زرياب الأندلسي

زرياب الأندلسي هو مطرب وموسيقي عربي شهير ولد بالموصل في العراق وعاش في بغداد في أزهى عصور الدولة العباسية، تميز زرياب الأندلسي بعذوبة صوته وروعة ألحانه. أطلق عليه أسم زرياب لعذوبة صوته ولون بشرته الداكنة التي يشبه بها طائر الشحرور. قضى زرياب أول أيام حياته في بغداد تلميذا على يد الموسيقي المشهور آنذاك إسحق الموصلي، والذي نازعه لاحقا في مهنته لتفوقه ولإعجاب الخليفة هارون الرشيد به. تنقل زرياب بين العديد من الوجهات والولايات العربية آنذاك فذهب للقيروان بشمال إفريقيا وأقام فترة ببلاط الوالي ومن ثم إلى محطته الأخيرة في الأندلس، حيث نال شهرته وطور الكثير من شكل الموسيقى التي نعرفها اليوم. تعد إنجازات زرياب الأندلسي كثيرة ومبدعة كمطرب عربي تم اضطهاده كثيرا حتى استطاع النجاة أخيرا في الأندلس، ومنها صدر إبداعه للعالم. فإنجازه لم يتوقف على الموسيقى فقط؛ والتي بالمناسبة كان أحد الأعمدة الرئيسية في تاريخ تطور الموسيقى حتى يومنا هذا. لكنه أيضا أبتكر فن الذوق العام العالمي أو ما يعرف “بالإتيكيت” الذي تتميز به أوروبا الآن.

كيف انتهي الحال بزرياب في الأندلس؟

في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد انتعشت الحالة الثقافية والفنية بشكل كبير، فالخليفة ذاته كان من أشد المعجبين بالموسيقى وعازفيها، وفي أحد الأيام طلب من مطربه الخاص إسحق الموصلي أن يسمعه صوت جديد غير صوته، فأقترح إسحق زرياب الذي علمه الموسيقى جيدا. فحضر زرياب في هيئة واثقة وقام بعزف وغناء موسيقى أستاذه الذي أنبهر مثله مثل الخليفة من شدة إتقانه للعزف حتى في الألحان الصعبة التي ألفها أستاذه ولم يجيدها غيره، حتى انه يحكى أن زرياب طلب إذن الخليفة في العزف على عوده الخاص بدلا من عود سيده ومدرسه موضحا للخليفة أن التشابه قد يكون ظاهريا فقط لكن جوهريا الأمر ينطوي على الكثير من الأسرار. أصابت الغيرة معلمه إسحق الموصلي والغيظ من إخفاء زرياب تمكنه وإتقانه وقام بتوبيخه على إخفاء براعته منقطعة النظير، وخشي للغاية أن يزيحه زرياب من وظيفته ويتملك مكانا كبيرا عند الخليفة، وأمهله وقتا لمغادرة بغداد وعرض عليه المال للرحيل وإلا فإن الموت ينتظره. غادر زرياب الأندلسي تجاه القيروان ملتمسا القبول لدى بنو الأغلب هناك ولكن إقامته لم تطل لأنه لم يجد الاهتمام اللائق به أو بفنه، فأخذ يذكر الأمير في أغانيه فعلم الأمير بذلك وغضب وأمر بجلده وأمهله ثلاثة أيام للرحيل وإلا فإن الموت ينتظره للمرة الثانية، عندها راسل أمير الأندلس “الحكم بن هشام الأموي” يطلب أذنه لدخول الأندلس وهو ما حدث لاحقا عندما رحب الأمير به للغاية، غير أنه سمع وقت وصوله بخبر وفاة الأمير وتولي أبنه “عبد الرحمن” الحكم. تخوف زرياب من عدم ترحيب الأمير الابن به ولكنه راسله فأبدى ترحيبا كبيرا به وبموسيقاه فاستقبله استقبالا مهيبا وخصص مكانا له ولأسرته للإقامة وأغدق عليه كثيرا من المال.

كيف طور زرياب الأندلسي الموسيقى؟

عرف زرياب الأندلسي منذ بدايته بعذوبة صوته ورقة ألحانه ولكن جل إبداعاته الموسيقية جاءت بعد ذهابه للأندلس. فبرعاية أمير الأندلس آنذاك الأمير عبد الرحمن الأوسط وولعه الشديد بالفن، كان المجال مفتوحا أمام زرياب لكثيرا من الأبداع. فلم يقتصر الأمر على تعليم الموسيقى بل زادنا من الشعر بيتا وكان من أهم رواد تطوير شكل وإيقاعات الموسيقى.

