثور على ذلك الشبح الذي أرعب نساء روسيا، وبالتأكيد كان عمله كمُحقق في القضية كفيلًا بإبعاد الشبهات عنه، بل إنه ساعده على معرفة تحركات الشرطة وتضليلها، لذلك استمرت جرائمه لفترة طويلة فقدت فيها العديد من النساء الروسيات أرواحهن، أما البقية فقد عشنا في خوف وهلع كبيرين، عمومًا، دعونا في السطور القادمة نتعرف سويًا على السفاح الغريب جينادي ميكاسيفيتش، وكيف استخدم منصبه في زيادة أعداد جرائمه، والأهم من كل ذلك بالتأكيد، كيف سقط في النهاية شر سقوط ودفع ثمن جرائمه.

من هو جينادي ميكاسيفيتش؟

قبل أن نخوض في جرائم السفاح الشبح جينادي ميكاسيفيتش بالطبع جميعنا يتطلع إلى التعرف إليه عن قرب، لكن التاريخ لم يلتزم الدقة مع طفولة ذلك السفاح أو حالته الاجتماعية بقدر ما فعل مع جرائمه، لكنه ذكر لنا الشيء الأهم، وهو ما يتعلق بمولده، فقد وُلد جينادي عام 1947 في قرية روسية تُسمى ايست، تلك القرية كانت واقعة بالأصل بمنطقة فيتبسك، وأرجو أن تتذكروا هذه المنطقة جيدًا لأن أغلب حديثنا سيكون عن الجرائم التي وقعت بها.

طفولة جينادي، التي لم يذكر التاريخ شيء عنها، كنت بالطبع غير تقليدية، وإلا، ما الذي يجعل شاب مُتعلم مثله ينضم للجماعات المُتعصبة عرقيًا وجنسيًا ويقوم بكل هذه الكوارث، تلك الكوارث التي لم تكن الحالة التعليمية والعملية لجينادي تدل أبدًا على وقوعها أو وقوع نصفها حتى.

الحالة التعليمية والعملية

كان جينادي ميكاسيفيتش متفوقًا بعمله، هذه حقيقة لا غبار عليها، بل أنها تمتلك لدليل ملموس، فقد تخرّج جينادي من جامعة فيتبسك عام 1973 بتقديرٍ عالٍ جدًا، وهو ما جعله مؤهلًا للعمل في أي مكان يحتاج للشهادات العليا، وقد برز ذلك بالفعل من خلال عمله في سوفكوز في نفس العام الذي تخرّج به.

لم يدخل جينادي كلية الشرطة أو أي مكان يجعله صالحًا للعمل بمكتب التحقيقات، لكن ذكائه الشديد جعله يلتحق بهذه المهنة بعد تجاوز الاختبارات ويبدأ العمل بها كأحد أفرادها الطبيعيين، والحقيقة أن هذه بالضبط هي نقطة التحول في قصتنا، بل في تاريخ الإجرام بروسيا بأكملها، لكن دعونا نترك الآن بطل قصتنا جينادي ميكاسيفيتش ونذهب إلى ما كان يحدث بمنطقة فيتبسك في هذه الأثناء من جرائم.

شبح فيتبسك السفاح

مع بداية الثمانينات، وتحديدًا في عام 1971، ضربت عاصفة من الجنون منطقة فيتبسك، حيث لم يكن هناك حديث سوى عن الشبح السفاح الذي ظهر في المنطقة وأعمل القتل في نسائها، ليس هذا فقط، بل أنه أيضًا كان لا يترك أي دليل خلفه يصلح للاقتفاء، حتى أن الناس باتوا يُصدقون أن إطلاق لفظ شبح عليه لم يأتي من فراغ، وأنه ليس بكائن بشري عادي مثلهم، خاصةً وأنه كان يقتل بطريقة أقل ما يُقال عنها أنها طريقة وحشية.

كانت ضحايا السفاح الشبح تزداد كل يوم واحدة تلو الأخرى، وكان عجز المحققون عن الإيقاع بذلك المجرم أكثر ما أغضب سكان المنطقة، فقد بدأوا يخفون نسائهم وتولوا حماية أنفسهم بمعرفتهم، وذلك بعد أن فقدوا الثقة في رجال التحقيقات الذين تدخلوا في القضية دون أي فائدة تُذكر أو جديد يُضاف، فقط كانوا يقولون إن ثمة سفاح يستهدف النساء، لكن من هو ولماذا يفعل ذلك؟ هذه أسئلة لم يكونوا مُلمين بإجابتها.

