صناعة الدواء

الأوبئة والأمراض أشياء عاصرها الإنسان منذ بداية تاريخه على هذا الكوكب، ومع تقدم الوقت كانت هذه الأمراض والأوبئة تتغير وتظهر أنواع جديدة، وكان الإنسان يحاول مواجهتها بأسلحة جديدة، منهم من كان يحاول محاربتهم بالعلم وصناعة الأدوية، ومنهم من كان يحاول محاربتهم بالخرافات والدجل، وهذه الحرب قائمة إلى الآن، لكن المذهل هنا أن صناعة الدواء تعتبر أمر خرافي أيضا حيث كان من الصعب تصديق ظهور كل هذه الأدوية التي توجد الآن، وأنه سيتم القضاء على معظم الأمراض التي قضت على أمم بأكملها، وفي هذا المقال سنعرض لكم صناعة الدواء منذ بدايته إلى اليوم وكيف تطورت هذه الصناعة الضخمة.

صناعة الدواء

صناعة الدواء صناعة الدواء

صناعة الدواء من الصناعات التي تقوم بشكل أساسي على علم الكيمياء، تنضم صناعة الدواء إلى الصناعات التي لها حقوق أختراع، وذلك حيث يسجل صانع الدواء، الدواء باسمه ولا يسمح لأي جهة أخرى بأن تصنع أو تبيع هذا الدواء، إلا بموافقة صاحب براءة أختراعه، وإلا وقعت هذه الجهة تحت المساءلة القانونية، ويجب الإشارة هنا إلى أنه يوجد بعض الأدوية ترجع صناعتها إلى أزمان بعيدة، وهذه الأدوية يمكن للجهات المختلفة صنعها وبيعها دون أي مساءلة قانونية. عند العودة إلى بداية صناعة الأدوية فيعتبر العصر المتوسط هو أول عصر شهد ظهور الصيدليات وتداول الأدوية وكانت هذه الصيدليات في بغداد عام 754 ميلاديا، وتعتبر صناعة الدواء الواحد من الصناعات التي تحتاج إلى ملايين الدولارات والعديد من السنوات والكثير من العمل منذ بدأ التجارب إلى الموافقة عليه، وتختلف الموافقة على الدواء والتشديد الذي يحدث على المخترع حسب العلاج ووقت تقديمه، حيث نجد تسهيل في هذه الموافقات في الأدوية التي تخص الأوبئة والأمراض التي تظهر فجأة في المجتمع، ويكون الهدف من الموافقة السريعة هو حماية المجتمع من الانتشار السريع لهذا المرض.

مرحلة ما قبل السريرية

تعد المرحلة السريرية من أولى خطوات صناعة الدواء ، وهي المرحلة التي تحدد هل سيستمر مطور الدواء في تطويره، أم سيعرف أن هذا العلاج لن يفي بالغرض فينصرف لغيره، وتنقسم مراحل صناعة الدواء إلى ثلاث مراحل، مرحلة ما قبل السريرية، ومرحلة السريرية، ومرحلة ما بعد السريرية، في مرحلة ما قبل السريرية يتم تحديد المرض الذي نهدف للقضاء عليه، ثم يبدأ صانع الدواء في البحث عن علاج مناسب ويحاول تطويره في المعمل إلى أن يجده صالح للتجربة وتستغرق هذه الفترة العديد من السنوات، حيث قد تصل المرحلتين الأوليتين إلى ثمان سنوات ونصف، وإذا كان الدواء موجه لفئة معينة مثل: الأطفال، والحوامل، وكبار السن، فإنه يستغرق وقت أكبر في البحث والتطوير، وبعدما يتم معرفة الدواء وتركيبه وخصائصه وتحليله ومواده الفعالة، وبعدما ينجح في الاختبارات يتم تطويره، وتبدأ المرحلة السريرية التي تنقسم إلى أربع مراحل يتم العمل عليهم لعدة سنوات، وإذا نجح الدواء في ثلاث مراحل من هذه المراحل الأربعة يتم المصادقة عليه من الهيئات الدولية التنظيمية، أما المرحلة الرابعة فتعرف بمرحلة دراسات بعد المصادقة.

المرحلة السريرية

تبدأ أول مراحل المرحلة السريرية بجلب عدد من المتطوعين، ويكون المتطوعين أصحاب مرض أو أصحاء، ويتم عمل تجارب بسيطة عليهم ويستغرق الأمر من عدة أسابيع إلى عدة أشهر، ويعتبر الهدف الرئيسي الذي تهدف له هذه المرحلة هو معرفة مدى تأثر الجسم بالدواء، حيث يسهل التعرف على الكيمياء الحيوية في العلاج، وكيف يتعامل الجسم معها، ومدى تقبله لها، وأحيانا يتم اختبارها مع أنواع مختلفة من الطعام، ويتم تحفيز العديد من أنزيمات الجسم المختلفة لمعرفة هل سيسبب العلاج ضررا للجسم أم سيتأقلم معه بسهولة، فهرمونات الجسم الساكن غير المتحرك، كما تتغير الهرمونات في الحالات النفسية المختلفة، لذلك تستغرق هذه التجارب بعض الوقت، وفي الغالب تبدأ هذه المرحلة على العديد من الحيوانات أولا، حيث يتم اختيار عدد من الحيوانات يكون التشابه بينهم وبين الإنسان متقارب إلى حد كبير، سواء في حمض DNA أو في الهرمونات التي يفرزها الجسم، أو ردات الفعل البيولوجية التي يتخذها الجسم ضد المواقف المختلفة، وعندما ينجح الدواء على هذه الحيوانات بدون أثار جانبية كبيرة، يتم الانتقال للإنسان وتجربة الدواء عليه.

