تسعة
الرئيسية » اعرف اكثر » تعرف على » كيف نشأ مذهب الشك في الفلسفة ومن أهم رواده؟

كيف نشأ مذهب الشك في الفلسفة ومن أهم رواده؟

مذهب الشك من أهم المذاهب الفلسفية الفكرية، بشكل عام الفلسفة هي العمود الرئيسي للفكر الصحيح، والشكوكية تزيد من درجة وعينا بزيادة قدرتنا على انتقاء المعلومات الصحيحة وتنقيح الثوابت الموروثة للارتقاء بفكرنا وتعلم طرق التفكير المنطقي.

مذهب الشك

مذهب الشك في الفلسفة أو “البيرونية” ويقصد بها -الشك المطلق- هو معتقد احد المعتقدات الفلسفية التي ظهرت في الفلسفة اليونانية القديمة، ومع الوقت ظهرت مذاهب شكوكية مختلفة، غرضها الأساسي هو محاولة لتحجيم اعتقاد الشخص بأنه يملك “الحقيقة المطلقة” فكل شيء قابل للشك، لكن ضروري فهم المقصود بالشك في الفلسفة، فالشك الفلسفي ليس مجرد تشكيك أحمق بدوافع عاطفية، إنما شك منطقي قائم على مقدمات سليمة، ومسلسل بشكل يهدف إلى تنقيح المعلومة أو الوصول إلى حالة عصف ذهني، تزيد من وعي السائل والمسؤول، وسنتعرف معا في المقال التالي على مفهوم الشكوكية في الفلسفة، والمدارس الفكرية المختلفة له، ويظهر فيها تعريفات اليقين والشك، كما تختلف عند مجموعة مختلفة من الفلاسفة المذاهب الفكرية الخاصة بتعريف الشك، فنعرفها عند ديكارت وعند السفسطائيين، ونفهم ما هو الشك المطلق، والأهم أننا نعرف أهمية “الشك” كأحد مذاهب وطرق التفكير المنطقي، وكيف يفيدنا التفكير المنطقي في تحسين نمط حياتنا ككل.

مذهب الشك في الفلسفة

مذهب الشك مذهب الشك في الفلسفة

مذهب الشك معتقد فكري يرمز ببساطة إلى أنه لا يوجد صح مطلق ولا خطأ مطلق، فالحقيقة ممكنة لكن الطريق إليها عن طريق التشكيك في المطلقات، بدأت الفلسفة الشكية تتخذ موقعاً من العلوم الإنسانية في القرن الخامس قبل الميلاد على يد فلاسفة اليونان القديمة، بدأت لدى السفسطائيين، وانتقلت في حكم سقراط رغم أنه كان المعارض الأول للسفسطائيين، حيث قال سقراط أنه لا يعرف شيء، مشككا في مجمل العلوم التي أمتلكها، وكانت الشكوكية في العصر القديم لها مدرستان، في العالم الروماني القديم، وفي العالم اليوناني، أسس المدرسة اليونانية “بيرو” ومن هنا سميت بالبيرونية، والأخرى شكوكية أكاديمية، وأسسها “كارنياديس” و “أركسيلاوس” وكلاهما كانا رؤساء لأكاديمية أفلاطون.

الفرق الرئيسي بين كلا المدرستين كان يتمثل في أن الأكاديميين رأوا أن هناك بعض الاعتقادات تعد أكثر احتمالية أو عقلانية من الأخرى، في حين أن البيرونية رأت أن الجدالات المفروضة كلها يمكن اعتبارها مع أو ضد أي رأي عليه خلاف بالتساوي، كتابات المدرسة الفلسفية البيرونية فقدت أغلبها، لذلك كل ما نملكه من المدرسة الشكية القديمة تابع للفيلسوف سيكستوس امبيروكس، وهو من المدرسة البيرونية، ومن أهم أعماله “خلاصة البيرونية” وهو ملخص يوضح كثير من الجدالات الشكوكية، وأندثر مذهب الشك مع الوقت خاصة في عصور الظلام حتى ظهرت بقوة مرة أخرى في عصور النهضة، وظهر فلاسفة مجددين للمذهب وأشهرهم ديكارت.

