سيرة عثمان بن عفان خليفة المسلمين وأحد العشرة المبشرين بالجنة

يُعتبر عثمان بن عفان أحد أهم القادة الذين مروا بالتاريخ الإسلامي وهذا ليس فقط لكونه ثالث الخلفاء المسلمين وأحد العشر المبشرين بالجنة، وإنما لكونه قد أقدم على الكثير من الفضائل في عهد الإسلام تُرشحه كسيرة حسنة للأطفال والكبار على حد سواء.

0 23

يُعتبر عثمان بن عفان أحد أهم رجالات الإسلام وأكثرهم شهرة، فهو قد عاش في عهد النبي وسمع بنفسه ترشيحه ضمن العشرة المبشرين بجنة ثم تبع ذلك خلافته للمسلمين بصفته الخليفة الثالث بعد عمر بن الخطاب ولا ننسى طبعًا زواجه من ابنتي رسول الله وتلقيبه بذي النورين، فكل هذه فضائل وأمور من شأنها رفع همة وعزيمة أي شخص لمتابعة سيرة عثمان بن عفان ، لكن صدقوا أو لا تُصدقوا، هذه ليست كل إنجازات وفضائل هذا الرجل، ولهذا نحن أمام سيرة حقيقية تستحق أن تُسرد أمام الأطفال والكبار، والحقيقة أن هذا الرجل يمتلك فعلًا الكثير مما يُمكن تعلمه والاستفادة منه، على العموم، في السطور القليلة المُقبلة سوف نتناول سويًا سيرة ثالث الخلفاء المسلمين بالتفصيل مع الوقوف على أهم المحطات التي مر بها هذا الرجل وكيف أثرت في حياة الإسلام والمسلمين وهل بمقدورنا فعلًا التعلم من مواقفه في حياتنا ومعتقداتنا؟

من هو عثمان بن عفان ؟

أول شيء يجب معرفته عن هذا الرجل هو اسمه وميلاده من حيث المكان والتاريخ، وبهذا الصدد دعونا نعرفكم به، فهو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عمد مناف، ومناف هو الجد الذي يلتقي فيه عثمان بن عفان مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قيل إنه ولد في الطائف كما قيل إنه قد ولد في مكة المكرمة أيضًا، الثابت أنه قد ولت بعد عام الفيل بحوالي ست سنوات، وتحديدًا سنة 576 ميلاديًا، وقد عاصر أبوه وأمه لكن أبوه مات في الجاهلية بينما كان نصيب أمه أفضل حيث ماتت وهي على دين الإسلام، وذلك ما منح عثمان بن عفان فرصة تغسيلها ودفنها بيده، فقد عاشت حتى الوقت الذي أصبح فيه عثمان خليفة المسلمين والرجل الأول في الدولة الإسلامية بشكل عام.

في تعريف عثمان بن عفان أيضًا دعونا لا ننسى أبدًا كونه من القلائل الذين لم يسجدوا لصنم طوال حياتهم، وهذا يعني أنه قبل إسلامه لم يكن يتبع معتقدات ومفاهيم خاطئة، هذا بخلاف كونه كذلك لم يشرب الخمر من قبل، لا في الجاهلية ولا في الإسلام، وكان أعزه الله من أشراف قريش من حيث النسب والشرف، فإذا ذكر عثمان بن عفان ذكرت الحكمة والمقام الرفيع، فالجميع كان يهتم بمخالطة عثمان والمشاركة في تجارته ونسبه، فقد امتلك عدة سفريات ناجحة في كل مكان في العالم مما أكسبه مكانة كبيرة وعقل راجح، كل هذا قبل الإسلام، فماذا بعده؟

