عبور حائط برلين

حائط برلين أحد أشهر رموز الحرب والانقسام في التاريخ، وقد عانى منه الألمان لفترة طويلة وتفرقت عائلات بسببه، ولكنه أيضًا شهد أعظم عمليات عبور حائط برلين من شرقه إلى غربه، ليؤكد على شجاعة لا مثيل لها. وإصرار على إن الحرب لن تقسم الشعب الألماني عن بعضه طويلًا. وأن عواقب الحرب لابد لها أن تنتهي. تعرف معنا على قصة جدار برلين، وقصص عبور حائط برلين الشجاعة.

أين يقع جدار برلين؟

كان جدار برلين يقع بين ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية، وهو الحدود الوحيدة التي كانت تفصل بين الكيانين. ويقع بالتحديد في مدينة برلين عاصمة ألمانيا الآن، ولكنها لم تكن كذلك قبل بناؤه. وقسم المدينة إلى نصفين، غربي وشرقي، كما كان يلتف حول برلين الغريبة ليقطعها تمامًا عن ألمانيا الشرقية. تم بناؤه في 13 أغسطس 1961، وبقي لمدة 28 عام، إلا انهياره يوم 9 نوفمبر 1989. وهو يعتبر يوم تاريخي يحتفل به الألمان في كل عام.

طول جدار برلين

امتد الحائط إلى أكثر من 161 كيلو متر. وكانت نقاط التفتيش تمتد على طول الجدار. وكانت مهمة عبور حائط برلين صعبة للغاية، بسبب شدة الحراسة والتحجيم المتبع للتقليل من عدد العابرين. بالإضافة إلى الإجراءات الحكومية الصارمة والصعبة التي يجب أن تمتلكها لتصريح العبور.

قصة جدار برلين

في نهاية الحرب العالمية الثانية، وانتحار هتلر، تفككت ألمانيا إلى أربعة مناطق محتلة من قبل كلًا من، الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا، فرنسا، والاتحاد السوفيتي. ولكن سرعان ما تفكك الاتحاد والتفاهم بين هذه الدول وانقلبت على بعض، وأصبحت ألمانيا مسرحًا لمخابرات هذه الدول الأربعة. في عام 1949 قامت جمهوريتين، الأولى هي جمهورية ألمانيا الاتحادية أو الغربية، وهي المناطق التي احتلتها أمريكا وبريطانيا وفرنسا. والثانية هي جمهورية ألمانيا الديموقراطية أو الشرقية، وهي المنطقة التي احتلها الاتحاد السوفيتي.

فبدأ العمل على تحديد الحدود بين البلدين، ودعمت الدول عملية التقسيم السياسي، وكان ذلك في صالحهم بالطبع وليس في صالح الشعب الألماني. وبحسب المعاهدة كانت برلين منطقة مستقلة بين الدولتين وخالية من العسكر. ولكن في الحقيقة كانت مسرح للمخابرات العسكرية والجواسيس. وخلف الجانب الشرقي بعهده وقاموا ببناء السياج لتحديد حدوده ومنطقته في برلين الشرقية. ثم أعلنت ألمانيا الشرقية أن برلين الشرقية أصبحت عاصمة لها. وحددت ألمانيا الغربية منطقتها أيضًا لتصبح ولاية تابعة لها.

وبدأت الاحتكاكات بين الدولتين في الزيادة، وعمليات التسلح ودعم الحدود الخاصة بكل دولة. واهتمت ألمانيا الغربية في دعم الاقتصاد لديها، ونتيجة لذلك بدأت عمليات هجرة موسعة، حوالي 3 ملايين شخص هجروا إلى ألمانيا الغربية، أي حوالي سدس السكان. وكانت عبر برلين التي يصعب مراقبة المهاجرين من خلالها. وبالتالي ضعف الاقتصاد في ألمانيا الشرقية، وازداد الأمر سوءًا في مطلع عام 1961. مما دفع الحكومة الشرقية ببناء حائط برلين في منتصف ليل 13 أغسطس، ثم تدعيمه بالخرسانة بعد ذلك. وتثبيت سلك شائك أعلى الجدار. ووزعت نقاط تفتيش لمنع المهاجرين من عبور حائط برلين والانتقال لألمانيا الغربية. وقُطعت كل خطوط الاتصال الممكنة بين الجهتين.

أسباب سقوط جدار برلين

بدأت الشيوعية في التزايد في بولندا وتشيكوسلوفاكيا والمجر، وبدأت تضعف في ألمانيا الشرقية. ثم كثر النزوح نحو تلك البلدان من ألمانيا الشرقية للالتفاف والعبور نحو ألمانيا الغربية. في مساء يوم 9 نوفمبر 1989، أصدر مسئول حكومي من ألمانيا الشرقية يدعى غونتر شابوسكي، إعلان صحافي بالخطأ بأن التقيد لحرية الانتقال بين الشرق والغرب قد انتهى، وتم فتح حائط برلين.

