تسعة
الرئيسية » اعرف اكثر » تعرف على » كيف نشأ علم الجمال وما علاقة الجمال بالفلسفة؟

كيف نشأ علم الجمال وما علاقة الجمال بالفلسفة؟

علم الجمال مذهب فلسفي يهتم برصد ودراسة الجماليات ومعاييرها ودورها في الارتقاء بالروح البشرية والضمير الإنساني وعلاقتها بسائر الثقافات والفنون. وفي هذا المقال نبرز أهم عناصر هذا المبحث.

علم الجمال

علم الجمال هو مبحث فلسفي وعلم إنساني يسعى إلى اكتشاف مواضع الجمال الحسي والمعنوي في مختلف الفنون والثقافات. وقد ارتبط هذا العلم ارتباطًا وثيقًا بالفلسفة نظرًا لكونه فرعًا منبثقًا من شجرتها الضخمة. وقد ظهر الاهتمام بذلك المبحث منذ القِدَم بيد أنه لم يُنَظَّر إليه بشكل مستقل إلا في القرون الأخيرة. وقد جاء الاهتمام بالجماليات بشكل عام بعد عصور طويلة من التأملات الفلسفية ورغبة قوية في الوصول إلى أسرار الجمال وماهيته ومعاييره. وقد اهتم الفلاسفة والمناطقة بتطوير هذا العلم وفروعه من أجل الاستفادة منه في معظم المعارف والتطبيقات النقدية. واليوم صار هذا العلم علمًا مستقلاً يستهدفه كل من يدرس الفنون والنقد من أجل استجلاء مواطن الجمال ووضع المنتج الفني تحت المجهر وتحليله. وفي السطور التالية نتناول تاريخ هذا العلم ونشأته وعلاقته بالفلسفة فضلاً عن تسليط الضوء على أبرز إسهامات الفلاسفة في هذا الصدد على مر العصور.

مفهوم الجمال عند الفلاسفة

لقد تبلور علم الجمال واكتملت أطروحاته نتيجةً لاجتهاد الفلاسفة في وضع إطار عام للجماليات وترسيخ معايير محددة من أجل الحكم على ما هو جميل أو قبيح. ويُعزَى هذا العلم في الأساس إلى اليونان حيث ظهر في بادئ الأمر من أجل استقصاء وتتبع ماهية الأشياء من خلال الحواس. وقد اتفق معظم الفلاسفة على أن الجمال هو تناسق الجزئيات حيث تُعَد المواءمة والتوافق الميزة الأبرز للجمال. ولا شك أن الفلاسفة قد طبقوا مفهوم الجمال على الكون والطبيعة والآلهة، ومن الواضح لنا أن الإغريق قد صوروا آلهتهم وجسدوها في تماثيل غاية في الجمال والتناسق؛ وذلك لأنهم يرون أن الجمال سمة إلهية ومن ثَمَّ لا بد من أن يكون الآله جميلاً. وقد ذهب البعض منهم إلى التركيز على الجمال المعنوي الممثَّل في الأخلاق والسلوكيات الحسنة حيث رأوا أن للخير قيمة جمالية ذات أثر طيب في النفس، ومن ثم كان الجمال مرادفًا للخير والقبح مرادفًا للشر. ومن ناحية أخرى كانت هناك بعض الأطروحات بشأن الجمال المادي الصارخ حيث كانت اللذة والشهوة المتأججة مثالاً للجمال المطلق، وقد تجسد ذلك أيضًا في بعض المنحوتات والمجسمات القديمة للدلالة على الجمال وسطوته. وبطبيعة الحال نجد أن القاسم المشترك لمفهوم الجمال لدى مختلف الفلاسفة هو الأثر الجميل الذي يبعثه الجمال في النفس واستجابة الإنسان له على الصعيدين الحسي والمعنوي.

علم الجمال عند أفلاطون

يُعَد أفلاطون واحدًا من أبرز الفلاسفة الذين كتبوا حول علم الجمال والجماليات في العصور القديمة. وقد ركزت أطروحة أفلاطون حول الحب والعشق وما به من جماليات وجدانية. ومن هذا المنطلق يرى أفلاطون أن الحب الإلهي المتجرد من أي شهوات هو أسمى صور الجمال؛ نظرًا لنقائه وعلوه ورقيه. وفضلاً عن ذلك، كان أفلاطون ينظر إلى الفنون بصفتها وسيطًا جماليًا يجسد الفنان من خلالها صور الجمال الوجداني، بل توصلت تأملاته كذلك إلى أن الفنون قد اكتسبت بُعدها الجمالي نتيجةً لمحاكاتها لجمال الطبيعة التي صاغتها الآلهة وبذلك صارت الفنون انعكاسًا رمزيًا للجمال الإلهي الكامل. وقد وردت قيمة الجمال عند أفلاطون في مكانة سامية لديه حيث اعتبره واحدًا من المثل العليا المجردة التي ترتقي بذائقة الإنسان وتنقي حواسه من القبح وتروض نفسه على الميل إلى كل ما هو جميل وعذب. وقد أشار إلى وجهة النظر هذه في أكثر موضع لا سيما في آراءه حول الإبداع الموسيقي ودوره في تطهير النفس والتسامي بها فوق اللذات الحسية.

علم الجمال عند هيجل

يُعَد هيجل من أشهر الفلاسفة المنظرين لمبحث علم الجمال وله كتاب شهير في ذلك الصدد أطلق عليه اسم المدخل إلى علم الجمال: فكرة الجمال. وفي هذا الكتاب يسلط هيجل الضوء على الجماليات وأسرارها ويوضح أن الجمال هو المزج بين الفكرة والمعنى واتحادهما معًا ليشكلا منتجًا جماليًا يجمع بين الجمال الحسي والعمق الفكري. ويؤكد هيجل على أن الفنون الراقية يمكنها تجسيد هذا المفهوم لما يحملها الفن من عمق معنوي وأناقة شكلية. لذلك أشار هيجل إلى أهمية اندماج الذات والموضوع ووحدتهما لأن هذا التضافر والتوافق الذي يبعث في النفس الإحساس بالجمال.

