فتح الأندلس

لم يكن فتح الأندلس بالأمر الصعب والشاق على المسلمين مثلما حدث لهم أثناء فتح بلاد المغرب العربي، حيث أن فتح المغرب العربي أخذ ما يقارب السبعين عام في حين أن فتح الأندلس لم يكمل الخمسة أعوام، فلم تنتهي المدة المذكورة إلا وكان للمسلمين السيطرة والحكم على أغلب الأراضي الأندلسية، ويفسر لنا هذا مشاركة البربر والأمازيغ القوية في عملية فتح الأندلس بالإضافة إلى مشاركتهم في صد هجمات المسلمين عليهم أثناء فتح المغرب العربي، فأثناء فتح المغرب العربي كان البربر والأمازيغ على ديانة أخرى غير الإسلام وبالتالي صدوا المسلمين بكل قوة حتى استمرت عمليات الفتح سبعين عام تقريبًا، وبعد الفتح ودخولهم في الإسلام رغبة منهم بعد ما لمسوه في الدين الإسلامي الحنيف من حسن المعاملة والمؤاخاة دخلوا فيه أفواجًا، أصبحوا بعدها في صفوف الجيوش الإسلامية الذاهبة إلى الأندلس وهذا ما ساعد على تسريع عملية الفتح كثيرًا، وأهم الشخصيات البربرية التي شاركت في الفتح هو القائد المغوار طارق بن زياد، ونحن هنا سنتعرف على أهم العوامل التي ساعدت على فتح الأندلس، فتابعوا معنا.

أسباب تقدم المسلمين لفتح الأندلس

فتح الأندلس أسباب تقدم المسلمين لفتح الأندلس

توجد بعض الأسباب التي دفعت المسلمين لكي يقوم بعملية فتح الأندلس مباشرة بعد أن استتب الأمر لهم في بلاد المغرب العربي، وهذه الأسباب كثيرة ولن نستطيع حصرها في مقال واحد لذا سنقوم بذكر أهم هذه الأسباب وهي أولًا سوء الأحوال الداخلية في الأندلس.

سوء الأحوال الداخلية في الأندلس

من أهم العوامل التي شجعت على فتح الأندلس هو سوء الأحوال الداخلية بالبلاد الأندلسية، حيث أنه قد حدث انقلاب خطير على الملك غيطشة صاحب الأندلس من قبل أحد الأمراء البارزين واسمه لذريق، فقد قام الأخير باغتيال الملك والجلوس على عرش الحكم بدلًا منه وذلك بمساعدات من قبل الوزراء والطامعين في الثروات والمناصب الأعلى مما وصلوا إليها، وهذا ما أدى إلى خلق حالة من الفوضى والثورات في البلاد من قبل مؤيدي الملك المخلوع، مما دفع لذريق لقتل بعض الثائرين لكي يقمع هذه الثورة ويهدئ من روع البلاد، وفي هذه الآونة خرج أولاد الملك المخلوع مطالبين بحقوقهم والقصاص لوالدهم ولكن هذا لم يجدي أي نفع ولم تتغير الأحداث والخطة التي وضعها غيطشة، وبعد قليل من التفكير توصل أولاد الملك إلى التحدث مع الكونت يوليان أحد محبي ومؤيدي الملك غيطشة لكي يتدبر الأمر وينهي على هذا الانقلاب، فقام يوليان بالاتصال بالمسلمين الموجودين بالأندلس لكي يتدخلوا لحل الأمر، وهكذا نرى أن الأمر أصبح مهيئًا على أكمل وجه لكي يتدخل المسلمون ويمتلكون الأندلس.

العرض الذي قدمه الكونت يوليان

من الأمور التي سهلت عملية فتح الأندلس هو تعاون الكونت يوليان حاكم سبته مع المسلمين في فتح البلاد، حيث أن هذا الحاكم كان يميل إلى الملك غيطشة الذي تم عزله من منصبه ثم اغتياله على يد جنود لذريق، فكان يحقد على الأخير ويكن له العداوة ثم اتصل أولاد غيطشة به وتشاوروا في كيفية القضاء عليه، فاستقروا إلى إقناع المسلمين بالدخول للأندلس وأخذ حقهم من لذريق وبدئوا في مراسلة الجيش الإسلامي وقتها، وكان أمير بلاد المغرب العربي هو موسى بن نصير الذي أتم فتح المغرب وبقى عليها كأمير ويعاونه في الحكم طارق بن زياد، فأرسلوا رسالة إلى بن زياد محواها طلب المساعدة من المسلمين لاسترداد العرش عن طريق تزويدهم بجيش للقيام بهذه المهمة، وذلك في مقابل جزية سنوية يدفعونها للمسلمين، ويرى بعض المؤرخين أن السبب الذي دفع يوليان للحديث مع طارق بن زياد في إمداده بجيش هو أن بنت يوليان قد تعرضت للاغتصاب من قبل لذريق ولم يقدر والدها على حمايتها والدفاع عنها، فلذا راسل المسلمين يشوقهم ويحببهم في الأندلس وجمالها وما بها من نعم وخيرات ومنافع حتى ينجذبوا إليه ويحققوا رغبته.