التحقيق في قضايا الشبح

مع تولي المُحققين وفشلهم في تأدية مهمتهم ظهرت الحاجة إلى مُحقق واعٍ قادر على الإمساك بكل خيوط الجريمة ومحاولة ربط بعضها البعض، وكان ذلك المُحقق هو نيكولاي إيكواتوفيتش، والذي كان أحد أشهر المُحققين في المنطقة وأكثرهم ذكاءً على الاطلاق، لكن نيكولاي لم يكن كفيلًا وحده بهذه المهمة، فخيوط القضية كانت كثيرة والجرائم كانت أكبر من أن يُحقق بها شخص واحد، لذلك كانت الحاجة إلى انضمام عضو جديد لا يقل ذكاءً عن نيكولاي.

بعد أشهر من تولي نيكولاي للقضية انضم لها عضو جديد يُدعى جينادي ميكاسيفيتش، وبالطبع أنتم تعرفون هذا الاسم جيدًا، لكن دعونا نعامله الآن على أنه مُحقق مُساعد في قضية بهذه القوة، ففي أول أسبوع تمكن جينادي من إحراز التقدم الأهم في القضية، والذي كان بمثابة نقطة تغيير في مسار الأحداث.

سيارة السفاح، الخيط الأول

الخيط الأول في قضية اختفاء ومقتل نساء فيتبسك جاء من خلال شهادة الشهود وأقوالهم، فقد اكتُشف أن السفاح المطلوب لم يكن يخطف النساء بالإكراه، وإنما كان يتقرب إليهن كصديق ثم يذهبن معه ويبدأن الاختفاء للأبد، أي إن آخر عهد الضحايا كان مع ذلك السفاح، والذي لم يستطع أحد التعرّف إليه لكنهم شاهدوا سيارته الحمراء التي تنتمي إلى طراز زابوروجيتس، أي أن البحث الآن ليس على السفاح بقدر ما هو على السيارة التي تنطبق عليها هذه المواصفات.

الجدير بالذكر أنه في بداية القضية كان يُعتقد أن من يرتكب جرائم فيتبسك ليس سفاح واحد، وإنما أكثر من سفاح، وذلك نظرًا لأعداد الضحايا الكبير، لكن شهادة الشهود، التي أكدت على أن أغلب الضحايا شوهدن للمرة الأخيرة في هذه السيارة، كانت سببًا كفيلًا بالاقتناع بأننا أمام رحلة بحث عن سفاح واحد يمتلك سيارة حمراء من طراز خاص.

الضحايا الأبرياء

بدأ المحقق المساعد جينادي ميكاسيفيتش رحلة البحث عن السيارة الحمراء التي تمتلك نفس صفات السيارة التي قال بها الشهود، والحقيقة أن ذلك الأمر كان زريعة لإلقاء القبض على الكثير من السائقين دون أي وجه حق، بل إن منهم من قضى مدة سجن كبير أو عُدم فقط لمجرد الشك في كونه ذلك السفاح الشبح في حين أنه لم يكن كذلك لسبب بسيط جدًا، وهو أن الجرائم ظلت قائمة كما هي دون نقصان، إذًا وبلا شك، السفاح لا يزال طليقًا.

استمرت جرائم السفاح بحق نساء فيتبسك نهاية السبعينات وحتى مطلع الثمانينات، الأبرياء يُحاسبون في حين أن السفاح الحقيقي لا يزال طليقًا ومجهولًا لدى الناس، لكن، كان هناك أمر غريب تمت ملاحظته في عام 1976، وهو أن الجرائم قد توقفت تمامًا خلال هذا العام، وكأن السفاح قد مات أو سافر أو حدث له أي شيء سيء، لكن ذلك لم يكن صحيحًا، إذا عادت الجرائم مرة أخرى بنفس المُعدلّ في عام 1977، وكان بطلها كالعادة السفاح الشبح.

الرسالة الغامضة، الخيط الثاني

بعد عدة سنوات من الحيرة أرسل السفاح الشبح خيطًا إلى مكتب التحقيقات يُمكن من خلاله الوصول إلى هوية مُرتكب كل هذه الجرائم، هذا الخيط في الحقيقة لم يكن سوى رسالة غامضة مكتوبة بخط اليد، وعلى الرغم من عدم أهمية مضمون الرسالة إلا أنها للعلم كانت تقول إن السفاح يدعوا الرجال المُتشددين إلى استكمال مسيرته والقضاء على ما سماه بالعقد السيئ من النساء، لكن، هل سقط السفاح بهذه الرسالة الباهتة؟ في الحقيقة فعل.