عثمان بن عفان والإسلام

قصة إسلام عثمان بن عفان تُعد بلا شك من القصص الشهيرة جدًا، حيث أن أبا بكرٍ الصديق كان ينظر إلى بن عفان نظرة عاقل متعقل لا يليق به أبدًا عبادة الأوثان واتباع عادات الكفار، وهذا ما قاله له بالفعل عندما ذهب إليه وأخبره فيما معناه أن عليه إعادة النظر مرة أخرى في عبادة الأصنام وأنه ذو رأي راجح وعقل سديد، كما دعاه أبو بكر في نفس الجلسة إلى زيارة النبي صلى الله عليه وسلام والسماع منه بنفسه، وقد بن عفان مستمعًا حسنًا، لذلك قبل لقاء النبي ولم يعارض أو يتردد مثل بقية المشركين، ثم كانت الصدفة بمرور النبي في هذا التوقيت وحديثه مع بن عفان ليستقر قلبه ويُعلن إسلامه على الفور ويُصبح بذلك رابع من أسلم من الرجال، كما أنه لم يتأخر كثيرًا عن دخول دار بن الأرقام وحضور الجلسات الإسلامية التي كانت تُنظم هناك، بعدها بدأت حياة ذو النورين بعد الإسلام وقد كانت الفاتحة بالهجرات.

عثمان بن عفان والهجرات

على الرغم من عثمان بن عفان كان من أغنياء قريش وأكثرهم شهرة قبل الإسلام إلا أن ذلك لم يمنع عنه العذاب الذي أذاقه أهل مكة لكل المشركين، فقد تم تعذيبه من قِبل عمه حتى أنه لم يتحمل ذلك وخرج في جميع الهجرات وأولها هجرة الحبشة والهجرتين الأولى والثانية إلى المدينة، وربما يكون ذلك غير واضحًا بالنسبة لكم إلا أن هجرة عثمان بن عفان على وجه التحديد تضرب مثالًا أكثر وضوحًا في التضحية والفداء، فهو شخص غني، والأغنياء في مكة كانوا أقل فئة من حيث الدخول في الإسلام حتى أن بعضهم عندما يدخل فيه فإنه لا يُعلن ذلك حفاظًا على مكانته وخوفًا من التنكيل، لكن بن عفان لم يفعل ذلك وأصبح مثالًا رائعًا في المساواة بين الغني والفقير في الإسلام، إذ أنه قد شارك في كل الغزوات وخاص كل ما يُمكن خوضه في الإسلام، ولهذا نعود ونؤكد أن عثمان على وجه التحديد نموذج مختلف يستحق التركيز معه.

عثمان ذو النورين

هناك لقب شهير يُطلق على عثمان بن عفان ويعرفه القاصي والداني، وهو لقب أُطلق عليه بسبب زواجه من بنات النبي أم كلثوم ورقية، لكنهما قد ماتا بعد فترة ليست بالكبيرة من الزواج، وقد كان النبي دائمًا ما يُخبره بأنه لو كان يمتلك ابنة أخرى لأعطاها أيضًا لابن عفان، وبالتأكيد لم تنتهي الحياة الزوجة بالنسبة لخليفة الفاروق مع موت بنات النبي، صحيح أنه قد أحب رقية على وجه التحديد أكثر من أي امرأة أخرى وخاض معها كل اللحظات الهامة في حياته بعد الإسلام لكنه تزوج أيضًا فاطمة بنت الوليد وأم عمرو بنت جندب وغيرهما، أما فيما يتعلق بعلاقته بزواجاته وكيفية تعامله معهن فيكفي تمامًا أن نذكر لكم الموقف الشهير الذي حدث مع زوجته رقية خلال غزوة بدر.

عثمان بن عفان وغزوة بدر

لما نادى المنادي للجهاد في غزوة بدر تجهز الجميع بما فيهم عثمان بن عفان وكل الصحابة الكبار، كانت أول غزوة في الإسلام وكان من الطبيعي أن يكون الجميع متحمسًا لها بشدة، بيد أن عثمان عندما حمل سيفه واستعد للخروج اشتد المرض على زوجته في هذا التوقيت رقية بنت محمد، وقد أمره النبي بملازمة زوجته ورعايتها، وبالفعل قام عثمان بذلك بيد أن رقية قد ماتت في نهاية الحرب فدفنها ثم استل سيفه وخرج ليلحق بالجيش، والذي كان عائدًا منتصرًا بالنصر الأول في الإسلام، ولكي يُجازيه النبي رمى له بسهم في الحرب، وهذا يعني أنه قد شهد بدر، وربما هذا ما أصبح يتفق عليه جميع العلماء وكتاب السيرة دون حتى أن يعرفوا التفاصيل، فبصورة عقلية بحتة لم يشهد عثمان بن عفان بدر ولم يكن ضمن الجيش، لكن نظريًا وبعد أن رمى له النبي بسهم خلال الحرب فهو يُعد أحد الذين حضروا الحرب وقاتلوا بها.

