مصطفى كمال أتاتورك

كان عسكري مغمور لا يعرفه أحد وسرعان ما أصبح ظاهرة شعبية كبير في تركيا، ولد مصطفى كمال أتاتورك في التاسع عشر من مايو عام 1881 ووصل إلى الحكم في العام الثالث والعشرين من القرن العشرين، أي أنه تقلد منصب رئيس جمهورية تركيا وهو ذو أثنين وأربعين عام فقط، في فترة كبيرة منها كان لا يفكر في الحكم أبدًا حيث أنه دخل المجال العسكري لأنه أعجب بزي الطلاب في تلك المدرسة، ولكن يشاء القدر أن يكبر شيئًا فشيء وتزداد مكانته بشكل كبير جدًا حتى يستحوذ على حكم البلاد، فقد كانت الأوضاع مناسبة جدًا حيث أن العثمانيون قاموا بالكثير من الأخطاء في نهاية فترتهم، فغابت الحريات وقتلت الديموقراطية فكان لزامًا على الشعب التركي إصلاح تلك الخلافة وتقويمها، ولكن كان لمصطفى كمال أتاتورك رأي أخر حيث قام بإلغاء الخلافة من الأساس وجعل السلطة بالانتخاب، وقام أيضًا بالكثير من التغييرات في الدولة حتى صارت تركيا الحديثة بحق، فإذا كنت تود معرفة هذه التغيرات فيتوجب عليك أن تتابع مقالنا هذا حتى نهايته.

إنشاء اللغة التركية الحديثة

مصطفى كمال أتاتورك إنشاء اللغة التركية الحديثة

كانت اللغة التركية العثمانية المكتوبة بالأبجدية العربية هي اللغة الرسمية للبلاد إلى أن جاء مصطفى كما أتاتورك وأعلن عن استبدالها بلغة جديدة مشتقة من الأحرف اللاتينية، حيث كانت اللغة التركية قبل عام 1928 مبنية على الأحرف العربية وشكلها مثل الشكل الفارسي تقريبًا، أحرف عربية ولكن بترتيب وتنسيق ونطق مختلف بعض الشيء، وكما نعلم أن مصطفى كمال أتاتورك نوى إبعاد كل ما هو عربي وإسلامي عن الأراضي التركية، فمن خطوات فصل الترك عن العرب هو عدم استخدام حروفهم أبدًا، وحتى ما كان متشابه مع اللغة العربية من كلمات قام باستبدالها بما هو تركي قديم جدًا أو من لغات أخرى، لتخرج لنا لغة تركية جديدة فرضت على الشعب التركي فكانت مبغوضة من قبل الناس، وترتب عليها بعد الصعوبات الكبيرة فكان المولودين قبل عام 1940 يتحدثون التركية العثمانية، والمولودين بعد 1940 يتحدثون اللغة التركية الجديدة.

وهذا ما جعل الوضع غير جيد أبدًا حتى أن مصطفى كمال نفسه المتسبب في ظهور تلك اللغة قد ألقى أشهر خطاب له باللغة التركية العثمانية، وأدى أيضًا إلى ترجمة الخطاب حوالي ثلاثة مرات حتى يتم فهمه من قبل الأجيال التركية الحديثة، ومن الجدير بالذكر أن هناك محاولة قد ظهرت عام 2014 من قبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لإعادة اللغة التركية العثمانية القديمة، فقد قال أن الحكومة تنوي إعادة اللغة القديمة المكتوبة بالأحرف العربية مرة أخرى وإدخالها للمدارس لتدرس في المناهج، وذكر أيضًا أن تغيير لغة دولة يعني محو حضارتها وتاريخها، ولذلك يجب إعادة اللغة التي كانت سائدة لعدة قرون في الأراضي التركية.

سن قوانين جديدة للدولة من قبل مصطفى كمال أتاتورك

من ضمن التغييرات الهامة التي قام بها مصطفى كمال أتاتورك في دولة تركيا الحديثة التي أسسها هو سن القوانين الجديدة للدولة، فقد كانت تركيا قبل تولى أتاتورك حكمها تسير بالقوانين والتشريعات والأحكام الإسلامية، ولكن بعدما تولى هذا الرجل الحكم عمل على محو كل ما هو متعلق بالدين الإسلامي، وهذا لكونه علماني يفصل الدين عن السياسة فغير معظم القوانين إن لم يكن جميعها، فألغى أولًا المحاكم الشرعية من كل الأراضي التركية في عام 1926، سن بعض من القوانين المستوحاة من الدستور السويسري والتي رأى أنها ملائمة مع دولة تركيا، أيضًا قام في الأول من مارس عام 1926 بإصدار القانون الجنائي التركي الجديد، وقد كان هذا القانون مستمد في أغلبه من القانون الجنائي الإيطالي، ومن القوانين الجديدة التي أسنها مصطفى كمال أتاتورك هو القانون المدني الخاص بمدنية الدولة.

