دخول الدخان مصر

دخول الدخان مصر لم يكن معروفاً حتى القرن الحادي عشر هجرياً، وفور ظهوره بدأ يخلق حالة من الجدال المستمرة حوله حتى اليوم، رأي الكثيرين فيه حرمانية، وسعوا لمنعه، في حين أن الناس والعوام وجدوا فيه تسلية وتخفيفاً من واقع حياتهم المملة والقاسية، فجعلوا منه عادة يومية، وأنتشر الدخان في المقاهي، وانتشرت معه فتاوي التحريم، ويحدد الإسحاقي ظهور الداخن في مصر بعام 1012 هجرية، ويذكر أن الوالي قد أصدر معه أمر بتحريمه ومنع تعاطي الدخان، خاصة في الشوارع والأماكن العامة مثل الدكاكين، وشدد بالإنكار والنكال لمن يدخن في الطرقات والأماكن العامة.

بداية رحلة دخول الدخان مصر

عرفت مصر المقاهي من قبل أن تعرف مشروب القهوة نفسه، وكانت معروفة كأماكن تجمع للرجال، للسمر والحكاوى ونقل القصص والخبرات عن طريق الغناء والتنابز فيما بينهم وقص الشعر والأدب، وكانت محال لتقديم مشروبات مثل الحلبة والزنجبيل والقرفة، وما شابه من المشروبات الطبيعية فقط، حتى ظهر عام 1012 هجرياً وفقاً للمؤرخين دخول الدخان مصر ، ووفقاً لما ذكره الكاتب السوسي أحمد عن رحلة كريستوفر كولومبوس الشهيرة إلى أمريكا، فأنه رأى الهنود الحمر، يقومون بلف أوراق التبغ وإشعالها، ثم أستنشاق دخانها، ومن يومها عرف الإنسان الدخان بأنواعه، وانتقل إلى مصر عن طريق التجارة، وظهر بشكل رسمي في شوارعها ولاحقته يد التحريم تارة ويد التجريم تارة.

صناعة السجائر في مصر

دخول الدخان مصر صناعة السجائر في مصر

من الواضح أن الذي بنى مصر لم يكن حلواني كما تقول كلمات الأغنية، إنما كان “مدخن”، محمد على باشا، مؤسس الأسرة العلوية في مصر، هو فتى يتيم ألباني الأصل، كان في الأصل تاجر للدخان، وكانت جودة التبغ المصري أكبر مشجع لمحمد على أن يعمل على تصنيع أجود أنواع الدخان والسجائر في مصر، لذلك فلقد أحتكر بالفعل الصناعة في أوائل القرن التاسع عشر، وأمر بزراعة معظم الأراضي الزراعية بالتبغ، وعمل على تحسين جودته، ومنذ يومها ازدهرت صناعة السجائر في مصر واشتهر التبغ المصري.

دخل نبات التبغ مصر عام 1601 وكان يستخدم عن طريق المضغ، قبل معرفة صناعة السجائر، وذكر الجبرتي “المؤرخ الشهير” أن والي مصر لما ظهر الدخان في البداية منعه وجرمه ووصلت عقوبته حد الإعدام، لكن في عام 1840م قام الفرنسيون باختراع أول سجائر عالمياً، وانتشرت بسرعة النيران في غيطان البلدان كلها بسبب الاحتلال والتجارة، حتى بدأت مصر في عمل أول مصنع للدخان عام 1867م.

دخول الدخان مصر قبل ثورة يوليو

عرفت مصر تسع شركات مختلفة منذ عصر دخول الدخان مصر ، منها ما كان وطني بالكامل، ومنها ما كان تابع للاحتلال، سواء العثماني أو الإنجليزي، نتعرف على أبرز شركات صناعة السجائر في مصر بالتسلسل الزمني:

مصنع سركسيان للدخان والسجائر

أسسه كريكور سركسيان في القاهرة عام 1867م وهو أول مصنع للسجائر في مصر، وكان مقره بشارع شبرا وأنتج ماركة “أبو فانوس” ثم توسع أبناءه وانتجوا ماركات مختلفة، منها “معدن”، “لوكس”، “باشا”، و”إكرام”.