المراحل الأخيرة في صناعة الدواء

انتشار هذا العدد الكبير من الأدوية الذي نراه يوميا في الصيدليات يجعل من الصعب تصديق مدى صعوبة هذه الصناعة، والوقت الذي تستغرقه، والميزانية الضخمة التي تحدد له، ونجد أن مراحل صناعة الدواء لا تتوقف على المذكور في النقاط السابقة فقط، بل يستمر الأمر إلى المرحلة الثانية من مراحل السريرية، وفي هذه المرحلة يتم اختبار الدواء على مدى أوسع من الاختبارات السابقة، وذلك حيث يتم تجربته على عدد من المشتركين الذين يعانون من أمراض مختلفة، وهدف هذه المرحلة هو معرفة التقلبات المختلفة للدواء مع مختلف الأدوية الأخرى، وتعد هذه المرحلة من أصعب مراحل صناعة الدواء ، وبعد اجتياز هذه المرحلة يتم عمل دراسات مكثفة وكبيرة، وتعتبر المرحلة الثالثة من أضخم مراحل البحث والتجربة في صناعة الدواء ، وذلك حيث يستعد المطور بعدها لطرح العلاج في الأسواق، وتبدأ المرحلة باشتراك العديد من مراكز الأبحاث وتطوير الأدوية مع مطور العلاج الأساسي، وبعد تحديد مراكز البحث التي ستعمل على الدواء، يتم إحضار عدد من المتطوعين ولكن يشترط أن يكونوا أصحاب أمراض معينة، ويتراوح عددهم غالبا من أربعمائة إلى ثلاثة آلاف، ويتم تجربة الدواء عليهم ومعرفة العمليات المختلفة التي تحدث داخل الجسم في هذه الحالات.

نزول الدواء في الأسواق

صناعة الدواء نزول الدواء في الأسواق

بعد نجاح الدواء في المرور من الاختبارات المذكورة سابقا، يتم طرح الدواء في الأسواق، ويقوم المطور والجهات المختصة بمراقبة تحركات الدواء في السوق والمرضى الذين يكتب لهم الدواء، وعند ملاحظة أي أعراض جانبية سلبية، يتم سحب الدواء من الأسواق، وإذا كان التعديل الذي يلزم للدواء بسيطا يتم عمله وطرحه مرة أخرى، أما إذا لم يظهر أي أعراض جانبية للمرضى، يذهب المطور للجهات الصحية التنظيمية لتسجيل الدواء، ويهدف المطور حينما يذهب إلى هذه الجهات أن يأخذ الإذن القانوني الذي سيسمح له بتداول الدواء، ويشمل الطلب الذي يقدم لهذه الهيئات الأبحاث والتجارب المختلفة التي تم عملها أثناء صناعة الدواء من المراكز الطبية المختلفة، وبعد ذلك يتم عمل ملف به تقويم لكافة المعلومات التي تخص الدواء منذ بداية صناعة الدواء ، ويشمل الملف كل التجارب وكيفية الوصول إليها، وبناء عليه تتم الموافقة أو الرفض، وأحيانا تطلب هذه اللجان أوراق وتجارب أخرى من المطور، وعند الموافق يتم كتابة عدد من النشرات، مثل: الأعراض الجانبية للعلاج، المحاذير المختلفة التي يجب وضعها في الاعتبار عند أخذ الدواء، والجرعات التي يجب أن تأخذ للحالات والأعمار المختلفة، وغير ذلك من الأمور التي نجدها في النشرة المرفقة مع الدواء.

صناعة الدواء ليست بالأمر الحديث، حيث ظهرت هذه الصناعة في معظم الحضارات القديمة وكان الاعتماد حينها على الأعشاب الطبيعية المختلفة وخلطهم ببعض، وكان الأمر يقتصر على علاج بعض الأمراض القليلة، وهذا العلاج لم يندثر مع التاريخ، بل تطور إلى أن أصبح اليوم من أعمدة الطب الحديث ويعرف بالعلاج الطبيعي، وتعتبر التطورات التي شهدتها هذه الصناعة من التطورات المذهلة حيث لم يتوقف الأمر على علاج الأمراض الجسدية فقط، بل أصبح يشمل الأمراض النفسية أيضا، وأصبح للعلاج العديد من الأنواع يتم تقسيمها حسب مصدرها وتأثيرها، بعض مواد كيميائية لو كانت اكتشفت منذ زمن لكن التاريخ قد تغير مجراه، وهكذا اليوم معظم الأمراض المستعصية ستكون مع مرور الزمن من الأمراض البسيطة التي يمكن القضاء عليها بسهولة، وهذا بفضل الصناعة الأعظم، صناعة الدواء .

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

سبعة عشر + خمسة عشر =