علم الأنثروبولوجيا

علم الأنثروبولوجيا هو العلم الذي يختص بدراسة الإنسان، وكلمة أنثروبولوجيا هي كلمة يونانية تتكون من مقطعين؛ الأول هو Anthropos وتعني الإنسان، والمقطع الثاني logos وتعنى العلم لتشكل الكلمة مجتمعة علم الإنسان، وعلم الأنثروبولوجيا يهتم بدارسة أصل النوع الإنساني ويدرس أيضاً المعتقدات والطقوس والعادات والتقاليد التي تحكم حياة الإنسان ويسعى علم الأنثروبولوجيا بالأساس إلى فهم طريقة تفكير الإنسان وذلك من خلال دراسة الثقافات المختلفة، والتعرف على التراث البشري على مر الأزمان، وينقسم علم الأنثروبولوجيا إلى أربعة أقسام أساسية؛ الأنثروبولوجيا الطبيعية والتي تهتم بالأساس بدراسة موضوعات التطور الإنساني والأجناس البشرية وكيفية تكون جسم الإنسان، والأنثروبولوجيا الثقافية التي تهتم بدراسة طبيعة الثقافات الموجودة ومراحل التطور الثقافي والحضاري للمجتمعات الإنسانية، هذا بالإضافة للأنثروبولوجيا الاجتماعية والتطبيقية، يُذكر أن موسوعة لاروس الفرنسية قد عرفت الأنثروبولوجيا بأنها الدراسة العلمية للجماعات الإنسانية والإنسان من كافة الجوانب هذا إضافة إلى دراسة تاريخ الإنسان المادي.

نشأة علم الأنثروبولوجيا

علم الأنثروبولوجيا ظهر في البداية كمفهوم مجرد قبل استخدامه كمصطلح علمي يستخدم مثل غيره من العلوم، وبدأ مفهوم الأنثروبولوجيا في البزوغ مع محاولات الإنسان القديم في التأمل حول الموضوعات التي تتعلق بتطور الإنسان، وقد تم تلقيب المؤرخ الإغريقي الشهير “هيرودوتس” بأبو الأنثروبولوجيا كما وُصف أيضاً بأنه أبو التاريخ وذلك لأنه قام بوصف التكوين الجسماني للشعوب القديمة كالفراعنة والكلدانيين والسومريين بشكل بارع التفصيل، كما قام هيرودوتس أيضا بالتحدث عن عاداتهم وتقاليدهم وأخلاقهم كما كتب “تاكيتس” المؤرخ الروماني دراسته المشهورة حول القبائل الجرمانية.

وتجدر الإشارة إلى أن البذور الأولى لعلم الأنثروبولوجيا قد ظهرت خلال القرن الثامن عشر وذلك مع بزوغ أفطار العديد من العلماء والمفكرين منهم الفيلسوف الفرنسي “مونتيسيكو” الذي تحدث في كتاب “روح القوانين” عن أسس المجتمع وطبيعته وكذلك الفيلسوف الفرنسي “سان سيمون” الذي قام بالبحث عن علم المجتمع، هذا عطفاً على الفيلسوفان البريطانيان الكبيران آدم سيمث وديفيد هيوم الذين اعتبروا أن المجتمعات الإنسانية هي عبارة عن أنساق طبيعية تتطور بشكل مستمر وهناك قوانين محددة ومنظمة لذلك التطور، وجدير بالذكر أن كل تلك الآراء مهدت بشكل كبير لتطور علم الأنثروبولوجيا خلال القرن التاسع عشر فتكونت المدارس الأنثروبولوجية الكبيرة.