الشك واليقين في الفلسفة

يقول الجرحاني في معجم “التعريفات” أن الشك هو “التردد بين نقيضين، ولا ترجح أحدهما على الآخر”، وللشك في الفلسفة خصائص محددة، منها توقف الشكاك عن إصدار أحكام سواء بالقبول أو الرفض، قدرة الشكاك على الاختيار بين النقيضين، وانتقاء أفضلهما عن طريق تحليلهما بشكل منطقي، ويكون قادر بالمقدار نفسه على قبول كلاهما وفي الوقت نفسه رفض كلاهما، والشك حرية شخصية وليس جهلاً، بل هو موقف واعي يتم عن طريقه الوصول إلى اليقين، واليقين في الفلسفة هو الإقرار والإيمان بصحة حقيقة ما، ويكون هذا الإيمان مدعوما بالأدلة، ويتميز بانحياز واضح وصريح لحقيقة أو موقف معين، ويكون يقينه مدهم حتما بأدلة منطقية وتسلسل أفكار واضح يؤدي لإقرار الحقيقة، يا إلا فهو ليس يقين فلسفي إنما مجرد موافقة عمياء على أمر ما، ويجب أن يكون اليقين عن طريق قدرتك على برهنة الحقيقة نفسها، وكذلك يتسم اليقين مثل الشك بأنه حرية شخصية وقرار واعي حر من الفرد، وليس مجبورا عليه أو تابعا فيه دون فهم.

مذهب الشك عند ديكارت

اشتعلت الأزمة مرة أخرى بين الشكوكيين حينما فجر ديكارت ببساطة فكرة في عمله “تأملات ميتافيزيقية” وفيه محاولة لدحض الشكوكية بعد أن جعلها هو نفسه أقوى مما كانت بمرات!، فقد قال فيه أنه بالرغم من كل الاحتمالات الشكوكية التي تتسم بالتطرف، إلا أنه لا زال هناك بعض الحقائق الثابتة، مثل أن التفكير يحدث، ومثل أنني موجود! وتلك حقائق مؤكدة بشكل قطعي، وهو ما يدحض ادعاء الشكوكيين أنه لا يوجد ما هو حقيقي قطعاً! فبالتالي تمكن ديكارت من إعادة النظر في مفاهيم الشكوكيين من حيث إنكارهم أنه يوجد حقائق مطلقة، ومع ذلك تتمركز منهجية الشك الديكارتي في أربعة محاور أساسية، أولا عدم القبول بأي حقائق إلا التي تيقن من صحتها، ثانيا تحليل الحقائق إلى وحدات صغيرة متتابعة وصولا لأصلها، ثالثا حل المشكلات من أصغرها إلى أكبرها والانتقال بشكل منظم من الحقائق المبرهنة بالفعل إلى المجاهيل التي تحتاج لبرهان، ورابعا العمل على خلق قائمة جديدة بالمشكلات التي تظهر إضافيا أثناء رحلة البحث عن الحلول.

مذهب الشك السوفسطائي

يمكننا التعرف على مذهب الشك لدى السفسطائيين “وهم أصحاب مذهب فلسفي باسمهم ويعتبروا ممثلين لفكر العامة أو الشعب، وبالرغم من أن الكلمة في الأصل مشتقة من سوفيتس ومعناها المعلم أو الحكيم، إلا أنها انحرفت لمعنى سيء لما انحرف السفسطائيين نفسهم للمبالغة في لي عنق الحقائق وضرب المصطلحات الفلسفية، فأصبحت تعني الكلام الذي يحمل كذب أو تمويه للحقيقة” إلا أن السفسطائيين رغم ما عليهم من مآخذ، قدموا الكثير للحياة الفكرية ومن أهم ما ناقشوه كانت الشكوكية، ويمكننا التعرف على مفهوم الشك عندهم عن طريق الفيلسوف السفسطائي بروتوجراس، حيث شكك في المعرفة نفسها.

يرى بروتوجراس الشك في المعرفة نفسها معتبرها ليست يقينية، حيث أعتبر أن الإنسان الفرد نفسه هو وحدة القياس لما هوة موجود وغير موجود، أي بما يملكه من حواس تمكنه من الإدراك للواقع، وبما أن تلك الحواس إمكانياتها تختلف من فرد لفرد، فبالتالي فإن استقبالها للمعلومات التي تمكنه من معرفة الواقع هي الأخرى تتباين من فرد لآخر، مما يؤول في النهاية للشك في المعرفة وحتميتها، بما أنها تخضع لقوانين متباينة بالأصل!، وبدأ السفسطائيين من تلك النقطة التشكيك في كل العلوم والمعارف والحكم التي يضعها أي حكيم أو فيلسوف آخر، مما خلق نزاعات مستمرة بينهم وبين سقراط الذي بالرغم من أنه كان يشكك هو الآخر في معرفته، إلا أنه واجه السفسطائيين ومنهجهم بالنقد والرفض، وكان دائم التهكم عليهم، مدعي تناقضهم بين ما يقولوه.

