غزوة تبوك

إنّ الغزوات التي قادها الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- كانت في عمومها إمّا صدًا لهجمات المشركين ودفاعًا عن الضعفاء، وجلب الأمان والاستقرار للمسلمين، أو لفتحٍ عظيمٍ في مصلحة الإسلام والنهوض بالدعوة الإسلامية التي حملها رسولنا الكريم على أعتاقه منذ بدء رسالته، فكان قبل غزوة تبوك غزوة فتح مكة والتي كانت غزوة فاصلة بين الحق والباطل، والتي كان بعدها ظهر أناس كثيرون يدخلون في دين الله أفواجًا، ودخلت وفودًا كثيرة الإسلام، وغير ذلك من انتهاء المتاعب الداخلية للمسلمين في ذلك الوقت، ولكن مع الأسف كان هذا استقرارًا مؤقتًا.

إلا أنه بعد ذلك ظهرت قوة عسكرية كبيرة تعرّضت للمسلمين دون وجه حق، وهي قوة الرومان، وبدأ ذلك حينما كان سفير رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- “الحارث بن عمير الأزدي” يحمل رسالة إلى عظيم بصرى فتعرض للقتل على يد “شرحبيل بن عمرو الغساني”، وقتل الرسول يعني علامة وقوع حرب بين الطرفين. ولم يكن عظيم بصرى هذا لتهدأ نفسه عما وقع من الأثر الكبير لغزوة مؤتة لصالح المسلمين، غير أنه كان أيضًا ليطمح في إحداث تفرقة كبيرة بين قبائل العرب بسبب دخولها في الإسلام، ويريد أن يقضي على قوة المسلمين التي كانت تزداد يومًا بعد يوم، فكان الرومان خطرًا يخطو نحو المسلمين ويهدد أمنهم، ويثير الفزع والتفرقة بين القبائل المجاورة، والبلدان التي كانت مع حدود الرومان. بعد ذلك تأهّب رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- لقتال الرومان، وبدأ يتجهّز المسلمون لغزوة تبوك، فكانت غزوة تبوك غزوة لها أثر كبير على المسلمين بعد ذلك.

لماذا سميت غزوة تبوك بغزوة العسرة؟

غزوة تبوك لماذا سميت غزوة تبوك بغزوة العسرة؟

بدأ المسلمون بالتجهيز لغزوة تبوك، وكان الرومان أيضًا يتجهزون بإعداد جيش كبير، وكان المسلمون في غاية الاستعداد والترقُّب لما سوف يحدث خشية زحف الرومان فجأة، فساد القلق والتوتر والهم والحزن، حتى رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- اعتزل زوجاته وهجرهن مما يدل على خطورة الموقف وشدة الأزمة التي كان يعيشها المسلمون في ذلك الوقت، بل والأكثر من ذلك تواردَ على لسان المنافقين أخبارًا تؤكّد إعداد الرومان للجيش واستعدادهم للهجوم، وأنهم سوف يفعلون كذا وكذا ويزرعون الرعب في قلوب المسلمين، ولا شك في ذلك فالمنافقون يضمرون كلّ الشر للإسلام، ويريدون الخداع باستمرار وحب التفريق بين المسلمين. وسميت غزوة تبوك بغزوة “العسرة” وذلك لأن الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- بدأ ينادي في المسلمين ويدعو للقتال بسرعة شديدة، وأخذت القبائل تهبط عليه من كل ناحية وتلبي دعوته، فازداد عدد المسلمين ليخرجوا إلى قتال الروم، فأدّى ذلك إلى أن تثاقلَ الحمل والزاد والمؤن، وأهل الحاجة يطلبون من سيدنا محمد أن يحملهم وهو يقول لهم لا أجد ما أحملكم عليه، ومع ذلك تسابق المسلمون المقتدرون على الإنفاق، وبذلوا من أموالهم وتصدّقوا بما يستطيعون.

