طفل الفقاعة

تمكن علماء من الولايات المتحدة أخيرًا من علاج حالة متلازمة طفل الفقاعة المستعصية، والتي ترتبط بنقص المناعة أو تضعف المناعة بشكل عام، فلا يمكن للطفل أن يقاوم أي تهديد خارجي حتى وإن كان بسيطًا، ولكن الطريقة التي استخدمها العلماء هي المثيرة للاهتمام، فبحسب ما ورد في التقارير والأبحاث التي جاءت عن مستشفى أطفال سانت جود في ولاية تينيسي الأمريكية، فإن العلماء استخدموا فيروس نقص المناعة البشرية أو المعروف بشكل مختصر HIV، ليتمموا عملية شفاء ثمانية من الأطفال المصابين بهذه المتلازمة عن طريق العلاج بالجينات، في هذا المقال توضيح أكبر لمتلازمة طفل الفقاعة وأشهر المصابين بها، وخطة العلاج الجديدة التي اتبعها العلماء والتفسير العلمي لها.

متلازمة طفل الفقاعة

طفل الفقاعة متلازمة طفل الفقاعة

إنها حالة من نقص المناعة المشترك الحادة جدًا وأكثر الأنواع انتشارًا بين الأطفال هو نوع X1، وأشهر المصابين بالمتلازمة هو الطفل ديفيد فيتر، حيث لا تعمل أجهزة مناعة الأطفال بشكل كامل أو تعمل بشكل ضعيف جدًا، ولا تؤدي وظائفها الضرورية، وبالتالي يستحيل للأطفال المصابين التعايش مع العالم الطبيعي، ويجب وضعهم فيما يشبه فقاعة بلاستيكية حيث يتم تعقيم البيئة بداخل الفقاعة، ومن هنا جاءت التسمية، وإن خرجوا من البيئة المعقمة سيصابون بمختلف الأمراض البسيطة، التي من المفترض أن تتعامل معها المناعة بسرعة، ولكن العامل الممرض في هذه الحالة لن يجد مقاومة وبالتالي سيموت الطفل بسرعة، ولم يكن ديفيد هو أول المصابين بالمتلازمة ومات آلاف الأطفال دون تشخيص للحالة، ولكن لعله الأشهر حيث تمت عليه العديد من الدراسات والمحاولات الطبية لعلاج المرض.

حالة ديفيد فيتر

ولد الطفل ديفيد فيتر عام 1971، لوالدين فقدا ابنهم الأول بسبب متلازمة طفل الفقاعة أيضًا، وبعد 20 ثانية فقط من ولادة ديفيد بمستشفى أطفال تكساس بمدينة هيوستن، تم تشخيصه فورًا بمتلازمة طفل الفقاعة ، وتم حجزه في غرفة بلاستيكية معقمة ومعزولة عن العالم الخارجي، يتصل والديه والأطباء معه عبر أنابيب لمنع انتقال الميكروبات إليه، وبالطبع كان الأمر مؤلمًا جدًا على الوالدين والطفل المحروم من ملامسة حنان أمه واللعب كأي طفل مع الآخرين، وعاش بهذه الغرفة حتى عامه السادس، حتى صممت له وكالة ناسا خصيصًا بذلة تشبه كثيرًا بذلة رواد الفضاء ولكنه شفافة أكثر، حتى يُسمح له بالخروج من الغرفة واللعب والتفاعل مع الآخرين بقدر معين، والبذلة ستحميه من الظروف الخارجية تمامًا مثل رواد الفضاء، ولكن قصة ديفيد لم تنتهي خيرًا، ففي عامه ال12، فقد ديفيد حياته أثناء إجراء عملية زرع نخاع فاشلة، وكانت إحدى طرق العلاج المُقترحة آنذاك.

خيارات العلاج الأولية

قبل استخدام التقنية الجديدة للعلاج، كانت عملية زراعة النخاع هي أفضل العلاجات المتاحة لمرض نقص المناعة المشترك أو متلازمة طفل الفقاعة ، وعلى المانح أن يكون شقيق الطفل حتى تكون الأنسجة متطابقة، ونادرًا ما يجد الأطفال مانح مناسب، سواء لعدم تطابق الأنسجة أو لعدم وجود أخ حي قادر على منح الأنسجة، وبحسب مستشفى سانت جود، فإن 80% من الأطفال لا يجدون المانح المناسب، فيبدأ الأطباء بمحاولة العلاج باستخدام خلايا الدم الجذعية من مانحين أقرباء من الدرجة الأولى، وإن تخطى الأطباء كل تلك المعوقات ووجدوا المانح المناسب، فنسبة نجاح العملية تعد ضئيلة في علاج نقص المناعة ليتمكن الطفل من الاعتماد على جهازه المناعي، والآثار الجانبية خطيرة جدًا على حياة الطفل، كما حدث مع ديفيد فيتر، والخيار الآخر من العلاجات كانت العلاج الكيميائي، والتي تعد آثاره الجانبية كارثية هي الأخرى، بخلاف نسبة العلاج الضئيلة.

