عصور الظلام

عصور الظلام أو العصور الوسطي، مرحلة مظلمة من تاريخ أوروبا، كانت تشبه لحد ما فترات نشهدها في الجانب الشرقي ونغرق فيها، ولهذا من الهام أن نتعلم من التاريخ الحكم، والأخطاء، الحقيقة أن التاريخ لا يكرر نفسه أبداً، بينما ما يحدث أننا نحن من لا نتعلم أبداً من التاريخ، لذلك نحاول معاً التعرف بشكل مبسط على تلك المرحلة من تاريخ أوروبا التي استمرت لقرابة الألف عام، نعرف معاً شكلها اجتماعيا وسياسياً، ونتفهم أسبابها وما مرت أوروبا به خلال تلك الحقبة الزمنية، والأهم من بين كل هذا هو كيف نجت منها، وتحولت بعدها لما يعرف بعصر النهضة، ومنه بنت قواعد دولها القوية التي نعرفها اليوم، ونتطلع إليها بإعجاب، من الظلام الفكري إلى التنوير، ومن الفقر والخراب والعداء، إلى القوة الاقتصادية والنضج المجتمعي وقيم الإنسانية الحالية، فكيف حدث هذا؟ نعرف كل شيء بشكل بسيط معاً عن العصر الأوروبي المظلم.

عصور الظلام في أوروبا

عصور الظلام عصور الظلام في أوروبا

على فتات المملكة الرومانية المنهارة، ظهر في الفترة المبكرة من عصور الظلام هجرة عدد من القبائل التابعة للشعوب الجرمانية وهم المتسببين الرئيسين بالأصل في سقوط المملكة الرومانية، بالإضافة لعدد من الغزاة البرابرة، وبدؤوا يكونوا ممالك جديدة بداخل أوروبا المحطمة بعد انهيار الإمبراطورية، كان انهيار الإمبراطورية منقسم غربية وشرقية، الغربية تركت الآثار السلبية في أوروبا، بسبب النزاعات التي حدثت ونظام الحكم الخاطئ، مع استفحال دور الكنيسة، والحروب المنهكة للدولة ومواردها، في حين أن الجزء الشرقي من الإمبراطورية سقط في أيدي الأمويين ومن بعدهم العباسيين، وبخلاف أوروبا، كان هذا العصر هو العصر الذهبي للفكر والاقتصاد في العالم الشرقي، تنقسم العصور الوسطى نفسها لثلاث مراحل، المرحلة المبكرة، والمتوسطة، والمتأخرة، وبدأت في المراحل المتوسطة ظهور سلطة الكنيسة وظهرت مصطلحات جديدة تابعة مثل الحرب المقدسة، وصكوك الغفران، وتسببت في إشعال الحروب بين الأوروبيون وبعضهم البعض، ناهيك عن الحروب الصليبية التي أنهكت أوروبا وأضرتها.

تم تسمية تلك الحقبة الزمنية بالعصور الوسطى في عام 1604 بمعناه الحالي، وتم تقسيمها إلى ثلاث مراحل، ويختلف المؤرخون قليلا حول تاريخ بداية ونهاية تلك الحقبة، لكن الشائع أن 476م هي السنة التي بدأ فيها التغيير الواضح لأوروبا، والأغلبية أيضا تعتبر حرب بوسوورث في عام 1485م، في حين أن مصطلح عصور الظلام قد تم تداوله بشكل رسمي بمعناه ودلالته الحالية في القرن التاسع عشر، لكن يتم إطلاق هذا المصطلح فقط حتى منتصف المرحلة الوسطى، لأن ما تلاها كان المنحنى قد بدء يتغير نحو النهضة.