إنفاق الصحابة لا ينتهي

فكان عثمان بن عفان -رضي الله عنه- جهّز عيرًا للشام، ثم جاء بألف دينار وتصدّق بها، حتى بلغ مقدار ما تصدّق به تسعمائة من البعير ومائة فرس غير ذلك من النقود. وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائتي أوقية من الفضة، وجاء أبو بكر -رضي الله عنه- بماله كله، وجاء عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بنصف ماله.. وهكذا من بذل الصحابة وتصدقهم. وهكذا تجهّز الجيش، فتحرّك الرسول -صلّى الله عليه وسلّم_ نحو الشمال يريد تبوك، وكان الجيش كبيرًا جدًا يبلغ ثلاثين ألف مقاتل، ولم يخرج المسلمون في الغزوات السابقة بهذا العدد الكبير، لذلك تعسّر الجيش كثيرًا، وقلّت مؤنه، ولم تكفي البعير للراكبين عليها، وأكلوا من أوراق الشجر حتى اضطروا إلى ذبح البعير، ولم يجدوا ما يشربوه إلا بصعوبة شديدة، لذلك سميت غزوة تبوك بغزوة العسرة.

أسماء المنافقين في غزوة تبوك

غزوة تبوك أسماء المنافقين في غزوة تبوك

لم يصرّح الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- بأسماء المنافقين، ولكن حذيفة بن اليمان -كاتم سر رسول الله- أخبره الرسول بأسمائهم، لذا سمي كاتم سره، ولكن المنافقون معروفون بعلاماتٍ الصحابة تعرفها أيضًا فضلًا عن رسول الله، فهم معروفون بصفاتهم وأخبارهم. فعند رجوع الجيش الإسلامي من تبوك إلى المدينة منتصرين لم ينالوا كيدًا وكفاهم الله القتال، حاول اثنا عشر رجلًا من المنافقين الوقوع برسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- في بطن الوادي وذلك لأن الرسول أثناء السير أخذ هذا المكان للمكوث فيه، وكان معه حذيفة وعمار، فهجمت مجموعة من المنافقين من الخلف وهي تريد سقوط الرسول من على ناقته ثم الهجوم عليه، فغضب الرسول غضبًا شديدًا فاستدار حذيفة ليلاحقهم فأسرعوا بالفرار ليختلطوا بجيوش المسلمين، ولكن عرفهم رسول الله بأسمائهم وفُضحوا بعد ذلك، ولم يقف بهم النفاق إلى ذلك فقط، بل اتخذوا مسجدًا ضرارًا والذي كان مقابلًا لمسجد قباء، وهذا المسجد الذي حكى عنه القرآن الكريم والذي غايته إحداث تفريق بين المسلمين ومحاربة الله ورسوله، فمكثوا فيه فلما علم الرسول بذلك أمر اثنين من الصحابة بإحراقه وإزالة مكان الفتنة هذا والذي كان هدفه نشر الإشاعات الكاذبة ودس الفتن والذرائع بين المسلمين. فكانت غزوة تبوك عاملًا خطيرًا في كشف المنافقين، وليمحّص الله فيها المؤمن من الفاسق، وبعد ذلك رجع المنافقون إلى رسول الله ليعتذروا عن تخلّفهم عن غزوة تبوك، وحلفوا له كذبًا بأعذار باطلة، فقبل الرسول اعتذارهم الكاذب آخذًا بظاهرهم فقط، ولكنه يعلم حقيقتهم ومن هم والقرآن الكريم أخبره بذلك. ويخشى المنافقون أن تُنزَّل عليهم سورة تفضحهم بحقيقتهم، وكانت هناك أسباب بعدم التصريح بأسمائهم وقتها والله أعلم بهم.