خطوات العلاج بفيروس نقص المناعة البشرية

ظهر الأمل في علاج متلازمة طفل الفقاعة عندما اقترح مجموعة من العلماء بمستشفى أطفال سانت جود الأمريكية العلاج بالجينات، وهي مستشفى بحثية في مدينة ممفيس بولاية تينيسي، لأن سبب المرض هو عدم وجود الجين المسئول عن عمل الجهاز المناعي للطفل وإنتاج الخلايا المناعية بجميع أنواعها، وبحسب ما ورد عن صحيفة النيويورك تايمز، فإن خطوات العلاج تبدأ بأخذ بعض خلايا الدم من المريض، واستخدام فيروس نقص المناعة البشرية في إدخال الجين المفقود إلى خلايا الدم، وفي نفس الوقت إعطاء الطفل عقاقير لتدمير جزء من النخاع العظمي، حتى يفسحون المجال للجسم بتصنيع نخاع عظمي جديد.

ومن ثم إعادة الخلايا المُحسنة إلى أوردة الطفل مرة أخرى من خلال عملية حقن وريدي بسيطة جدًا، تعمل الخلايا الجديدة على تحفيز تصنيع نخاع عظمي سليم قادر على القيام بوظائفه المرتبطة بالمناعة، وفي غضون شهر من الزمن من تلقي الرعاية اللازمة في المستشفى والبقاء في بيئة معقمة، ستبدأ الأجسام المناعية في الظهور تدريجيًا في دماء الطفل، وتنشط لديه وظائف الجهاز المناعي بالكامل، وعندما يتأكد الأطباء من ظهور كافة أنواع الخلايا المناعية، يسمحون للطفل بالخروج إلى العالم واستكشافه بكامل حريته.

النتائج المبهرة للعلاج

تمت معالجة أطفال آخرين في مستشفى أطفال يو سي إس إف بينيوف في سان فرانسيسكو الأمريكية، وأعطى العلاج نفس النتائج الرائعة التي ظهرت على الخاضعين للعلاج بالمستشفى السابق ذكرها، وبحسب ما قالته المسئولة عن الدراسة، إيفيلينا مامكارز، فإن الأطفال يتلقون هذا العلاج في سنواتهم أو شهورهم الأولى من الحياة، ما يزيد من نجاح العملية، لأن جسمهم الصغير ما زالت لديهم الإمكانيات للتأقلم مع اللقاحات والخلايا والجينات الجديدة، و7 من الأطفال الذين خضعوا لهذا العلاج لم يحتاجوا سوى لجرعة واحدة من العلاج، وخلال أشهر قليلة، من 6 إلى 24 شهرًا، أصبحوا يتمتعون بمناعة طبيعية ضد العدوى مثل جميع الأطفال في نفس العمر، أما الطفل الثامن فاحتاج إلى جرعة واحدة إضافية من العلاج للحصول على نفس النتائج المرجوة، وحتى في حال استخدام العلاج على أطفال أكبر سنًا فقد يحتاجوا إلى جرعة إضافية من العلاج ولكن النتائج مضمونة.

دور فيروس نقص المناعة البشرية في علاج طفل الفقاعة

لم يصب أي طفل بفيروس نقص المناعة البشرية كما قد يتوقع البعض، لأن دور الفيروس كله يكمن في نقل الجين المفقود إلى خلايا الدم فقط، ومن ثم يفقد ارتباطه مع خلايا الدم وينفصل عنها قبل إعادة إعطاءها للمريض، لأن الفيروسات في الأصل عندما تصيب الإنسان، تدخل إلى خلاياه وتقوم بنقل الجينات الوراثية الخاصة بها إلى خلايا الإنسان، حتى تتحكم في خلاياه وتصبح قادرة على السيطرة عليها وإجبار الخلايا بتنفيذ أوامرها، ويستغل العلماء هذه الصفة في الفيروسات لنقل جينات معينة يرغبون فيها بعد زرعها في الفيروس والسماح لهذا الفيروس بإصابة الخلايا، وعندما تنتقل الجينات تنفصل الفيروسات تمامًا عن الخلايا البشرية ولا تعود تتحكم بها.

الآثار الجانبية للعلاج الجديد

طفل الفقاعة الآثار الجانبية للعلاج الجديد

العلاجات القديمة كانت تسبب العديد من الآثار الجانبية الخطيرة على صحة الطفل، ولم يكن العلاج الجديد مختلفًا عنهم قبل 20 عام، ففي بداية تجربة هذا العلاج ظهرت آثار جانبية مدمرة على الأطفال مثل الإصابة بسرطان الدم، لأن التكنولوجيا لم تكن قادرة بعد على إنتاج خلايا مستحسنة من دون آثار جانبية، فتوقف استخدام العلاج، ولكن مع التقدم العلمي تمكن العلماء هذه المرة من نجاح العملية بشكل مبهر وجميع الأطفال الذين خضعوا للعلاج، يتمتعون بصحة جيدة جدًا الآن، ويتعاملون مع البيئة بشكل طبيعي وأجهزتهم المناعية تقوم بوظائفها في التخلص من العدوى، ولم تظهر عليهم أية آثار جانبية خطيرة، أو مستعصية، أو دائمة.

الدمج بين الطب والتكنولوجيا يقدم دائمًا حلولًا مبتكرة ومبهرة في مجال العلاج الطبي، ومتلازمة طفل الفقاعة لم تعد حالة مستعصية العلاج ولا الآثار الجانبية من العلاج المتوفر خطيرة، ويعود الفضل للعلماء الذين فكروا وحاولوا لعلاج هؤلاء الأطفال، والأكثر إبهارًا في الأمر هو كيفية استخدام فيروس خطير من فيروس نقص المناعة البشرية لصنع علاج فعال بهذه الطريقة.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

أربعة × 2 =