نظرية المجال الحيوي

نظرية المجال الحيوي هي نظرية ترى أن الدولة تشبه الكائن الحي لديها احتياجات ومتطلبات للعيش، ولذلك إذا كانت قدرات الدولة أكبر من مساحتها الجغرافية فعليها في هذه الحالة أن تتوسع من أجل أن تؤمن احتياجات سكانها من الغذاء، وجدير بالذكر أن نظرية المجال الحيوي كانت السبب الرئيسي في التوسع الاستعماري للكثير من الدول وخاصة بعد الثورة الصناعية وزيادة الإنتاج، حيث برزت حاجة الدول إلى نظرية المجال الحيوي من أجل تبرير احتلال الدول الأخرى والتوسع على حساب أراضيها.

ماهي نظرية المجال الحيوي ؟

مصطلح نظرية المجال الحيوي تم استخدامه للمرة الأولى خلال القرن التاسع عشر من قبل عالم الأحياء الألماني “أوسكار بيسكال” عام 1860 وذلك في صفحات كتابه التي حملت عنوان “مراجعة أصول الأنواع عند داروين” وخلال عام 1897 تم نقل مصطلح المجال الحيوي من علم الأحياء إلى علم السياسة من قبل العالم الألماني “فردريك راتزل” وذلك في كتابه “الجغرافيا السياسية” حيث اعتبر راتزل في كتابه أن الدولة كائن حي مثلها مثل الإنسان تدفعها الضرورة من أجل التوسع لضم الأراضي التي تحتاجها حتى لو اضطرت لاستخدام القوة من أجل تحقيق أهدافها، فالدولة في نظر راتزل تنقسم لجزأين؛ جزء بيولوجي وهذا الجزء متمثل في السكان الموجودين داخل حدود الدولة قبل عملية التوسع، والجزء الآخر معنوي مستمد بالأساس من ارتباط الإنسان بالمكان الذي يعمل ويعيش فيه، وعليه فقد أوجدت تلك النظرية حجة قوية للدولة من أجل ضم أراضي الغير وانتماء سكانها للأرض الجديدة بعد التوسع انتماءً معنوياً.

بداية ظهور نظرية المجال الحيوي

نظرية المجال الحيوي ظهرت للمرة الأولى على أرض الواقع بسبب الحصار الذي قامت بريطانيا بفرضه على التجارة من وإلى دولة ألمانيا خلال أحداث الحرب العالمية الأولى حيث أدى هذا الحصار إلى نقص حاد بالمواد الغذائية في ألمانيا وذلك في الوقت الذي كانت فيه الموارد الغذائية متوفرة بكثرة في المستعمرات الألمانية في أفريقيا، ولذلك ونتيجة لمعاناة ألمانيا من ويلات الجوع أثناء الحرب العالمية الأولى طفت نظرية المجال الحيوي على السطح على اعتبار أن مأساة ألمانيا ومعاناتها من الجوع كان يمكن تفاديها بسهولة لو كانت ألمانيا قد قامت بالتوسع في أراضي روسيا من ناحية الشرق وذلك من أجل سد النقص في مواردها الغذائية وذلك على اعتبار أن روسيا تملك الكثير من الأراضي الصالحة للزراعة ولديها وفرة من الموارد الغذائية.

قواعد وأسس نظرية المجال الحيوي

نظرية المجال الحيوي تم وضع أسسها وقواعدها الأساسية خلال عام 1901 في مقالة حملت عنوان “القوانين السبعة لنمو أراضي الدولة وهذه القواعد والأسس وفق ما ورد بكتاب “الأصول العامة في الجغرافيا السياسية والجيوبوليتكيا” وتلك القواعد هي:

  1. رقعة أراضي الدولة تنمو بمعدل نمو حضارتها؛ فإذا كان عدد سكان الدولة الذين لديهم حضارة تخصهم كبير فيجب أن تزداد مساحة تلك الأراضي التي يحتلونها لتناسب حضارتهم بمعنى أن يقوموا بنشر حضارتهم في كل الأراضي المحتلة فتصبح بالتالي تلك الأراضي المحتلة ملكاً للدولة مقابل نشر الثقافة في ربوعها، وجدير بالذكر أن هذا الأمر قد حدث بالفعل من قبل الأوروبيين الذين قاموا بالهجرة للولايات المتحدة الأمريكية حيث قاموا بنشر الثقافة الأوروبية وفرضها على الهنود الحمر بالقوة وتملكوا الأراضي فتشكلت الولايات المتحدة الأمريكية على الطابع الأوروبي لأنها الدولة صاحبة الحضارة.
  2. نمو الدولة وتوسعها من خلال احتلال أراضي دول أخرى يأتي بعد نمو السكان في تلك الدولة وذلك لكي يتسنى لهم الانتشار والتوسع في الأراضي الجديدة وبالتالي نشر حضارتهم وثقافتهم فيها.
  3. عملية نمو الدولة عملية مستمرة لا تتوقف عن ضم أراضي الدولة الأخرى ما دامت حضارتها قائمة ومنتشرة، وبمجرد ضم أراضي الغير تصبح الدولة كلا واحداً لا يقبل التجزئة.
  4. حدود الدولة الخارجية تعد بمثابة جلد الإنسان؛ لا توضع فقط من أجل حماية الدولة من العدوان الخارجي وإنما توضع أيضاً من أجل تمدد الدولة في المستقبل ونموها.
  5. تسعى الدولة الراغبة في النمو إلى ضم الأقاليم السياسية المهمة، بمعنى آخر يجب أن تكون الأقاليم والأراضي التي تحتلها الدولة ذات قيمة استراتيجية وسياسية وغذائية واقتصادية كأن تكون غنية بالبترول على سبيل المثال كإقليم عربستان الذي احتلته إيران خلال القرن العشرين، أو يطل الإقليم على مضيق هام كعدن التي قامت بريطانيا باحتلالها في القرن العشرين لأنها تطل مباشرة على مضيق باب المندب، أو أن تكون الدولة المحتلة ذات قيمة غذائية وبها الكثير من الأراضي الصالحة للزراعة مثل السودان الذي احتلته بريطانيا لغناه بالنفط والأراضي الزراعية.
  6. الدافع الأول لنمو الدول وفق قواعد راتزل هو الحضارة التي يمتلكها سكان هذه الدولة؛ بعبارة أخرى لا تتوسع الدولة لتنتشر على حساب أراضي الغير إلا إذا كانت صاحبة حضارة عريقة ولا تكفيها حدودها للتعبير عنها فلذلك تتوسع الدولة لكي تنشر حضارتها بالأماكن المحتلة.
  7. نمو الدولة يشبه الشخص الجائع صاحب الشهية المفتوحة لتناول كل الطعام الذي أمامه ولذلك فهي عملية لا تنتهي أبداً بمجرد البدء بها تزداد بشدة ولا يمكن الوقوف أمامها بأي حال من الأحوال.

تطبيق ألمانيا لنظرية المجال الحيوي

نظرية المجال الحيوي تم تطبيقها من قبل ألمانيا وذلك للانتقام من الهزيمة العسكرية المدوية التي لحقت بها خلال الحرب العالمية الأولى بين عامي 1914-1918 وأيضاً ما فرضته بنود اتفاقية فرساي من شروط ظالمة بحقها بعد أن أخذت منها الكثير من الأقاليم وضمتها لدول لأخرى وذلك مثل ميناء دانزينغ الذي تم أخده من ألمانيا وإعطائه لبولونيا بموجب اتفاقية فرساي، وخلال عام 1925 كتب المستشار الألماني “أدولف هتلر” فصل بعنوان “التوجه ناحية الشرق أو السياسة الشرقية” وذلك في كتابه كفاحي وقد ارتكز هذا الفصل على نظرية المجال الحيوي حيث دعا هتلر في كتابه إلى ضرورة توسيع المجال الحيوي للشعب الألماني من أجل توفير مصادر جديدة للموارد الغذائية، وقد حاولت ألمانيا بالفعل خلال الحرب العالمية الثانية 1918-1939 إنشاء إمبراطورية استعمارية تكون مطابقة للإمبراطورية الفرنسية والإمبراطورية البريطانية وذلك بالارتكاز على فكرة أن الدولة كائن حي مثلما ذكر العالم “فردريك راتزل” الألماني وقد أضاف هتلر أن الدولة التي تتكيف مع المكان الذي تشغله على خريطة العالم من الطبيعي أن تتوسع لاحتلال دول أخرى.

جدير بالذكر أن هتلر ارتكز من أجل العمل على نجاح خطته على تشجيع الزيادة السكانية لدى الأسرة الألمانية وذلك حتى يستطيع سكان ألمانيا شغل الأراضي التي تتوسع إليها ألمانيا؛ فعلى سبيل المثال أدى انخفاض عدد سكان البرتغال إلى اندثار واختفاء الإمبراطورية البرتغالية واكتفائها بحدودها الجغرافية الطبيعية نتيجة عدم توفر عدد كبير من السكان يؤهلها للدفاع عن مستعمراتها وعليه اضطرت البرتغالي إلى الانسحاب والاكتفاء بحدودها الطبيعية.

وبعد أن وصل أدولف هتلر إلى سدة الحكم في ألمانيا أضحت نظرية المجال الحيوي المبدأ العقائدي الأساسي للنازية حيث قدمت تلك النازية مبررات للتوسع الألماني الإقليمي في أوروبا الوسطي والشرقية وتضمن المبدأ النازي ضرورة القضاء على السكان الأصليين للدولة المحتلة إما عن طريق الترحيل إلى سيبريا أو الاستعباد أو الموت وذلك على اعتبار أن هؤلاء السكان الأصليين أقل شأنا من الجنس الألماني الآري.

ختاما، فنظرية المجال الحيوي على الرغم من عدم عدالتها وعدم إنسانيتها إلا أنها طُبقت على أرض الواقع في الكثير من المرات ربما لأن عالم السياسة والعلاقات الدولية لا تحكمه الاعتبارات الإنسانية بأي حال من الأحوال، وبعيداً عن الاعتبارات الإنسانية فكرة الإمبراطورية فكرة أثبتت فشلها أيضاً على أرض الواقع حيث أن الدولة تعجز تماماً عن إدارة ذلك الحجم الهائل من الحيز الجغرافي ومن أشهر التوسعات التي فشلت الدولة العثمانية والاتحاد السوفيتي.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

2 × خمسة =