غزوة تبوك في القرآن

كانت غزوة تبوك كالاختبار ففيها عرف رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أسماء المنافقين وعنهم صرّح القرآن الكريم بصفاتهم في سورة التوبة، وأخبر سيدنا محمد ليحتاط منهم، وسواء استغفر لهم الرسول أو لم يستغفر لهم فلن يغفر الله لهم. وأخبرنا القرآن الكريم بأنهم يحلفون بأنهم من المؤمنين المجاهدين مع رسول الله في غزوة تبوك ولكنهم ليسوا منهم لأنهم قوم يزرعون الفتن، ويفرقون بين المسلمين، وأخبرنا أيضًا أنهم عند غزوة تبوك فروا إلى رسول الله يعتذرون إليه ولكنهم قوم فاسقون عقابهم جهنم والله سيتولاهم جزاء ما فعلوه. وكما أخبرنا القرآن الكريم عن المنافقين، أخبرنا عن “المخلّفين من الأعراب”، فعند كل جهاد يجب أن يلبي كل مسلم أمر رسول الله ويسرع إلى الجهاد في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله، لكن هناك نفر من المسلمين تخلّفوا عن رسول الله، وسوف نقوم بذكرهم. ومن الآية “38” في سورة التوبة إلى آخر السورة تتكلم عن الغزوة، ففي هذه الآية نجد ستر المنافقين وضعفاء القلوب، كما نجد تطهير لقلوب المؤمنين الصادقين وهم الذين تخلفوا، كما توضح السورة عمومًا ظروف الغزوة التي كانت في الحر الشديد.

الثلاثة الذين خلفوا

– وعن الثلاثة الذين خُلِّفوا-، وهم نفر من المؤمنين الصادقين لكنهم تخلّفوا عن رسول الله في غزوة تبوك دون مبرر، وهم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، هؤلاء النفر من المؤمنين اختاروا البقاء في بيتهم ولم يلبوا نداء القتال، واختلقوا أعذارًا واهية، فمنهم من قال “لا تنفروا في الحر” ومنهم من قال “شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا”، وأيضًا كرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، وذهبوا إلى رسول الله يلتمسون الأعذار للتخلف عن القتال ولكن رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- لم يقبل أعذارهم، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، فعاقبهم الرسول عقابًا شديدًا بأن جعل الصحابة تقاطعهم مقاطعة شديدة ولا يكلّموا هؤلاء الثلاثة، ثم تاب الله عليهم ليتوبوا، لأن الرسول في نهاية الأمر التمس منهم الصدق، وفرح الثلاثة الذين خلّفوا بسبب رضوان الله عليهم ورضوان رسوله، وصدقوا عهدهم مع الرسول.

أثر غزوة تبوك

غزوة تبوك أثر غزوة تبوك

كان لغزوة تبوك أعظم أثر بأن استطاع المسلمون بسط نفوذهم وتقويته على جزيرة العرب، وانقطعت آمال الرومان وغيرهم من هزيمة المسلمين، والسيطرة على شبه الجزيرة العربية، فقد استكانوا بعد هذه الغزوة وانقطعت آمالهم، وكما عرف العدو حده، أمر الله تعالى بالتشديد على المنافقين، فلم يبق لهم إلا معاملة المسلمين بالرفق واللين، حتى نهى الله عن قبول صدقاتهم، وعن الصلاة عليهم، والقيام على قبرهم، وأمر الله بهدم كل مكان يدسون فيه الفتن والذرائع بين المسلمين، ومن أهم آثار غزوة تبوك أخذت القبائل في التوافد إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتعلن إسلامها.

وهكذا كان لغزوة تبوك أثر كبير على المسلمين وعلى الدعوة الإسلامية وقتها، وازداد الناس في الدخول إلى الإسلام، وانتشر بين المسلمين الأمن بعد خوفٍ وفزعٍ، وقلّ نشاط المنافقين وفُضحوا بأعمالهم، وميّز الله المؤمن فيها من الفاسق، وتاب الله على المؤمنين الذين تخلّفوا عن القتال، فحققت غزوة تبوك انتصارًا كبيرًا للمسلمين دون قتال وكان الله قادرًا على كل شيء.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

18 − ثمانية =