كارثة هيلزبرة

طبعًا عزيزي القارئ ليس هناك خلاف على كون كارثة هيلزبرة أحد أبرز الكوارث الرياضية والغير رياضية كذلك، في النهاية الكارثة كانت بشرية في المقام الأول لدرجة أن البعض يعتقد أن العالم وقف أمامها مشدوهًا ومصدومًا، وقد كان الأمر كذلك بالفعل إذا ما نظرنا إلى المعطيات وبحثنا في توابع الجائزة وعواقبها، والمريب أن كل ذلك قد حدث في مباراة كرة قدم عادية، أو من المفترض أنها ستكون كذلك، أيضًا البلد التي احتضنت الكارثة والتفاصيل التي سبقتها والتفاصيل التي تلتها وكل شيء آخر يُمكن قوله عن هذه الكارثة يجعلنا ننظر لها من زاوية أخرى أكثر اختلافًا عن تلك الكوارث الرياضية التي تُعتبر بكل أسف مُتكررة في الآونة الأخيرة بشدة، على العموم، ولكي ندلف سريعًا في الأمر، دعونا في السطور القليلة المُقبلة نتعرف أكثر على كارثة هيلزبرة المؤلمة وهل غيرت تلك الكارثة فعلًا في شكل الكرة وكيف حدث ذلك، فهل أنتم مستعدون؟ إذًا لنبدأ.

كارثة هيلزبرة

كارثة هيلزبرة كارثة هيلزبرة

الزمن بالتحديد كان الخامس عشر من شهر أبريل القابع في عام 1989، والمناسبة كانت بالتأكيد مباراة نصف نهائي كأس إنجلترا، أما أبطال الواقعة فهما ناديي ليفربول ونوتنجهام فورست، لكن على الرغم من ذلك كان مسرح الأحداث هو استاد نادي شيفلد المعروف باسم هيلزبرة في ذلك التوقيت، وكأي مباراة عادية كانت الجماهير تتوافد قبل البداية بالكثير من الوقت ومع البداية وبعد البداية، لم تكن أسيال الجماهير تتوقف بكل بساطة، خصوصًا وأننا نتحدث عن مباراة في هذه الأدوار الإقصائية الهامة من بطولة بهذه الدرجة من الأهمية، هذا على الرغم من أن سعة الملعب الذي حُددت فكرة استضافة المباراة فيه كانت لا تزيد عن الخمسة وثلاثين ألف مُتفرج، وهي طبعًا نسبة قليلة جدًا مقارنة بجماهيرية نادي عريق مثل ليفربول، في النهاية حدث ما لم يُحمد عقباه، وبدأت الجماهير تتوافد بأعداد أكبر من المسموح.

الكارثة الأولى هنا أن الشرطة قد سمحت للجماهير بالدخول وكذب فريق منهم فيما يتعلق بوجود مساحة خاوية من الملعب تساع أي عدد، ومع دخول الجماهير للمدرجات صدموا بأنه لا مكان لهم، وفي نفس الوقت لم يكن هناك أي مجال للعودة للخلف مرة أخرى، حيث أن أعداد غفيرة كانت قادمة أيضًا، وهو ما أدى إلى وقوع تلك الكارثة بعد ثلاث دقائق فقط من بداية المباراة، حيث بدأ الناس يتدافعون ويدهسون بعضهم البعض في مشهد مؤلم وكأننا في مسرح لمشاهدة عملية بث حي للموت أمام اللاعبين وأمام كاميرات التلفاز التي رصدت تلك الحادثة أيضًا.