عثمان وصلح الحديبية

في السنة السادسة من الهجرة كان عثمان بن عفان حاضرًا من خلال موقف آخر من المواقف القوية، ففي هذه السنة خرج النبي مع صحابته إلى مكة قاصدًا الحج، فلما وصل النبي إلى أطراف مكة أراد إرسال رجل يحصل على عهد المشركين ويُخبرهم أنه لا يقصد القتال، وفي هذا تم استهداف رجل هُدد بالقتل ويُقال إنه قد قتل بالفعل، ثم وقع الاختيار بعد ذلك على عمر بن الخطاب، والذي رفض هو الآخر واعتذر للنبي لأنه يرى أن المشركين يُريدون قتله لعداوته الشديدة لهم وليس عليه أبدًا منحهم هذه الفرصة، وبهذه الصورة لم يكن ثمة مرسال إلى المشركين، فاختار عمر بديلًا له وهو عثمان بن عفان، وقد عزز عمر اختياره بإخباره للنبي أن عثمان له عشيرته التي ستحميه وتنصره.

ذهب عثمان بن عفان وأبلغ الرسالة وتواصل مع المستضعفين من المشركين وأخبرهم أن الفرج قادم وأن إعصار الإسلام لن يتمكن أحد من إيقافه، كما طلب منهم عثمان عدن الخنوع وأن يأخذ منهم رسالة شفاهية إلى النبي، وقد تم كل ذلك دون أن يتعرض عثمان لأذى إلا أن المنفقين أشاعوا في معسكر المسلمين أن عثمان بن عفان قد قُتل مغدورًا، فتجهز النبي بجيش من ألف رجل وأراد أن يقصد مكة ويثأر لعثمان، فقط بسط الصحابة جميعًا يدهم في مبايعته على الموت، حتى أن النبي وضع إحدى يديه فوق الأخرى في كناية على أن عثمان هو الآخر قد بايع، لكن عودة عثمان في النهاية قد أنهت كل ذلك وأوقفت القتال، والشيء الذي نُريد إثباته هنا جرأة عثمان وذهابه في مهمة تقترب من التضحية بنفسه.

عثمان بن عفان والخلافة

تولى عثمان بن عفان خلافة المسلمين على مدار اثنتي عشر عامًا، وعلى الرغم من أنها فترة طويلة بعض الشيء إلا أن الإنجازات والأمور الجيدة فيها كانت بالنصف الأول فقط، وهو الذي كان فيه الرخاء والجيل القديم من الصحابة لا يزال حاضرًا، لكن بعد ذلك ظهر الجيل الجديد وتمكن بعض المندسين من دخول الإسلام لتخريبه، حيث أن النصف الثاني من خلافة عثمان كان يعج بالصراعات والأمور السيئة التي حاول بن عفان قدر الإمكان السيطرة عليها، لكن تلك المحاولات في نهاية المطاف أدت إلى استشهاده، فكيف حدث ذلك يا تُرى؟

استشهاد عثمان بن عفان

في السنة الخامسة والثلاثين من الهجرة تم اغتيال عثمان بن عفان عن عمر اثنين وثمانين عام، وقد قيل أن عبد الله بن سبأ هو الذي دبر لذلك، فقد هجم جمع من المنافقين المرتزقة على بيت بن عفان وقتله جنده ثم دخلوا عليه وهو يقرأ القرآن وقتلوه حتى سالت الدماء على المصحف الشريف، ولاحقًا بعد فترة قيل أن هؤلاء قد أدركوا بخطأ ما فعلوه وحاولوا التوبة، لكن ما يعنينا الآن أن الشهادة قد جاءت عن عمر كبير يصل إلى الثانية والثمانين، وهو الأمر الذي طالما حلم به عثمان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اثنا عشر − أربعة =