دار المدنيات

أشرف زرياب على دار المدنيات والتي تعتبر أول مدرسة لتعليم الموسيقى في العالم. كان اهم التلاميذ هم بنوه الذكور وبناته أيضا وعددا كبيرا من الجواري أتوا من المشرق العربي والمدينة خاصة، أم عن باقي تلاميذه فكانت المدرسة قطبا يلتف حوله الجميع فاستقبلت العرب والأوروبيين؛ فقد وفد الكثير من ألمانيا وإنجلترا وكثيرا من الإسبان أيضا. كما ألهمت دار المدنيات العديد من المدن الأندلسية لإقامة مراكز مشابهة لتعليم الموسيقى، كما كانت بمثابة الباعث الثقافي للموسيقى الأوربية والنهضة الثقافية اللاحقة للأوروبيين؛ حيث نقل التلاميذ الأوروبيين الكثير حين عادوا لموطنهم عن الموسيقى العربية والموشحات الأندلسية.

تقنيات زرياب في تدريب تلاميذه

لم يتوقف الأمر على تعليم الموسيقى فقط بالطبع، فزرياب اختار تلاميذه بعناية وقام بتقسيمهم تبعا لنوعية صوتهم ومهارتهم بالغناء. فكان زرياب محنكا في تحديد جودة الصوت الذي يسمعه وتمييزه إن كان قويا رخيما أو ضعيفا، وكذلك وضع عدد من القواعد لتحسين جودة الأصوات الهادئة؛ فمثلا كان يجلس تلاميذه على وسادة مدورة تعرف باسم “المِسورة” حتى يتبين قوة الصوت وإن كان ضعيفا أمر التلميذ بربط بطنه بعمامة حتى لا يترك أي قدر من الهواء في جوفه قد يؤثر على حدة الصوت. استخدم زرياب تقنيات أخرى عديدة في التعليم فسهولة تجاوب تلاميذه في التدريب نبعت من عبقرية خالصة، فكان يضع قواعد علمية دقيقة تسهل التعلم على تلاميذه على التعلم مهما كانت خلفيتهم الثقافية وتساعدهم على ضبط ليونة أصواتهم وإتقان الغناء، كما علمهم طريقته في الغناء؛ والتي تبدأ باستهلاله بنشيد قصير ومن ثم لمرحلة تسمى البسيط – هو لحن إيقاعي يعتمد على تقسيم زمني للنغمات بطريقة متساوية- بعدها يصل لمرحلة الإيقاعات المتنوعة بين الارتفاع والانخفاض والتي يتفاعل معها الحاضرين وينتهي أخيرا بالأهازيج؛ وهو فن مشهور يقوم المطرب بالصدح فيه بدون أية آلات موسيقية. لم تتوقف عبقرية زرياب الأندلسي على هذا فكان أول من وضع فكرة الميزان الشعري في التدريب أو الميزان الإيقاعي؛ والذي يساعد على تقسيم الإيقاعات في الموسيقى وضبط النغمة. كما حدد مقطوعات سهلة خالية من الزخرفة الموسيقية لتلاميذه المبتدأين حتى يسهل عليهم التعلم، كما قام بإدخال العديد من المقامات التي لم تكن موجودة من قبله.

زرياب والفوكاليز والغناء الاوبرالي

الفوكاليز هو علم موسيقي يختص بتمرين المغنيين على التنقل بين طبقات الصوت ووضع مخارج الحروف والصوت بشكل صحيح للحصول على أداء أمثل. وضع زرياب الأندلسي حجر الأساس في تأسيس علم الفوكاليز والغناء الاوبرالي، فكان زرياب شديد الإتقان في تحويل الأصوات من منخفضة لعالية بتمارين معينة فقد كان بارعا في التحكم بأصوات تلاميذه وتوظيفها بشكل صحيح. حتى أنه استخدام تقنية غريبة مع من كانوا يواجهون مشكلة في فتح الفم عند الغناء، حيث كان يأمر لهم بوضع قطعة خشب صغيرة -في حجم ثلاثة أصابع- بين فكي المتدربين ضعاف الصوت لمدة أيام حتى يتمكنوا من فتح الفم لمدى معين يمكنهم من إخراج أفضل نغمة صوت من أدائهم.

زرياب والكورال

“الكورال” أو “الكورس” هي كلمة لاتينية معناها الأداء الغنائي الذي يؤديه مجموعة المطربين في خلفية العمل المسرحي قديما أو العروض الأوبرالية وحتى في الترنيم الكنسي؛ كما ابتدأ في أوروبا في العصور الوسطى. كان زرياب الأندلسي هو أول من أبتدع فكرة جوقة المغنيين أو جماعة المنشدين الذين يرددون الصوت في الخلفية في الغناء بطريقة مرتبة هو ما تطور لما يعرف اليوم باسم “الكورال”.

تطوير فن الموشحات والزجل: فن الموشح هو فن من فنون الشعر العربي نشأ في بغداد في عصر ثقافتها الذهبي وتطور كثيرا لاحقا، أول من أدخله الأندلس كان هو زرياب الأندلسي وكان أهم من أبدع في شكل الموشح المعروف لدينا، فالكثير من الباحثين يعتبرون الموشح لم يأخذه طابعه الفني المميز إلا حينما بدأ زرياب بتنقيحه وتطويره، فقام بوضع القواعد الأساسية لهذا الفن وساعده أيضا المزاج العام الفني في الأندلس. الشيء الذي جعل الموسيقى الأندلسية الأكثر أناقة بين الموسيقى في عصره كما جعله سلعة عالمية تنتقل إلى أنحاء أوروبا حاملة معها توقيعا عربيا.