ضحايا كارثة هيلزبرة

خلال عملية التدافع لم يقوى الجميع على الصمود مما أدى إلى سقوط البعض، وهؤلاء الذين سقطوا قبل أن يُفكروا في النهوض مجددًا كانت الأقدام تدهسهم وتسحقهم حتى بدأ الناس يصنعون كتلًا فوق بعضهم البعض، ولأن نظام الملاعب في الدوري الإنجليزي وقتها كان يقوم على تواجد أسوار تمنع الجماهير من الولوج إلى الملعب لذا كان من الصعب تخطي ذلك الحاجز ومحاولة الهرب إلى أرض الملعب حيث المساحات الواسعة، كان الأمل الوحيد في العودة السريعة من الآلاف، وهذا طبعًا لم يكن ممكنًا مع وجود هذا العدد الكبير، ولذلك جاءت النتائج كارثية بموت حوالي 96 شخص بخلاف طبعًا إصابة أكثر من 770 شخص، وأغلب هؤلاء كانوا من صغار السن الذين لم يكن بمقدورهم الصمود، لكن ما يهمنا في هذه السطور أن نعرف فعلًا كيف تمكنت حادثة مثل هذه من تغيير شكل الكرة بعدها؟

كيف غيرت الكارثة شكل الكرة؟

كارثة هيلزبرة كيف غيرت الكارثة شكل الكرة؟

الآن نأتي للحدث الأهم الذي ترتب على كارثة هيلزبرة ، فعندما وقعت تلك المشكلة، وبغض النظر عن الجانب المأسوي بها وسقوط الكثير من الضحايا، بدأ البعض ينظرون إلى الأمر من زاوية أخرى، وهي الزاوية الكروية، فقد بدا جليًا أن شكل كرة القدم قد تغير ولم يعد كما كان في السابق، وقد ظهر ذلك الوضع من خلال عدة أمور أبرزها إزالة الحواجز والأسوار.

إزالة الحواجز والأسوار بالملاعب

إذا ما شاهدت أي مباراة قديمة وقارنتها بمباراة حديثة فستجد شيء واضح للغاية ولافت للانتباه مُتمثل في شكل الملعب، إذ أن الملاعب القديمة ستكون غالبًا ممتلكة لمجموعة من الأسوار والحواجز حولها، أما الملاعب الجديدة فستجد الجمهور وكأنهم جزء أصيل من الملعب، وتفسير ذلك ببساطة أنه عند حدوث كارثة هيلزبرة رأى البعض أن الحادثة تمت لأن الجماهير قد حُبست بين الأقفاص والأبواب، وبالتالي كان من غير المنطقي الهرب إلى الملعب مثلًا، أرض الملعب على وجه التحديد، وبالتالي إنهاء كل شيء قبل أن يبدأ، ولهذا بعد الكارثة تم التفكير في أن تكون الملاعب بالشكل الذي نراها عليه الآن، وبالتالي نضمن عدم التعرض لأي مشاكل تتعلق بالحبس، ففي أحلك الظروف سيكون اللجوء إلى أرضية الملعب خيارًا مطروحًا، بل سيكون حل سحري بسبب كِبر مساحة الملاعب.

تكبير سعة أغلب الملاعب الإنجليزية

بعد كارثة هيلزبرة شهدت سعة الملاعب طفرة كبيرة لم يكن من المتوقع حدوثها، فمع أنها جاءت في وقت ظهور المباريات بصور أخرى كالإذاعة والتلفاز لاحقًا إلا أن مساحة الملاعب باتت تنطلق من الثلاثين ألف فيما فوق، وطبعًا جميعنا يدرك جيدًا أن المساحة ستكون مُتناسبة بالأساس مع الفريق نفسه وأهمية هذا الفريق، وبناءً عليه سيتم تحديد أعداد الجماهير التي من المتوقع أن تحضر مباريات لهذا الفريق، وبناءً عليه تجد الفرق الجماهيرية الكُبرى تمتلك ملاعب تزيد السعة الخاصة بها عن السبعين ألف مُتفرج، لكن بالرغم من ذلك تبقى التذاكر تنفد في ساعات قليلة.