انهيار الإمبراطورية الرومانية

يمكننا معرفة حجم تأثير سقوط الإمبراطورية الرومانية عل مشهد العالم بعدها، سقطت محدثة عصور الظلام في الغرب، والعصر الذهبي في الشرق، لذلك كان من المهم المرور بشكل سريع على أهم ملامح سقوط الإمبراطورية وأسباب حدوثها:

  • القرن الثالث الميلادي بداية اضطرابات سياسية واقتصادية شهدتها الإمبراطورية، فاستمرت التقلبات من قيصر إلى قيصر، لا يدوم أحد على العرش طويلاً.
  • يقول بعض المؤرخين أن السبب الرئيسي كان اعتراض الشعب على نظام الحكم الذي أبتعد عن سياسته الرشيدة وتحول الجيش لعبء على الاقتصاد المنهار، ففرض الكثير من الضرائب، واستمرت الحروب والمشاكل تجعل الجيش في زيادة مطردة ويتبع هذا زيادة في أملاكه وأمواله، على حساب الشعب.
  • عام 286 تم تقسيم الإمبراطورية إلى شقين شرقي وغربي، لكن نشوب حرب أهلية وكثرة تناحر القياصرة لم يساعد القيصر ديوكلتيانوس الذي نقل العاصمة إلى مدينة بيزنطية وغير اسمها إلى القسطنطينية.
  • وانتهت الإمبراطورية رسمياً بمقتل الإمبراطور أثناء محاولته لقمع اضطراب في القوط الشرقية، وذلك بمعركة أدريانوبل عام 378م.

أوروبا بخطوات زمنية بين 400 إلى 1400م

عصور الظلام أوروبا بخطوات زمنية بين 400 إلى 1400م

  • بدأت فترة الهجرة بعد سقوط الإمبراطورية، وتوزعت أوروبا إلى ممالك صغيرة، وحكم كل مملكة حكام مختلفين أكثرهم ليس من الرومان، واستغلوا سلطاتهم لصالحهم الخاص فقط.
  • حتى بدأت المالك تنحل وتتفق مكونة مملكة القوط، ومملكة الوندالية، ملكة الفرنجة، حتى تم توحيد تلك الممالك في نظام حكم ملكي في نهايات القرن السادس عشر.
  • في عام 628 كان الإمبراطور هرقل تضم سوريا ومصر وآسيا الصغرى، واستطاع إخضاع الفرس وتوقيع معاهدة سلام معهم، واسترد كافة أراضيه، مما جعل الإمبراطورية الشرقية في حالة استقرار وسلام لفترة طويلة.
  • أما الإمبراطورية الشرقية فقد استبدلت زي الرومان، بحركة تنصير مسيحية، كبرت في البلاد بدعوى القضاء على الثنية، وتحول شكل الفن والأدب والثقافة لرداء من المسيحية، قيد حرية العقل، وحجم الفكر، وتم استغلالهم فقط لنشر التعاليم المسيحية بدلا من الكتب.

المرحلة الثانية من التغييرات، كانت تابعة للتغييرات التي حدثت في البر الشرقي، ممثلة في التالي:

  • مع دخول الإسلام البر الشرقي، وسيطرتهم على بلاد الفرس حتى وصلت إلى شبه جزيرة أيبيرية أو “الأندلس” كان هذا في نهايات القرن السادس، دفع البر الغربي لتحويل الصراع إلى صراع ديني، وإعلان ما يسمي بالحروب الصليبية وجيش الرب.
  • بدأت تظهر مصطلحات طائفية مثل صكوك الغفران، والحرب المقدسة، واستخدم قيادات الكنيسة نفوذهم في الحكم لدفع الجيوش نحو حرب في الجانب الشرقي.
  • كانت الديانة المسيحية عامل التوحيد الرئيسي بين الشرقي والغربي، وكان يبنى على تلك الوحدة مناقع تجارية وسياسية، أما مع تغير الديانة في الشرق، تحولت بالتبعية اللغة والثقافة، مما آثر على الاقتصاد بالتبعية.
  • وزيادة سيطرة الكنيسة على أوروبا جعل الدين المسيحي نفسه في خطر، فظهرت نزاعات وفرقة بينهم، وظهر الخلاف اللاهوتي، وحتى القرن الثامن وحرب الأيقونات الشهيرة، واستمرت التصادمات حتى منتصف القرن العاشر، وتفرقت الكنيسة إلى كاثوليك رومانيين، وأرثوذكس شرقيين.

