النسيان

في العصر الحديث لم نعد نجد من يحتفظ بذاكرته في رأسه كبيرًا كان أو صغيرًا، نكتب البداية لننسى النهاية، نحمل شيئًا لدقائق فيختفي ونقضي الساعات في البحث عنه، تذهب ابنتك بطلبك لتعود بشيءٍ لم تطلبه رغم أنها سألتك مرارًا ماذا تريد! تطلب مني أمي ملعقةً فأقف متسمرةً أمام البراد لدقائق ثم أعود لأسألها ببراءةٍ “ماذا طلبتي مني؟”! هل جن العالم؟ أم جميعنا مرضى؟ هل أصاب الزهايمر الجميع؟ أراه أمرًا مستبعد الحدوث إن لم يكن مستحيلًا، نحن مصابون بالنسيان الحديث، إن كثرة النسيان التي نمر بها في حياتنا ليست مرضًا وإنما نتيجةٌ لأسباب عدة، وتزول بزوالها.

كثرة النسيان : المشكلة والحلول

1لماذا ننسى كثيرًا؟

لسنا بحاجةٍ إلى جلسات علاجٍ جماعيةٍ مثلًا ولا يوجد مصلٌ طبيٍّ لكثرة النسيان، فهو ليس مرضًا من أمراض الشيخوخة ولا يشبه الزهايمر ولا النسيان الذي يحدث نتيجةً للحوادث البدنية والصدمات النفسية. فلماذا ننسى كثيرًا وننسى الأشياء المهمة أيضًا والتي يودي بنا نسيانها إلى دواماتٍ وفوضى؟ ومن الملاحظ أنه كلما تقدمنا كلما زدنا نسيانًا وإضاعةً للأشياء المهمة، فبحد علمي لم يصب أجدادنا في شبابهم بمصابنا وإلا لكان الكوكب في انهيارٍ وشيكٍ بغير تقدمٌ ولا ذاكرة!

2كسل الذاكرة

إذا جاز لي التعبير فالنسيان نتيجة كسل الذاكرة وخمولها، النتيجة المتوقعة لظهور المذكرات الإلكترونية في كل هواتفنا الذكية لتصبح الذاكرة البشرية شيئًا قديم الطراز مهملًا قلما نستخدمه في الاحتفاظ بشيء. كل شيءٍ مسجلٌ ومضبوطٌ على وقت تنبيهٍ يذكرنا، كل أرقام الهواتف محفوظةٌ في الهاتف، المواعيد المهمة، جداول الأعمال، أعياد الميلاد، كل المعلومات التي كانت من اختصاص الذاكرة تكفلت التكنولوجيا بتسجيلها مخلفةً لنا ذاكرةً فارغة ومغبرةً من قلة الاستخدام. ومع قلة الاستخدام ظهر الخمول، فالامتناع عن استخدام الذاكرة في كل تلك الأشياء جعلها عاجزةً عن الاحتفاظ بتوافه الأمور، كأن تذهب إلى الغرفة عازمًا القيام بشيءٍ فتنسى فور وصولك، أشياءٌ لا تُسجل ولا تهتم لها الذاكرة الخاملة.

3الأسباب الأخرى للنسيان

وليس الكسل عائق الذاكرة الوحيد بينها وبين كل ما نريدها أن تحتفظ به فقائمة أسباب النسيان طويلة، كالإرهاق والتعب وقلة النوم والتوتر وضغوط الحياة وفوضى الأفكار وكثرة المشتتات للتركيز، كما أن الذاكرة تفتقد الاهتمام.

4الراحة من أجل التغلب على كثرة النسيان

حاجة الجسد والعقل إلى الراحة والنوم تكاد تكون مقدسةً وثابتةً من ثوابت الحياة، فتراكم الإرهاق والتعب وقلة النوم والراحة تفقدك عقلك لا ذاكرتك فقط! وتشتت أفكارك وتفقد تركيزك ومنطقك كما يشكل الإرهاق ضغطًا متزايدًا عليك بغير رحمة. لذلك يحتاج الجسد إلى حصته من الراحة والاكتفاء منها لاستعادة صفاء ذهنك وقدرات عقلك وقوته كاملةً بما فيها ذاكرةً متماسكةً ومتعاونة.

5التوتر وعدم التركيز

كذلك فإن التوتر والعجز عن التركيز وتشتت الأفكار وتبعثر سيلها من أسباب كثرة النسيان، ومع التقدم كثرت المشتتات من حولنا وتناثر ذهننا بين ملايين الأشياء في اللحظة الواحدة لدرجة أن تذكر أحدها بوضوحٍ بعد ذلك بدقيقتين يعد من المستحيلات! يحتاج العقل إلى التركيز وإعطاء كل شيءٍ قدره وحقه، فإذا وجدت شيئًا مهمًا كنت حريصًا على تذكره فيما بعد فأعطه من تركيزك الكامل دقائق وحده لتحيط به الذاكرة وتتذكره.

6تأجيل الأمور

ولا يبدو التأجيل الدائم أمرًا مستحبًا من باب أنك ستتذكر القيام به فيما بعد، فطالما كنت قادرًا على القيام بشيءٍ فلا تؤجله وتحمله على ذاكرتك وأنت غير مهتمٍ به ثم تكره منها نسيان ما أهملته. الذاكرة بحاجةٍ إلى مساحة وإلى أن تستخدمها وتمرنها وتقلل من اعتمادك على المذكرات الإلكترونية، فإن كنت لا تستخدمها فلا تلمها على خمولها وخذلها لك.

7الفوضى

كذلك فإن الفوضى من طرق تعجيز ذاكرتك ودفعها إلى النسيان، فأنت تحتفظ بأشتاتٍ متناثرة ومتداخلة من الأفكار! أعطها أفكارًا منسقةً ومنظمةً لتحفظها وجنبها فوضى أفكارك فإن كنت عاجزًا عن تنسيق أفكارك فمن أين لذاكرتك أن تجد أفكارًا كاملةً تحفظها؟

إذا عجزت عن تنظيم أفكارك في عقلك فساعد ذاكرتك بالتدوين وتنظيم أفكارك على قصاصاتٍ من الورق فذلك يساعدك على تقوية ذاكرتك وتجنب نسيان أمورٍ أخرى لن تحتاج إلى تدوينها. نظم وقتك وحياتك لتحصل على عقلٍ منظمٍ وذاكرةٍ مرتبةٍ ومتسلسلة فالفوضى لا تخرج إلا من صلب الفوضى، واذكر ربك إذا نسيت دومًا.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

2 × 4 =