زرياب وفن الذوق العام “الإيتيكيت”

عرف زرياب الأندلسي بتأنقه الشديد في مظهره كما هو الحال في أناقة وعذوبة موسيقاه. فكثرة تنقلاته بين الإمارات المتعددة والتي انتهت به إلى الأندلس ألهمته كثيرا لأبداع فنون جديدة بل وإضفاء نكهة فنية على المجتمع. ففن الإيتيكيت الأوروبي أو فن الذوق العام هو ابتكار زريابي بامتياز، فزرياب الذي عايش الطبقات العليا والحكام أهتم كثيرا بطريقة عيشهم فكان مشهورا بتأنقه وأنفته فكان يهتم للغاية بالذوق العام؛ فاشتهر عنه مثلا ذوقه العالي في التعامل مع الآخرين وكذلك طريقة أكله وجلسته بل وطريقة مضغه المتأنية للطعام وكذلك طريقته المتأنقة في الشرب، وأيضا اشتهرت مائدته بالمناديل المتعددة فهذا للفم وهذا لليد وهذا للجبهة كما تعددت ألوانها تبعا لغرض الاستخدام. أما عن إسهاماته في الذوق العام للأندلس؛ فقد فقام بوضع قواعد لتنظيم السلوك وطريقة الجلوس وتناول الطعام والتحدث داخل البلاط. لم يقتصر الأمر على ذلك بل انتقل لتحديد طريقة أنيقة في تناول الطعام والانتقال من استخدام الصحون والأطباق النحاسية إلى الأنية الزجاجية، وأنتقل إلى ترتيب مائدة الطعام نفسها فكان أول من أدخل فكرة الوجبة ثلاثية الأطباق إلى أوروبا؛ كانت الوجبة تبدأ بالمقبلات في بداية الطعام ثم الوجبة الرئيسية ومن ثم التحلية في النهاية. كما حذا حذوه الكثيرون في العناية بالبشرة والاهتمام بالنظافة الشخصية، وكان صاحب ذوق رفيع في اختيار الملابس التي تبين الرشاقة وتماسك القوام، كما ابتدع فكرة ارتداء ملابس محددة لمناسبة معينة، وقام بإدخال فكرة تغيير الملابس القطنية الخفيفة في الصيف إلى الصوفية الثقيلة في الشتاء.

زرياب ووتر العود الخامس

اشتهرت آلة العود في العصور القديمة كآلة موسيقية أثيرة يعزف بها في بلاط الملوك وفي نوادي الفقراء على حد سواء، زرياب الأندلسي كان من أبدع من عزفوا على العود، لكن شرارة أبداعه المتقدة لم تقف على هذا. ففي القديم أشتهر العود بأوتاره الأربعة لكن الفضل يعود إلى زرياب في إضافة الوتر الخامس، الوظيفة الأساسية للوتر الخامس هو الحصول على النغمة الحادة من الوتر الجديد والتي لم تكن مكفولة في نظام الأوتار الأربع، ليزيد هذا العود جمالا في العزف ورقة في النغم. إبداع زرياب وتعديله على العود غير كثيرا من مظهره كما غير من الأوزان وجودة العزف والأمر لم يقتصر على اعتدال النغمة والمظهر البديع فقط بل تأثرت طريقة العزف وكذلك الإيقاع والحصول على خيارات متنوعة للعزف والتأليف الموسيقي. الأوتار لم تنجو من طوفان الإبداع هذا، فقام زرياب بتغيير الأوتار القديمة وقام بصنع الأوتار ذات الصوت الحاد من الأمعاء الدقيقة للحيوانات والأوتار ذات الصوت الغليظ من الحرير، كما التفت لمشكلة أداة العفق المصنوعة من الخشب لذا فقد قام بتغيير الريشة الخشبية التي كانت غالبا ما تؤذي الأوتار بريشة من ريش النسر الخفيفة ذات الملمس الناعم والتي قامت بتحسين جودة العزف وعذوبة النغمات الصادرة.

الخاتمة

عاش زرياب الأندلسي حياة حافلة قد تكون انتهت بوفاته، لكن أثره وتراثه دام حتى اليوم في الموسيقى، فعبقريته منقطعة النظر نقلت الموسيقى العربية شكلا ومضمونا لمكانة أعلى مما كانت عليه، وجعلتها بضاعة عالمية رائجة ساهمت في تطور الموسيقى الأوروبية لاحقا في عصر نهضتها الثقافية. فما بدأه زرياب في عصره أكمله تلامذته في دار المدنيات وحتى أولئك الذين أقبلوا عليه من الشرق والغرب وعادوا لبلادهم. وأهم ما ساعد على ذلك كان أسرته التي كان معظم أفرادها تقريبا مطربين فجميع أولاده امتهنوا الموسيقى وتعلموها بدقة رجالا ونساء، كما ساعد في ذلك أيضا الزخم الرهيب لإبداعاته التي تم تواترها عبر العصور.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

اثنا عشر − 12 =