الكنيسة والحكم الديني في عصور الظلام

تأثير الدين في نفوس الناس، أمر واضح ليس فقط مع الديانات السماوية، بل حتى مع الأديان الوضعية، اعتقاد الناس بقدسية أمر ما يدفعهم نحو الجنون حال إهانته، وظهر هذا الجنون جليا في عصور الظلام حيث اختلط الدين بالحياة السياسية وسيطر على أفكار وحياة الناس الخاصة والعامة، وارتكزت العصور الوسطى على قدمين، الدين والحرب، وتم اعتبار الدولة مسيحية بشكل رسمي وتسلطت الكنيسة الرومانية اللاتينية على الحياة والفكر، وتم اعتبار البابا هو الحاكم الروحي للعالم المسيحي الغربي، والإمبراطور هو الحاكم الزمني، جاء كبت الكنيسة للحريات، ومنعها التنوع العقائدي، وسيطرتها بشكل مبالغ فيه كرد فعل مسيس بالأصل للقضاء على أفكار الإمبراطورية الرومانية التي كانت تبيح تعدد الآلهة، وحرية الاعتقاد، فللقضاء على الفكر المتبقي للرومان، قرروا فرض دين موحد بلغة موحدة وهي اللغة اللاتينية، واستمر دور الكنيسة في التضخم حتى سيطر بالكامل على الإمبراطورية، وتسبب في تذبذب المؤمنين بالمسيحية نفسهم، وحدثت خلافات كبيرة داخل الكنيسة وانقسامات.

المرأة في عصور الظلام

كان للمرأة دور في الصناعات في العصور الوسطى، كما كان لهن تواجد داخل الكنائس لكن تحت نظام الرهبنة وحده بداية من القرن الخامس عشر، ووفر هذا فرصة لكثير من النساء ليخرجوا من دائرة الزواج وتربية الأطفال، وتمكنوا من القيام بدور أكثر حيوية وتعلم القراءة والكتابة، القيام بدور نشط للمجتمع والدين على حد اعتقادهن وقتها، كانت النساء يعملن في تصنيع البيرة، وفي الغزل والنسيج، كما ظهرت وظيفة القبالة “التي تولد النساء” وتلك المهنة، تسببت في نجاة الكثير من النساء حيث كن يتوفين أثناء المخاض، مما زاد من عمر المرأة ليتساوى مع الرجل، وكان بالطبع للمرأة دور في الفلاحة، فقد كان معظم النساء يعملن في الأراضي، وبالطبع كانت حياة صعبة وشاقة، لكن الملفت للنظر أنه كان بها في المرحلة المبكرة والمتوسطة الكثير من المساواة بين الذكور والإناث، أي أنهم يحملن نفس المشقة من عمل وظروف معيشة صعبة، وفي الوقت نفسه أي مزايا متساوية بينهما.

أسباب نهاية العصور الوسطى

بالطبع تلك الحقبة الطويلة، صنعت تغييرات كثيرة ومتراكمة في البنية المجتمعية ونفسية الناس، التغييرات المتراكمة أدت في النهاية إلى انهيار النظام بالكامل، ونهاية تلك الحقبة وبداية عصر جديد، ونذكر في نقاط أبرز معالم النهاية:

  1. في السنوات الأولى من القرن الرابع عشر حدثت مجاعات كثيرة، وزادت حتى تحولت لما يسمى بالمجاعة الكبرى في عصور الظلام كان سببها تغييرات مناخية بالأساس آثرت على المحاصيل والأراضي.
  2. أتبع تلك الفترة “الوباء الأسود” أو الطاعون، وأنتشر في أوروبا في ثلاث سنوات بدءاً من 1347م، ووصل عدد الوفيات إلى حوالي 35 مليون مواطن.
  3. الوباء مع المجاعات، دفع النبلاء والحكام للحفاظ على ثروتهم، إلى تقليل عدد العمالة، وأنخفض مستوى المعيشة، وتأثر الفقراء والفلاحون أشد الأثر، في حين أن الأغنياء استغلوا الحدث للحفاظ على ثروتهم، فظهرت انتفاضات شعبية متعددة ومتكررة.
  4. من أشهر الانتفاضات آثرا، انتفاضة الفلاحين في فرنسا وتسمى بانتفاضة الجاكية، وكذلك ثورة الفلاحين في إنجلترا، بالإضافة لثورات عمالية إيطاليا، وعدد متفرق من المدن في أوروبا.
  5. تلت تلك الفترة من الثورات، ظهور العديد من الشخصيات التاريخية القائدة التي آثرت بأشكال إيجابية وسلبية في شكل المجتمع، منهم “جان دارك” وغيرها:
  6. واجه النظام تلك الانتفاضات بالعنف، وطبق أحكام الإعدام على قادتها، مما زاد من الغضب في أوساط الشعوب.
  7. في الوقت نفسه كانت الكنيسة تفقد سيطرتها، لاختفاء المعتقدات الخاطئة التي نشرتها وبالقراءة والكتابة التي انتشرت في أوساط المسيحين، بدئوا في الخروج على سلطة الكنيسة وأفكارها الخاطئة في الدين.
  8. بين الثورات الداخلية، حدث اقتتال وحروب بين الدول داخل أوروبا، أشهها حرب المئة عام بين الملوك وبعضهم البعض، لفرض سيطرة أكبر على الأراضي.