لم تكن الرسالة التي أرسلها السفاح مجرد رسالة تحذير، وإنما استغلها المحققون في معرفة الخط الحقيقي للقاتل، ولأن الخطوط لا تتشابه، فبالتأكيد مجرد العثور على وثيقة أو رسالة تُطابق نفس الخط يعني أننا عثرنا على السفاح الغامض، وهذا ما سعي إليه المحققون بالفعل، حيث طابقوا الخط بخطوط مئات الآلاف من سكان المنطقة ولم يجدوا أي خط مُماثل لما في الرسالة، حتى عثر أحد الضباط بالصدفة على خط يُماثل ما هو مكتوب في الرسالة، هل تعلمون أين كان الخط؟ لقد كان في سجلات التحقيقات الموجودة بقسم الشرطة، هل تعرفون لمن كانت تنتمي؟ للمُحقق جينادي ميكاسيفيتش نفسه.

سقوط جينادي ميكاسيفيتش

مع تطابق الخطوط وجد المحققون أنفسهم أمام أمر مُذهل، فالسفاح الذي ظلوا يبحثون عنه طوال الفترة الماضية لم يكن سوى صديقهم في نفس المكان جينادي ميكاسيفيتش، إذًا، كان جينادي يستخدم عمله في تحصين نفسه ضد السقوط والحصول على المعلومات اللازمة للفرار بجريمته، بمعنى أدق، كان جينادي يسبق الشرطة بخطوة أو اثنتين.

بعد القبض على ذلك السفاح الشبح لجأ بطبيعة الحال إلى إنكار التهم الموجهة إليه في بادئ الأمر، ثم مع الضغط لم يجد بُدًا من الاعتراف بجرائمه، حيث قال إنه قد ارتكاب بضع وثلاثين جريمة قتل بينما اكتشفت المحكمة أنه قد ارتكب أكثر من خمسة وخمسين جريمة قتل، جميعهن بحق النساء، وهذا ما جعل القاضي يسأله عن استهداف النساء تحديدًا.

لماذا النساء تحديدًا؟

استهداف النساء من قِبل جينادي ميكاسيفيتش كان أمرًا واضحًا للجميع، فتقريبًا كل ضحاياه كانوا منهم، وربما قتل رجلين على الأكثر بسبب كونهم تهديدًا عليه، لكن النساء كان لهم مكانة خاصة في القلب، مكانة سيئة بالطبع، وإلا ما اضطر إلى قتلهم وإنشاء جماعة كاملة مخصصة لذلك الغرض بدعوى السعي للتطهير.

ذكر جينادي سبب استهدافه للنساء فقال إنه كان يعشق فتاة إلى حد الثمالة، لكنها لجأت إلى خيانته في اللحظات الأخيرة قبل الزواج، فتغاضى عنها وارتبط بأخرى، ليكتشف أنها قد كررت نفس ما فعلته خطيبته السابقة، وهنا تأكد أن الخيانة داء في النساء، وأنهم شر لا يمكن التعايش معه بأي شكل من الأشكال، ولذلك افتتح جماعة التطهير وبدأ في قتلهم، والحقيقة أنه قد اعترف بعزمه المسبق على قتل مئتي أنثى على الأقل، لكن القبض عليه دمر كل شيء كان يحلم به.

نهاية جينادي ميكاسيفيتش

كانت نهاية جينادي ميكاسيفيتش شبه مؤكدة، فهو لم يرتكب عدد من جرائم القتل فقط، وإنما تسبب كذلك في بث الرعب بالمدينة طيلة عشر سنوات، والحقيقة أن إدانة جينادي في حوالي أربعين جريمة قتل والشك في ارتكاب خمسة عشر جريمة أخرى لم يجعلوه ينتظره طويلًا، حيث تم الحكم عليه في عام 1987 بالإعدام رميًا بالرصاص.

في نفس العام، وتحديدًا في الشهور الثلاث الأخيرة منه، تم اقتياد جينادي إلى غرفة تنفيذ أحكام الإعدام، وهناك تم إعدامه عن طريقة رميه برصاصة في رأسه قتلته في الحال، بعد ذلك تم التخلص من حثته بطريقة مجهولة، فبالطبع الآلاف كانوا ينتظرون لحظة رؤية جثته كي يقطعونها قطع صغيرة، عمومًا، أُغلق الفصل الأخير في حياة الشبح الغامض بعد سنوات قليلة من إغلاق فصل سفاح مُزامن له ولا يقل عنه خطورة، وهو أندريه شيكاتيلو.

محمود الدموكي

كاتب صحفي فني، وكاتب روائي، له روايتان هما "إسراء" و :مذبحة فبراير".

أضف تعليق

خمسة عشر − 11 =