حماية الشواطئ الإفريقية من روم السواحل

كانت الشواطئ الإفريقية غير أمنة تمامًا بسبب المناوشات والهجمات التي كان يقوم بها روم السواحل لكي يردوا ما حدث لهم أثناء فتح المغرب وخروجهم من هذه البلاد بعدما كانوا فيها لقرون عدة، فقاموا باقتحام جزر البليار الجزائرية وميورقة وسردانية ومنورقة، ثم بعدها قويت شوكة الروم بعد انضمام أسطول القوط الجرماني بجانب الأسطول الروماني فكونوا جبهة قوية تضايق المسلمين وبشدة على السواحل المذكورة السواحل المذكورة من قبل، وبالفعل هذا ما حدث فقد ضايقوا المسلمين الموجودين على الشواطئ والسواحل الإفريقية وقنصوا بعض المناطق منهم، حتى كانت تفرض عليهم رقابة شديدة طوال اليوم للوقوف على أخر المستجدات، ثم اتفق موسى بن نصير مع الأسطول الإسلامي على ردع وصد هذا التحالف بواسطة عدد جيد من المقاتلين المحملين على السفن، وقد كتب الله للمسلمين النصر واسترجاع الثغور والسواحل التي كانت بحوزة الروم ثم فكروا بعدها في اقتلاع هذه العداوة من جذورها وهي تكون بفتح بلاد الأندلس.

السير على المنهج الإسلامي المعروف

كان المسلمون يسيرون وفق منهاج معروف في ذلك الوقت وهو تأمين البلدان المفتوحة مؤخرًا حتى تحفظ المسلمين من أي هجوم مباغت عليهم من أعداء الإسلام، وذلك يحدث بعد أن تستقر الأحوال في البلاد المفتوحة ويدخل الإسلام في نفوس أهلها، فبعد أن فتح المسلمون بلاد الشام واستقروا فيها شرعوا في فتح مصر ثم بعدها ليبيا وباقي بلدان المغرب العربي، وهكذا يأتي دور الأندلس الذي كان لا يفصله عن المغرب سوى بحر الزقاق وهذا ما جعل المسلمون خائفون من أي هجمة مباغتة من الروم القاطنين على السواحل أو المسيحيين في الأندلس، ولذا عرض موسى بن نصير فتح الأندلس على الخليفة الوليد بن عبد الملك ولقى هذا العرض قبولًا من الأخير وشرع بن نصير في تجهيزه للحملة، كانت هذه هي أهم الأسباب التي دفعت المسلمين إلى فتح الأندلس سنقوم بالتحدث في الفقرة المقبلة عن أحداث الفتح نفسه.

الحملات الثلاثة بهدف فتح الأندلس

بعدما تهيأت الظروف وكانت الأسباب كافية لفتح الأندلس قام والي المغرب العربي موسى بن نصير بإرسال ثلاثة حملات إلى الأندلس.

الحملة الأولى بقيادة طريف بن مالك

أما عن الحملة الأولى فكانت تحت قيادة طريف بن مالك وكانت عبارة عن سرية استكشافية لا تتعدى الخمسمائة جندي منهم مائة فارس فقط، ومن الجدير بالذكر أن نوضح أن طريف بن مالك هذا بربري أسلم بعد فتح المغرب العربي وخرج على رأس سريته في رمضان من العام الواحد والتسعين هجريًا، وقام الحاكم يوليان بالوفاء بعهده وحمل السرية على المراكب التابعة له كأنهم تجار قادمين إلى الأندلس تحديدًا في الجنوب، فلذا كان يحملهم في أفواج حتى لا يثير الشكوك حولهم وينكشفون ثم تجمعوا جميعًا في جزيرة بالوماس وقد سميت فيما بعد بجزيرة طريف تكريمًا له.

وبعد أن نزل قام بسلسة من الغارات المفاجئة على الساحل الإسباني كتب لها جميعًا النصر والغنائم الكثيرة، ثم عاد سريعًا إلى المغرب ليبلغ بن نصير بما جرى وما لقاه في الأندلس وقد كانت أهداف الحملة هي الممارسة العملية لمعرفة طبيعة البلاد، واستكشاف الأندلس ومعرفة أصلح الأماكن به لنزول الجيش القادم.