من شدة صدمة الشعب الألماني نزلوا بالمئات في الشارع لمشاهدة سهولة عبور حائط برلين من 28 عام. فانهالوا عليه بالماء والمطارق وسقط جدار برلين، الذي اعتقدوا يومًا ما بأنه منيع. وبدأت العائلات بتقبيل بعضها، وعمت الفرحة أرجاء البلاد. وكان هذا الحدث هو بداية توحيد ألمانيا الشرقية والغربية في دولة واحدة وعاصمتها برلين، في 3 أكتوبر 1990. ولم يصدق الشعب الألماني نفسه، بأنه استطاع التخلص من ظلم هذا الحائط، والذي لم يصبح اليوم سوى تذكار بسيط في بعض أجزاءه المتهالكة.

قصص نجاح عبور حائط برلين

في الحقيقة لم يكن حائط برلين منيعًا جدًا. فتشير التقارير إلى عبور ما يقرب من 5000 شخص من الحائط أمنين خلال فترة تحصينه. وكانت المحالات في البداية بسيطة مثل الحبال، أو القفز من نوافذ المنازل القريبة من الجدار. ولكن كلما زاد تحصين الجدار كلما تفنن الشجعان في عبوره. ونذكر هنا بعض القصص الرائعة التي تدل على المثابرة والإقدام لهذا الشعب الذي عانى الكثير في فترة الحروب والتقسيم.

بيتر سترلزيك وجونتر ويتزل

بيتر وجونتر كانوا زملاء في العمل، وأرادوا الهجرة إلى ألمانيا الغربية لتحسين حياة عائلاتهما. ولكنهما لم يستطيعان التفكير في طريقة مناسبة، إلا أن قدمت أخت جونتر لهم مجلة أمريكية تحكي عن بالونات الهواء الساخن الكبيرة. فبدأ الاثنان بالعمل على صناعة واحدة تستطيع حملهم مع عائلاتهم. وبالفعل صنعوا واحدة، إلا إن محاولتهم الأولى والثانية فشلت. وكادوا أن يفقدون الأمل، ولكنهم عرفوا أن الحكومة بدأت تشك بهم، فلم يكن هناك حل سوى المتابعة.

في المحاولة الثالثة، أخذوا زوجاتهم وأطفالهم إلى تل مرتفع قريب، وصعدوا جميعًا إلى البالون. ولحسن الحظ عمل البالون هذه المرة وارتفع في الهواء. وعندما اقتربوا من عبور حائط برلين، توجهت نحوهم الكشافات ولكن المنطاد كان على مسافة عالية جدًا فلم يتمكن الحرس من إطلاق النيران عليهم. ثم أخيرًا نفذ الغاز منهم، وبدئوا بالسقوط تدريجيًا وهم لا يعلمون إلى أين سيهبطون. ولم يعرفوا حقيقة عبورهم سوى بعد تحطم البالون على الأرض وسؤال شرطي قريب من المنطقة، ليقول لهم أنهم وصلوا ألمانيا الغربية.

هاري ديترلينغ

عبور حائط برلين لم يكن سهلًا كما قلنا، ويحتاج إلى مخاطرة كبيرة. منذ قيام حائط برلين، ورغب هاري بالمغادرة فورًا، لأنه كان ناقدًا معروفًا لدى الحكومة الشرقية. كما هددوه بإرساله إلى معسكر العمل الشاق، فكان عليه اتخاذ إجراءات سريعة. ولأنه مهندس قطار، سمع بأن سكة الحديد ما زالت متصلة بين الجهتين وسيتم تفككيها قريبًا. ويفصلها بعض الحواجز الخراسانية الصغيرة. فطلب من عامل قطار صديقه يدعى هارموت ليشي المساعدة على الهرب، وبالفعل وافق.

ثم أخبر أصدقائه لينضم لهما 24 شخص أخر. صعد هاري هارموت ومن معهما إلى جرار القطار، وبدئوا في تشغيله، وعند وصولهما إلى الحدود، لم يبطئ هاري القطار، بل زاده سرعة. ومن شدة ذهول الحرس للموقف، لم يطلقوا عليه النيران. وانطلق القطار سريعًا ليخترق الحاجز الخرساني وينزلق ليحط في برلين الغربية. وانبطح الجميع على الجميع للاحتماء من الصدمة. ولم تكن هناك خسائر في الأرواح.

عبور حائط برلين من تحت الأرض

يواكيم نيومان، كان طالبًا في الهندسة المدنية، ولم يهتم يومًا بالتدريبات العسكرية على حمل السلاح التي كان الطلاب مجبورين على القيام بها. بل كان يحب الهوكي. ولكن تغير الوضع بعد اضطراره هو وزملاؤه إلى التوقيع على وثيقة يوافقون فيها على مساعدة الدولة والدفاع عنها بالسلاح إن لزم الأمر. وحينها قرر الهروب إلى ألمانيا الغربية. فطلب من طالب صديق سويسري إعطاءه جواز السفر الخاص به. وبالفعل أخذ جواز السفر وبعض الأموال السويسرية وتذكرة سينما في سويسرا، وتذكرة نقل، وتعلم بعض اللهجة السويسرية لإقناع حرس الحدود بأنه سويسري فعلًا.