يُذكر أن أشهر علماء الأنثروبولوجيا في تلك الحقبة هم؛ العالم البريطاني “هنري مين” مؤلف كتابي المجتمعات القروية في الشرق والغرب وكتاب القانون القديم وقد أكد هنري مين من خلال مؤلفاته على وجود قانون يحكم المجتمعات القديمة، وهناك أيضاً المؤرخ السويسري “يوهان ياكوب باخوفن” مؤلف كتاب حق الأم عام 1861م وخلال هذا الكتاب درس باخوفن الأسرة بصفتها مؤسسة اجتماعية، هذا بالإضافة للفيلسوف الفرنسي “فوستل دو كولانج” مؤلف كتاب المدينة القديمة الذي صدر عام 1864 والذي رأى من خلاله أن الدين هو العامل الوحيد الذي ساهم في تطور روما واليونان القديمة وذلك لأنه كان الرابط الأساسي والقوي بين الأسرة والعمل والدولة، أما الفيلسوف البريطاني “إدوارد تايلور” مؤلف كتابي الحضارة البدائية عام 1871 وأبحاث في التأريخ القديم للجنس البشري عام 1865 فقد قام بدراسة معتقدات وعادات الشعوب البدائية مرتكزاً على الاكتشافات الأثرية.

تطور دراسة علم الأنثروبولوجيا

علم الأنثروبولوجيا بدأ يُدرس كمادة دراسية في الجامعات الأوروبية المختلفة بداية من عام 1884 داخل أروقة الجامعات البريطانية على يد الفيلسوف البريطاني “إدوارد تايلور” حيث أصبح أول مدرس لهذه المادة بجامعة أكسفورد، ثم انتقلت دراسة علم الأنثروبولوجيا إلى الجامعات الأمريكية خلال عام 1886، وقد ظهر خلال تلك الحقبة الزمنية الكثير من العلماء الذين اهتموا بتطوير دراسة علم الأنثروبولوجيا أمثال “جيمس فريزر” أستاذ تاريخ الأنثروبولوجيا بجماعة ليفربول عام 1907 وكذلك إميل دوركايم ومالينوفسكي وراد كلف براون، وظهرت كذلك مدارس أنثروبولوجية جديدة مثل مدرسة الانتشار الحضاري والتي اهتمت بالإنسان كونه حاملاً للحضارة عبر الأزمان، والمدرسة الوظيفية التي اهتمت بالإنسان بصفته كائن يقوم بمختلف وظائفه وكلا المدرستين دحضتا وهاجمتا المدرسة التطورية التي كانت تذكر أن الإنسان مر بمراحل تطور مختلفة قبل أن يصبح على الشكل الحالي له.

وعطفاً على الدور الذي لعبه العلماء وكذلك دور المدارس المختلفة في تطور دراسة علم الأنثروبولوجيا والعمل على انتشاره؛ ساهمت المتاحف أيضا خلال القرن التاسع عشر في تجميع كل المعلومات والدراسات التي أجراها العلماء على الشعوب القديمة، وكذلك جمعت المتاحف كل الأدوات الحربية التي استخدمتها الشعوب والقبائل القديمة في الحرب حيث تم إنشاء قسم للأنثروبولوجيا داخل المتاحف وذلك مثل قسم الأنثروبولوجيا في متحف الآثار ببرلين عام 1856، وخلال عام 1866 ظهر أول متحف مستقل للأنثروبولوجيا وهو متحف “بيبودي للآثار والأنطولوجيا” بجامعة هارفارد وكذلك افتتحت فرنسا عام 1878 متحف تروكاديرو للأنطولوجيا.

ويجب الذكر أن علم الأنثروبولوجيا يختلف عن علم الاجتماع؛ ففي حين يدرس علم الاجتماع العلاقات الاجتماعية بين البشر ويركز في دراساته على موضوعات بعينها مثل الزواج أو البطالة، فإن علم الأنثروبولوجيا يقوم بدراسة المجتمعات البشرية بشكل شامل ومن كل الجوانب وليس مجرد ظواهر محددة.