وهو أيضًا مستمد من القانون المدني السويسري، فلم يقم أتاتورك بإصدار قوانين من نفسه بل جميعها كانت مأخوذة من قوانين دول أخرى، رأى أتاتورك فيها أنها قوانين متناسبة مع الدولة التركية الحديثة، ومن الأفضل وضعها بدل من القوانين والأحكام الإسلامية، وهذا كان جزء من خطته التي تريد محو كل ما هو متعلق بالإسلام في الدولة التركية، فغير كل القوانين إلا القوانين المتعلقة بالدين فقط مثل الزواج.

إلغاء الخلافة ومحو كل متعلق بها

من الأمور الهامة التي قام بها مصطفى كمال أتاتورك في دولة تركيا الحديثة بل وأهمها على الإطلاق هو إلغاء الخلافة العثمانية، فقد ألغى هذا الرجل أخر خلافة إسلامية في التاريخ بل وأكبر خلافة في التاريخ أيضًا، فأصبحت سلالة آل عثمان بعيدة كل البعد عن السلطة والحكم وأخر من بقي منها تم نفيه خارج حدود تركيا، وتولى مصطفى بنفسه حكم البلاد بتأييد وتصويت من قبل مائة وثمانية وخمسون نائب، وقد حدثت الكثير من الخلافات والمشاكل بعد إلغاء الخلافة العثمانية نهائيًا، حيث أن هناك من كان يؤيد الخلافة وبقاءها واستمرارها في الحكم، وهناك من كان يرى عكس ذلك وأيد قرار مصطفى كمال أتاتورك في إلغاء هذا النظام، عامة ألغيت الخلافة وأصبحت الدولة جمهورية يتولى الرئيس الحكم بواسطة الصندوق والانتخابات.

ويذكر أن الرئيس الأول للجمهورية التركية وهو مصطفى كمال أتاتورك قام بالكثير من التغييرات التي كان هدفها محو كل ما هو عثماني، فعلى سبيل المثال قام بمنع الأتراك من ارتداء العمامة الشهيرة للعثمانيين، وقام أيضًا بمنع وضع الطربوش أو القبعة التركية القديمة، واستبدلهم بلباس وقبعة غربية أوروبية تتناس مع الجو التقدمي والحضاري الذي تعيشه الدولة، أيضًا قام أتاتورك بإلغاء الألقاب الدينية والمذهبية والعثمانية القديمة، وهذا حتى يقضي على كل ما هو متعلق بالدولة العثمانية ويجعل الدولة جمهورية حديثة دستورية، وغيرها من التغييرات الكثيرة التي قام بها مصطفى كمال أتاتورك في الدولة التركية الحديثة.

تغييرات أخرى في الدولة التركية

مصطفى كمال أتاتورك تغييرات أخرى في الدولة التركية

هناك أيضًا تغييرات أخرى قام بها مصطفى كمال أتاتورك في دولة تركيا الحديثة فور توليه منصب رئاسة الجمهورية، على سبيل المثال قام بإلغاء المدارس الدينية وأزال الأضرحة ثم أعقبها بإلغاء التكايا التي كانت عبارة عن دار طعام واستراحة للمهاجرين والمسافرين والفقراء، أيضًا قام بتبني التقويم الدولي الميلادي وإلغاء التقويم العربي الهجري، وقام بخلق جو من المساواة بين الذكر والأنثى والسعي بشكل جاد نحو تحرير وتحرر المرأة، فلابد من مشاركتها في جميع مجالات الحياة ولا تكون حياتها مقتصرة على منزلها فقط كما كان سائد في المجتمع الإسلامي، فهو كما قلنا يحاول فصل الدين عن الدولة والمدنية والسياسة والقوانين، ولذلك قام بمنع ارتداء الحجاب في المدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية، ووحد التعليم وعممه على الذكر والأنثى كنوع من المساواة بينهما.