وبكل شجاعة اقترب من حائط برلين، وأظهر جواز السفر، فحاول الحرس إقامة حوار صغير للتأكد من لهجته. ولكنه مثل دور السائح المتعجرف الذي يريد المرور فقط. وانطلت الحيلة على الحرس، ولوح لهم بعد مرور إلى الجانب الغربي. ولكن القصة لم تنتهي، لأنه كان قد وعد أصدقائه وحبيبته بأنه سوف ينقذهم، وبالفعل التزم بوعده. فطلب مساعدة من مجموعة من الطلاب على الجانب الغربي، لحفر نفق تحت الأرض يمر تحت الحائط. واستمروا في العمل لمدة خمسة شهور حتى وصلوا إلى الناحية الأخرى. وفي خلال يومين، ساعدوا 57 شخص للعبور تحت الأرض بأمان، ومن بينهم حبيبة نيومان.

عبور حائط برلين عن طريق الغوص

هوبرت هلبين، هو شاب قضى وقت طويل في ألمانيا الغربية قبل بناء الجدار، فاشتاق لتلك الحياة الكريمة مقارنة لحياته في ألمانيا الشرقية. فقام هو واثنين من أصدقائه بشراء بدل للغوص. واستمرا ثلاثة أشهر في التدرب عليها في المياه المحيطة ببرلين. ثم بدئوا بتنفيذ عملية الهروب في النهر الذي يربط المدينتين واحدًا تلو الأخر. لأنهم اعتقدوا أن الثلاثة معًا سيجذبون الانتباه لهم. وكان هوبرت هو الأخير.

فانتظر إلى منتصف الليل، ولبس بدلته التي تحتوي على حزام من الرصاص الذي يمكنه من البقاء في قاع النهر. وحاول البقاء دائمًا بالماء ويتحرك بهدوء شديد حتى لا يلاحظه الحراس. واستخدم عصا للتنفس. ولم يخرج إلى السطح إلا للتأكد من وجهته الصحيحة. وكان يستخدم جسر في برلين الغربية كعلامة تدله على الطريق. وكاد أن يكشفه أحد الحراس حين وجه على المياه كشافه الكبير، ولكنه كان هادئًا والمياه راكدة فلم يلاحظه.

بعد ساعة ونصف كاملة من السباحة في عمق النهر، خرج هوبرت في الجهة الغربية من المدينة. وذهب إلى الجسر وباركت الشرطة له على وصوله الناجح. بعد ذلك كان هوبرت بمساعدة نيومان في بناء النفق ومساعدة المجموعة التي هربت من خلاله. وكانت أمه واحدة منهم.

السباحة لعبور حائط برلين

بيتر دوبلر، كان طبيبًا مساعدًا في المستشفى. وكان شابًا طموحًا وموهوبًا جدًا، ولكنه أدرك أنه لا يمتلك مستقبل في ألمانيا الشرقية لأنه انتقد الحكومة. بعد طلاق بيتر من زوجته، لم يجد ما يستدعي بقاءه في الجانب الشرقي، وخطط مدة سنتين لهروبه عبر بحر البلطيق سباحة. فقد أمضى ساعات طويلة بالسباحة، وحفظ أماكن النجوم وخريطة البحر، وكان متأكدًا من إمكانية القيام بذلك.

ارتدى بيتر بدلة السباحة، وأخذ معه مجموعة صغيرة من الأشياء، مثل مسكنات الألم، الشوكولاتة، شريط لاصق، بوصلة ومثبطات الشهية. وكان يأخذ حبة من الأدوية كل أربعة ساعات. وأمضى ال24 ساعة التالية في السباحة المستمرة. فعبر حوالي 48 كيلومتر من المياه نحو ألمانيا الغربية. فلم يلاحظه أي شخص من حرس الحدود حتى بكشافتهم العالية، ومر اليوم بأكمله دون إصابات. وبالقرب من الحدود الغربية، رأى قارب صغير وساعده المالك على ركوبه والوصول إلى الشاطئ الغربي. فوصل منهكًا وعطشًا للغاية، ولكنه أتم عبور حائط برلين بالالتفاف حوله في البحر.

خاتمة

قصص عبور حائط برلين من أشهر القصص التي سيظل التاريخ يحكي عن أمجاد الشعب الألماني في التخلص من معاناة هذا الحائط. وتخليد ذكراه في الأفلام. ويوم سقوط هذا الجدار يومًا عظيمًا بالنسبة إلى الأمم كلها، التي رأت الظلم الذي عانى منه الشعب الألماني بسبب هتلر وهروبه الشرسة.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

تسعة + تسعة عشر =