مذهب الشك المطلق

مذهب الشك مذهب الشك المطلق

مذهب الشك المطلق المقصود به في الفلسفة الشكية هو المذهب البيرونية القديم، الذي تحدثنا عنه في اليونان القديمة، ويعتقد هذا المذهب في أن الشك مطلق في كل الحقائق، وينظر أصحاب هذا المذهب إلى الحقيقة باعتبارها ممكنة وليست مستحيلة، لكن في الوقت نفسه فهم يقولون أن كل شيء قابل للتشكيك، وكانت الشكية المطلقة ضرورية ربما في مرحلة أولى من مذاهب الفلسفة الشكية عامة، لكن مع تطورها والجدالات التي دارت والعصف الذهني بين الفلاسفة المهتمين بالمسألة عامة، ظهر عيوب في النظرية وفي اعتقاد الشك المطلق، وبدأت تتطور النظرية لشك ويقين، ومذاهب شكوكية مختلفة.

الشك المؤقت عند الإسلاميين

الأمام الغزالي واحد من أكبر علماء الإسلام وكان يرى فائدة من الشك المؤقت عند المسلم، فكان من أهداف مذهب الشك عنده السعي لإدراك الحقيقة بشكل يقيني، والتمسك بالحق مهما كلف هذا من جهد، ويظن الغزالي أن الشك والسعي نحو محاولة الوصول للحقيقة، هو أمر فطري في البشر، ويعترف الغزالي أنه بدأ علمه عن طريق الشك منذ كان صبيا، فقد شكك في كافة الحقائق والعلوم، ولم يكن يعترف بمسلمات يقينية، واستمر يقلب كل شيء في رأسه ويبحث ويجتهد، ومن أكبر آيات الشك في الإسلام، هو نبي الله سيدنا إبراهيم، كان دائم الشك والسؤال والبحث عن الحقيقة، من قبل أن يتلقى النبوة، ومن بعدها وحتى وفاته، أستمر يسأل ويشك ويبحث، ولم يرضى بموافقة عمياء على أي مسألة، حتى البعث بعد الموت، سأل الله أن يريه ليطمئن قلبه.

أهمية الشك في الفلسفة

مذهب الشك أهمية الشك في الفلسفة

أهمية الشك لا تتمثل في الفلسفة كعلم بشكل خاص، ربما نستطيع أن نتفهم أهمية الشك بشكل أكبر، لو فهمنا في الأصل أهمية علم الفلسفة نفسه في حياتنا، الفلسفة هي علم الحكمة، والتمرن على التفكير المنطقي السليم، ولذلك فإننا حين نمارس الفلسفة ونقرأ عنها ونعرفها، فإننا نحسن بشكل غير مباشر من أسلوب معيشتنا ككل، فكل قرار نتخذه في حياتنا مهما بدا صغيرا قد يكون مؤثرا في مسيرتنا، لذلك طرق التفكير الفلسفي السليمة تحسن من قرارتنا، أما عن مذهب الشك نفسه وأهميته، فهو يعيد ترتيب الحقائق في ذهننا ويعمل على توسيع أفاق البحث، لا خوف مطلقا من الشك في كل الثوابت العلمية والاجتماعية والدينية، ما دمت ستتبع نهج الشك الأكاديمي السليم، وتتبع خطوات علمية في البحث عن الحقيقة، وستجدها بشكل أنقى وأفضل ولو وصلت لنفس المعتقد الذي كنت تؤمن به بشكل تلقائي أو موروث، لكن اليقين الحقيقي طريقه الشك.

يمكننا عن طريق المقال السابق التعرف بشكل مستفيض نوعا ما على مداخل المذاهب الشكية كلها، بالطبع يحتوي كل مذهب على آلاف الأوراق والكتب، يمكنك التعرف عليها بشكل أفضل باستخدام المقال السابق كمفاتيح بحثية ومداخل لعالم الفلسفة الشكية، وبين مذهب الشك وفلسفته القديمة والحديثة ستلاحظ التطور الذي حدث تماشياً مع الظرف السياسي والموقف التاريخي أيضاً لكل من العلماء الاجتماعيين أو الفلاسفة الذين قدموا أراء مختلفة في مسألة الشك، فمن مذاهب الشك المطلق حتى إيجاد تعريف فلسفي لليقين، رحلة فكرية ممتعة تساعدك في تنقية معلوماتك وتحسين أفكارك بشكل عام، ودائما تظل الفلسفة هي نقطة الارتكاز لتحسين مستوى أفكارك بمذاهبها ومدارسها المختلفة، حتى ما اختلفت معه، يكفي أنها تدفعك للتفكير بشكل عميق، وتدريب عقلك على تحسين وظائفه المنطقية.

الكاتب: شيماء سامي

إبراهيم جعفر

أضف تعليق

ثلاثة + أربعة =