أقسام علم الأنثروبولوجيا

علم الأنثروبولوجيا ينقسم إلى أربعة أقسام أساسية وذلك وفقاً لوجهة نظر فلاسفة الأنثروبولوجيا في بريطانيا؛ مسقط رأس دراسة الأنثروبولوجيا في العالم وهذه الأقسام الأساسية هي:

الأنثروبولوجيا الطبيعية

ويرتبط هذا القسم بالعلوم الطبيعية مثل علم التشريح وعلم وظائف الأعضاء، ومن أهم وأبرز تخصصات الأنثروبولوجيا الطبيعية قسم العظام والبناء الإنساني وعلم الجراحة البشري ومقاييس جسم الإنسان، ويدرس علم الأنثروبولوجيا الطبيعية في كليات الطب والعلم وأيضا بقسم الأنثروبولوجيا في كليات العلوم الاجتماعية، ويرتكز هذا القسم من علم الأنثروبولوجيا على دراسة ظهور الإنسان بوصفه سلالة مميزة على الأرض وله إمكانيات هائلة بالسير على قدمين واستخدام اليدين وقدراته على التفكير والتعبير والكلام وتناول هذا القسم أيضاً تطور حياة الإنسان وطريقة انتشاره وتكاثره وتغير شكله عبر العصور ومقاييس حجمه عبر الأزمة.

الأنثروبولوجيا الاجتماعية

تقوم الأنثروبولوجيا الاجتماعية بالتركيز بشكل أساسي على المجتمعات البدائية، وقد بدأ تدريس الأنثروبولوجيا الاجتماعية بعد الحرب العالمية الثانية، وتتضمن دراسة هذا القسم البنى والنظم الاجتماعية وكذلك النظم السياسية والعقائدية والاقتصادية، ومن خلال هذا القسم تتم الدراسة التفصيلية العميقة للمجتمعات البدائية وفقا لنظرية التطور للعالم الاجتماعي “دان براون” والتي ترتكز على توضيح الترابط والتأثير المتبادل بين النظم الاجتماعية المختلفة، وأن تلك النظم هي نسيج شديد الترابط وكل عنصر من عناصره يؤثر بباقي العناصر لتعمل على خلق وإيجاد وحدة اجتماعية تسمح ببقاء واستمرارية المجتمع الإنساني.

الأنثروبولوجيا الحضارية

ويهتم ذلك القسم باختراعات المجتمع البدائي وأدوات وألبسة وأجهزة ومساكن وأسلحة وأساطير وعادات وخرافات وفنون وآداب وقصص ذلك المجتمع وكذلك التغيرات المجتمعية والتطور الحضاري للشعوب البدائية، كما يركز هذا القسم على الاتصال الحضاري بين تلك الشعوب وما يقتبسوه من بعضهم البعض، جدير بالذكر أن الأنثروبولوجيا الحضارية بدأت تدرس المجتمعات الحضرية والريفية في الدول النامية والمتقدمة عام 1945 وذلك بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرة.

الأنثروبولوجيا التطبيقية

تطور هذا القسم من علم الأنثروبولوجيا بعد تواصل الأوروبيين بشكل مباشر مع الشعوب الأخرى وذلك من خلال الاستعمار والبعثات التبشيرية والتجارة، وقد تطور هذا القسم أيضا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وتنوعت فروعه ومجالاته حيث شمل قسم الأنثروبولوجيا التطبيقية مجالات عديدة أهمها؛ التحضر والسكان والتربية والتعليم والصحة العامة والنفسية، والإعلام والتأليف المسرحي والروائي والتراث أو الفلكلور الشعبي والحرب النفسية والجريمة والسجون.

ختاما؛ فقد نشأ علم الأنثروبولوجيا وتطور من الحاجة الفطرية لفهم ودراسة الإنسان ومراحل تطور حياته، والتعرف على عاداته وأخلاقه؛ كيف تنشأ وكيف تتطور، كيف يتعامل مع أبناء مجتمعه وكيف يطورون معاً المجتمع فيرتفع لمصاف الدول المتقدمة أو كيف يدمرون أنفسهم فيدمرون المجتمع وينهار ويتقهقر وينضم لصفوف الدول النامية.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

16 + 14 =