التخلص من عصور الظلام وبدء عصور النهضة وأهم سماتها

عصور الظلام التخلص من عصور الظلام وبدء عصور النهضة وأهم سماتها

يعلمنا التاريخ دائماً، أنه كلما اشتدت الظلمة وكثرت المشاكل، فإنه حتماً هناك تغيير سيحدث، واتبع عصور الظلام خاصة من الناحية الفنية والعلمية والثقافية، انفراجه شديدة سُميت بعصر النهضة، واستمرت من أواخر القرن الرابع عشر، وحتى القرن السابع عشر الميلادي، ظهرت بداية في إيطاليا، وكانت بدايتها في الثقافة، فظهرت وثبات واضحة في المحتوى المقدم في الأدب بأنواعه المختلفة، من رحم المعاناة يولد الأمل، وكذلك تحررت أوروبا من الظلام، بالفن والثقافة في المقدمة، وعند اهتمامها بالوعي والعقل، قضت على الخرافات الدينية وتحررت من سلطة الكنيسة، وظهرت العديد من المبادرات للسلام ومعاهدات دبلوماسية أوقفت الحرب، مما أعاد الحياة الصناعية لطبيعتها والتجارية، وشهدت هي الأخرى ازدهارا مع زيادة العلم.

عصور الظلام في الجانب الشرقي، كانت العصر الذهبي، فبعد الانفراجة الثقافية التي فرضت نفسها في الجانب الغربي، بالطبع آثرت علوم المسلمين في الشرق في الجانب الغربي، فمعظم الأفكار الفلسفية والنظريات الرياضية التي انتقلت لأوروبا كان روادها من العرب المسلمين، مثل ابن رشد وابن سيناء في الطب والفلسفة، ومع استقرار الوضع السياسي، شهدت القارة انتقال للخبرات والفنون والثقافة، وعادت الحريات لتأخذ مكانها لطبيعي مكان التعصب الديني، مما انعش العقول وزاد من الاختراعات وشهدت القارة هجرة الباحثين إليها للدراسة ومعهم نصوص بلغات مختلفة، وثقافات مختلف، مثل اليونانيين بعد سقوط القسطنطينية.

العصور الوسطى أو عصور الظلام مرحلة تاريخية تحتاج لمجلدات لوصف تفاصيلها، لذلك ما قدمناه في المقال السابق ما هو إلا نبذة تعريفية ومفاتيح بحثية، تمكنك من التعرف على أهم السمات للمرحلة من حيث التكوين الجغرافي والسيكولوجي للجمهور الأوروبي وقتها، بالإضافة لفهم المنحنيات الأساسية التي قادت أوروبا نحو الغرق في الظلام، ثم تتعرف أيضاً على طوق النجاة الذي أخرجها إلى النهضة، أما لبحث مفصل فيمكنك استخدام النقاط السابقة والمصطلحات لفتح مجلدات المؤرخين والتعرف على الجوانب بشكل مفصل، الجنب الشرقي في تلك الحقبة كان ينعم بالعصر الذهبي، من فنون وحريات وثقافة وعلم، صحيح أن الأحوال تبدلت، لكن الأيام دائما دول، والعبرة في تاريخ تلك الحقبة يتلخص في قوة العلم في التأثير على الناس والدول، وتحديد مصائرهم.

الكاتب: شيماء سامي

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

1 × اثنان =