علم الجمال عند كانط

لا شك أن كانط قد شارك في تنظير وتأطير هذا العلم من وجهة نظره، وقد لخصها الفيلسوف الألماني في أن إطلاق الأحكام بشأن ما هو جميل أو قبيح أمر ذاتي بحت ولا يمكن وضع مواصفات موحدة للجماليات حيث يرى أن الأمر نسبي ويختلف من ذائقة إلى أخرى. وقد فرق كانط بين التذوق الجمالي والحكم العقلي حيث وجد أن الجمال لا يجب أن يخضع للعقل وقوانينه بأي شكل من الأشكال. ومن هذا المنطلق ينكر كانط الجمال المستقل للشيء بل يرى أن جمال الروح هو الذي يضفي على الأشياء جمالها وبذلك يؤكد على تداخل جمال الروح والأشياء وتكاملهما.

علم الجمال عند سقراط

كان سقراط من أنصار الجمال المعنوي وأشار إلى أهميته في الرقي بأخلاق الإنسان وسلوكه؛ حيث يرى أن الجمال الحق هو ما يصب في مصلحة الإنسان فردًا وجماعةً. وقد انتقد سقراط المذهب الحسي حيث وجد أن الافتتان بالحسيات نوعًا من الانحلال الأخلاقي الذي ينتقص من قيمة الروح والعقل ويأجج الشهوات. لذلك أقر سقراط بأن منبع الجمال هو الذات الإنسانية المتعقلة والضمير الإنساني اليقظ المتوهج بالجمالي الروحي.

علم الجمال عند المسلمين

جاء الإسلام في بادئ الأمر كدين وعقيدة ثم صار ثقافة مستقلة مع مرور الزمن بيد أنها لا تزال تستقي روحها من الدين الإسلامي. ومع ازدهار الثقافة الإسلامية في شتى المجالات وتشييد حضارة عظيمة أدلى الفلاسفة المسلمون بدلوهم في علم الجمال وظهرت شروحات لكتب الأولين في هذا الصدد مع تنقيحها لتناسب تعاليم الإسلام وما بها من حذف وإضافة على ما كان موجودًا. وقد تجلت الجماليات في هذا السياق فيما عُرِفَ بالفنون الإسلامية والتي تجسدت في المشغولات اليدوية الخشبية والنحاسية التي أُطلِقَ عليها فن الأرابيسك والخطوط العربية التي سُطِرَت بها الآيات القرآنية على جدران المساجد. وفضلاً عن ذلك، ظهرت مدرسة العمارة الإسلامية التي تميزت بمواصفات خاصة تحمل روحًا فريدة. وقد استبعدت الفنون الإسلامية المنحوتات والمجسمات والتماثيل التي تصور المخلوقات لأسباب عقائدية واستبدلتها بمحاكاة الطبيعة وغيرها من الفنون المثيرة للذائقة الإنسانية العليا.

علم الجمال وفلسفة الفن

ارتبط الجمال ارتباطًا وثيقًا بالفن وذلك لأن الأعمال الفنية هي خير من تجسد الجمال وذلك لأن الفنون هي خير من تحقق التناسق والدقة والترابط بين العناصر. وعلى الرغم من أن المدخل التذوقي لمعظم الفنون مدخلٌ حسي، فإن الأثر النفسي ينفذ فورًا إلى الروح والعقل ليثير بؤر التذوق فيهما ويحدث التفاعل بين الذات والموضوع والتوحد بين الرمز الحسي والدلالة المعنوية.

نظريات علم الجمال

تنوعت النظريات في علم الجمال وتناقض بعضها مع الآخر، وعلى الرغم من ذلك يمكن بلورة وإيجاز أهم النظريات في النقاط التالية:

  1. ثنائية المحسوس والمعقول: ثمة تمييز واضح بين ما يدركه العقل وما تدركه الحواس وقد تجلى ذلك في كثير من الأطروحات التي تفرق بين الروح والجسد والفكرة ومجسداتها، بيد أن تمازج المحسوس والمعقول يُعد نوعًا من الجماليات.
  2. الجمال التجسيدي: هناك نظرية ترى أن الجمال الأبرز هو الجمال الحسي وذلك انطلاقًا من الإيمان المطلق بالحواس وقدراتها وأنها النافذة الوحيدة للتذوق دون تدخل من العقل وأحكامه؛ حيث يميل الإنسان إلى رؤية ما تتوق إليه نفسه وإدراكه بشكل محسوس.
  3. الجمال المعنوي: وهي النظرية النقيضة لسابقتها؛ حيث تؤمن بالمعنى والتجرد وأهمية التذوق الروحي المحاط بإطار من العقلانية، وقد هاجمت تلك النظرية أنصار الحسيات ورأت أن التذوق الحسي البحت يهين القدرات البشرية ويساويها بالمخلوقات غير العاقلة.

وهكذا نجد أن علم الجمال واحدًا من أبرز المباحث الفلسفية التي ألقت الضوء على الجماليات العامة شكلاً ومضمونًا ورصدت التفاعل البشري مع الفنون والثقافات والسلوك الإنساني الانتقائي ودوافعه تجاه الجمال والقبح.

أحمد علام

كاتب ومترجم، أحب القراءة في المجالات الأدبية بشكل خاص.

أضف تعليق

سبعة − أربعة =