ظهور البث التلفزيوني بكثافة

في السابق كانت فكرة مشاهدة مباراة في كرة القدم تعني أن تقطع تذكرة وتذهب إلى ملعب المباراة، ليس هناك خيار آخر بخلاف الاستماع للمباراة في الراديو أو التلفاز في حالات نادرة ولبعض المباريات وليس جميعها، لكن مع وقوع الكارثة وإحجام بعض المشاهدين على حضور المباريات خوفًا من تكرار نفس الكارثة بدأ الميل إلى بث البطولة بالكامل عن طريق التلفاز، ثم تغير شكل الكرة تمامًا مع زيادة حجم الاستثمار بها وإقبال البث التلفزيوني بشكل كبير جعل المبالغ المادية التي تحصل عليها الأندية كفيلة بشراء الصفقات وخدمة الأندية، ببساطة، فتحت هذه الحادثة الباب أمام استثمار من نوع خاص في عالم الساحرة المُستديرة، وربما في الوقت الحالي نحن نلمس ذلك بأنفسنا من خلال مشاهدة مباريات في بطولات تُقام في دول لا نحلم أساسًا بالذهاب إليها.

التشديد أكثر على نظام التذاكر

في السابق، وقبل كارثة هيلزبرة، كان دخول الملاعب يتم بشكل يُمكن وصفه بالعشوائي، ففي البداية لم تكن هناك تذاكر للدخول من الأساس، ثم بعد ذلك تغير الأمر وباتت هناك تذاكر لكن تباع قبل انطلاق المباريات مباشرةُ وإذا لم تنفذ التذاكر وكانت هناك مقاعد خاوية وانطلقت المباراة يتم إدخال الأعداد الموجودة دون عمل نسبة وتناسب بينها وبين المقاعد الفارغة، لكن بعد الحادثة تغير كل ذلك بشكل نهائي وأصبحت التذاكر تُباع قبل المباراة بأيام وتُباع كذلك من خلال المتاجر والمواقع الإلكترونية، ثم وقت المباراة لا يدخل إلا الشخص الذي يمتلك التذكرة، يمتلك حق الدخول فعلًا، ولا يُمكن الزيادة حتى لو كان الملعب كله خاويًا لأن عملية التنظيم بالأساس تتم وفقًا للأعداد القادمة للمباراة من الجماهير.

فصل الكرة تمامًا عن أي وضع سياسي

الصراع الكبير الذي عاشته جماهير كرة القدم في ذلك التوقيت مع المسئولين في الحكومة وخصوصًا رئيسة الوزراء جعل البعض يُفكر بشكل أكثر جدية في مسألة العلاقة بين السلطة وكرة القدم، إذ أنه قد بدا واضحًا أن العلاقة متوترة للغاية وأن كل طرف لا يتحمل الآخر ويراه مُهمل في زاوية من الزوايا، على العموم، فصل الكرة عن السياسة جاء من خلال إسناد تأمين المباريات إلى شركات أمن مُتخصصة وليس إلى الحكومات، أيضًا عملية إدارة الكرة بالكامل باتت مسئولية جهات مدنية عادية، وعلى الرغم من هول الكارثة إلا أن تلك النتيجة لم تكن لتُصبح واقعًا إلا بعد حدوث كارثة بهذا الشكل وهذه الكيفية.

تخليد ذكرى ضحايا كارثة هيلزبرة

كارثة هيلزبرة تخليد ذكرى ضحايا كارثة هيلزبرة

لم تمضي الحادثة مرور الكرام، فالبعض قد يظن أن المأساة تبقى فقط لعوائل وأسر الأشخاص الذين تعرضوا لها، لكن فيما يتعلق بكارثة كُبرى وفارقة مثل هيلزبرة فإن الأمر قد تخطى ذلك ووصل إلى تخليد ذكرى هؤلاء بأكثر من طريقة وكيفية، بل ولا يزال حتى الآن ثمة طرق مُبتكرة لتأدية نفس الغرض، فعلى سبيل المثال ثمة نصب تذكري في ليفربول وداخل معقل النادي، في إنفيلد، ثمة ذكرى سنوية يتم إحيائها من خلال إدارة النادي واللاعبين هذا بخلاف تخصيص مقاعد لأصحاب هذه الكارثة ووضع الكثير من التسهيلات لعائلاتهم فيما يتعلق بحضور مباريات ليفربول، وفي الحقيقة كل هذا لا يُمكن أبدًا أن يُعوض رحيل هؤلاء بالنسبة للعائلات التي فقدتهم لكن نتحدث فقط عن فكرة التخليد وعدم النسيان اعترافًا بعظم الكارثة.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

اثنا عشر + خمسة عشر =