وبعيدًا عن ذلك قام أتاتورك بحذف كلمة الله من اليمين الجمهوري واتبعها بتعديل للدستور شمل حذف كل ما هو نص ديني في المادة السادسة والعشرين، لعل أهم حذف ديني في ذلك الدستور هو حذف جملة الإسلام دين الدولة ومصدر تشريعها، فقد حذفت تلك الجملة لكون مصطفى كمال أتاتورك علماني لا يحب تدخل الدين في القوانين والسياسة وغيره، كل هذا التغيرات وأكثر قام بها هذا الرجل فور توليه لمنصب رئاسة الجمهورية التركية الحديثة، وللأسف كما هو واضح أغلبها إن لم يكن جميعها كان منافي للدين الإسلامي وقوانينه وأحكامه التي نعرفها، والتي كانت تسير بها الدولة العثمانية منذ نشأتها وحتى سقوطها.

من هو مصطفى كمال أتاتورك ؟

الآن وبعدما عرفنا كيف تمكن مصطفى كمال أتاتورك بتغيير الكثير من الأشياء في دولة تركيا الحديثة، يتوجب علينا معرفة من هو مصطفى كمال أتاتورك وكيف وصل إلى كل هذا القدر من العظمة، بداية ولد مصطفى في مدينة سالونيك اليونانية التي كانت تابعة في تلك الوقت للدولة العثمانية، كبر وتعلم في إحدى المدرس ولكن عندما مات والده خرج من المدرسة وذهب للعمل مع أخيه في المزرعة، فأهمل تعليمه وظل على تلك الحالة عدة أعوام حتى أخذته أمه وعادوا إلى مدينتهم الأم وهناك رجع لدراسته مرة أخرى، فدخل مدرسة الرشيدية المدنية وكان متفوق بها حتى لقبه مدرسه بكمال، وبذلك يصبح مصطفى كمال بعدما كان يسمى بمصطفى علي أفندي وهو اسم والده.

عامة في أثناء الدراسة رأي مصطفى جمال الزي العسكري لطلاب مدرسة الرشيدية العسكرية فقرر الالتحاق بها، وبالرغم من المعارضة الشديدة التي أبدتها والدته لكونها لا تفضل الدراسة العسكرية له، إلا أنه تمكن من إقناعها ودخل المدرسة الرشيدية العسكرية ومنها إلى مدرسة عسكرية أخرى وهكذا، حتى تخرج من مدرسته عام 1905 وهو رئيس أركان حرب في الأكاديمية الحربية التركية، وبذلك يبدأ عمله العسكري الذي كان شغوف به فتنقل من مكان لأخر كقائد في صفوف الجيش التركي، فذهب إلى دمشق وفلسطين ومصر وليبيا وفرنسا، وشارك في حرب طرابلس الغرب، وحرب البلقان، والحرب العالمية الأولى، وحتى هذه الحروب والمعارك كان مصطفى كمال شخص عادي جدًا لا يقود إلا فرقة من فرق الجيش فقط.

وصول مصطفى كمال أتاتورك للرئاسة

مصطفى كمال أتاتورك وصول مصطفى كمال أتاتورك للرئاسة

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وهزيمة الدولة العثمانية بها كان مصطفى كمال أتاتورك مجرد قائد لا يمكنه إحداث أي تغيير، ولكن سرعان ما تغيرت الأمور وصار هذا الراجل أكثر أهمية وتأثيرًا من السلطان العثماني على عرشه، حيث أنه كان قائدًا لحرب الاستقلال التركية والتي انتهت بمعاهدة لوزان، وقد أسفرت تلك المعاهدة عن تأسيس الجمهورية التركية في عام 1923 وفي أعقابها تم إلغاء الخلافة العثمانية الإسلامية نهائيًا، وفي نفس العام قام مصطفى كمال أتاتورك بتأسيس حزب جديد أسماه بالحزب الشعبي، وأصدر أيضًا الدستور الجديد لدولة تركيا الحديثة، والذي وافقت عليه اللجنة العامة للشعب التركي ووافقت أيضًا على صعود مصطفى كمال أتاتورك إلى عرش السلطة، فقد حصل مصطفى على نسبة تأييد كبيرة من المجلس بلغت مائة وثمانية وخمسين صوت، وبذلك يصبح مصطفى كمال أتاتورك هو أول رئيس لجمهورية تركيا المستقلة الحديثة.

وحسب الدستور الجديد الذي أسنه في ذلك الوقت كانت فترة الرئاسة أربعة أعوم فقط، فأمضى مصطفى كمال فترته الرئاسية ولكن لم يترك الحكم فقط ترشح مرة أخرى بعدها وتمكن من تحقيق أعلى نسبة من أصوات الشعب، فتقلد الحكم مرة ثانية في عام 1927 ثم تولى فترة أخرى عام 1931 ثم فترة أخرى في عام 1935، وبذلك يكون هذا الرجل قد حكم تركيا أربعة مرات متتاليات بناء على رغبة الشعب الذي كان يحبه جدًا.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

تسعة عشر − 16 =