الحملة الثانية بقيادة طارق بن زياد

بعدما عادت الحملة الأولى خرج القائد العظيم طارق بن زياد بحملته الثانية ليستكمل مشوار فتح الأندلس ، وقد كانت حملته مكونة من سبعة آلاف مقاتل وبها الكثير من الفرسان ذوي القدرات العالية، وخرجت الحملة في أفواج مثلما حدث مع طريف وكانت نقطة تجمعهم في نقطة عرفت فيما بعد بجبل طارق مثلما حدث مع المضيق، ثم بدأت عمليات الفتح بالذهاب شمالًا إلى قرية قرطاجنة وفتحوها، ثم ذهب إلى الجزيرة الخضراء ففتحها وقضى على إحدى السرايا القوطية، ثم أتجه إلى قرطبة ليدخل في معركة ضخمة مع الجيش الإسباني سميت بوادي لكة برباط، ولما علم بن زياد بالجيش الكبير القادم إليه استنجد بوالي إفريقيا فأرسل إليه خمسة آلاف جندي سريعًا، وقامت المعركة في الثامن والعشرين من رمضان واستمرت ثمانية أيام متتالية حتى انتهت بانتصار عظيم للمسلمين.

ثم ما لبث أن سار طارق بجيشه الذي ازداد عددًا بعدما وصلت أخبار الانتصار إلى مسلمي المغرب متجهًا به إلى شذونة وحاصرها حتى فتحت عنوة، وأخذ منها الغنائم ثم أتجه إلى مورور وبعدها قرمونة ثم إشبيلية التي صالح أهلها على الجزية، ثم سار إلى مالقة وغرناطة وطليطلة ومرسية وكلها انتهت بالنصر لصالح المسلمين.

الحملة الثالثة بقيادة بن نصير

بعد كل هذه الانتصارات تحمس والي إفريقيا موسى بن نصير وخرج على رأس جيش كبير لكي يكمل ما بدأه بن مالك وبن زياد، ونزل بجيشه في الجزيرة الخضراء وتجمع جميع الجنود وتوجهوا إلى شذونة ثم قرمونة ثم إشبيلية ثم ماردة ثم طليطلة ثم سرقسطة ثم اتجهوا إلى شمال الأندلس حتى كانوا على مقربة من جنوب فرنسا وقرروا أن يفتحوها ولكن الخليفة الوليد بن عبد الملك أمرهم بالرجوع والوقوف عند هذا الحد خوفًا من هلاك جيش المسلمين.

دور البربر والأمازيغ في فتح الأندلس

فتح الأندلس دور البربر والأمازيغ في فتح الأندلس

نعلم جميعًا أن البربر والأمازيغ هم من أقوى العناصر البشرية التي مرت على التاريخ بعد المغول، وذلك بسبب طبيعة معيشتهم في الجبال والتعود على المشاق والصعاب بصورة دائمة حتى قويت جلدتهم وشوكتهم، ولهذا عانى المسلمون كثيرًا وطويلًا أثناء فتح بلاد المغرب العربي ولم يستطيعوا تثبيت حكمهم وفرض سيطرتهم على البلاد إلا بعد سبعين عام تقريبًا، ولكن بعد أن تمكن الإسلام في بلاد المغرب تمكن أيضًا في شعب المغرب ودخل الكثير منهم الإسلام رغبة منهم، ثم ما لبثوا أن أصبحوا النواة الأولى والأهم في عمليات الفتح التي خرجت إلى الأندلس، فكان أغلب الجيش من البربر ويتواجدون في الصفوف الأولى من الجيش، وهذا ما عجل بعملية الفتح وجعله لا يستغرق سوى مدة قصيرة لا تتجاوز الخمسة أعوام مع العلم أن الأندلس كبيرة وليست بالأمر الهين.

وأفضل مثال على ذلك هو القائد طارق بن زياد الذي قاد الحملة الثانية في حملات فتح الأندلس ، فالأولى كانت تحت قيادة طريف بن مالك ومكونة من خمسمائة مقاتل فقط وذلك لأنها كانت حملة ذات طابع استكشافي، ثم تبعها بن زياد بحملة مكونة من سبعة آلاف جندي وفتحت مدن وقلاع كثيرة حتى أتى موسى بن نصير بحملته الكبرى وفتح باقي الأندلس، ومن شدة ما فعله القائد العظيم طارق بن زياد في الأندلس قد سمي بحر الزقاق الذي يفصل بين أوروبا وإفريقيا سمي باسم مضيق جبل طارق.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

أربعة × واحد =