محل ك.ق للدخان بمصر

أسس الأخوين كركور وجراييد المحل عام 1882م ثم تم تغيير اسمه إلى “معمل الدخان والسجائر الشرقية المصرية” بعد ثورة 1919م، وكان له فروع مختلفة في القاهرة والإسكندرية، وصنعوا 7 ماركات مختلفة من السجائر والدخان، وكان الأرمن ومنهما الأخوين سبب مباشر في احتلال مصر المرتبة الرابعة في صناعة الدخان في تلك الفترة.

نستور جياناكليز

هو اليوناني الذي اتخذ قصر خيري باشا في القاهرة مقراً لصناعة الدخان، وعمل على تطوير التبغ والدخان بماركة “جياناكليز” حتى أن الإنجليز لما عرفوه في مصر، كان يقوم بتصديره إلى الولايات المتحدة في تلك الفترة من عام 1870م.

إخوان كيريازي

هو المصنع الملون بالأبيض والأحمر، ويحتل مساحة 3 آلاف متر مربع، في منطقة سوق التوفيقية بالقاهرة، تأسس عام 1873م واستمر في التوسع والانتشار حتى أن الإحصائيات سجلت أكثر من 103 مليون سيجارة حول العالم تحمل اسم كيريازي عام 1901م.

واسب وكوتاريللي

وهي الشركة التي غمرت إعلاناتها بالممثلين، حيث ظهرت فاتن حمامة، أنور وجدي، ليلي مراد، وهدي سلطان، في عدد مختلف من إعلاناتها، واستمرت في العمل حتى تم تأميمها في الستينات، وتحولت لشركة النصر للدخان، وعرفت بماركو “نفرتيتي” بعد التأميم.

دخول الدخان مصر بعد ثورة يوليو

استمر انتشار المصانع في مصر، ومنها ما بدأ في عصر الملك فاروق، وأكمل عمله بشكل منتظم في عهد جمال عبد الناصر، ونذكر منها الآتي:

ماتوسيان

هي الأشهر في تاريخ مصر، تأسست بنهاية القرن ال19، وبدأت من شارع فرنسا بالإسكندرية، ثم قام الأخوين بعمل فرع آخر في العتبة الخضراء بالقاهرة، ضمت أكثر من 70 ألف عامل، وغطى إنتاجها مصر والسودان، ووصل حتى أثيوبيا، وأديس أبابا، ومدن أخرى.

تأقلمت الشركة مع الوضع الجديد بعد الثورة، وقابل “ماتوسيان الابن” جمال عبد الناصر في معرض للسجائر عام 1961م وكان عبد الناصر مدخن شره لسجائر “كينت”، وقال لماتوسيان، سأكون من عملائك لو صنعت ما يشبهها، وبالفعل قام “ماتوسيان” بصناعة الماركو الشهيرة “كليوباترا”.

شركة مصر وشركة النصر للدخان

كلاهما شركات حكومية مصرية، ظهرت في الستينات، وكانتا ينتجان ماركات “ملك” و”نفرتيتي” وفلوريدا، واستمرا في العمل حتى اندمجت شركة النصر، مع شركة الشرقية للدخان.

شركة الشرقية للدخان

تأسست بالأصل عام 1920م، واستمرت في مراحل مختلفة من الدمج مع شركات أخرى، وكانت تبيع منتجاتها في مصر والسودان وفلسطين، وتنافس بقوة السجائر الإنجليزية، وبعد التأميم اندمجت مع شركة النصر للدخان، وشركة ماتوسيان، وأصبحت الرائدة في مجال السجائر المصرية حتى اليوم، وتنتج 13 ماركة مختلفة، منها “كليوباترا” و”كليوباترا بوكس” و”سوبر ستار”، ولها 9 مصانع مختلفة ومقرات في كافة أنحاء الجمهورية، كما لها حق تصنيع ماركات أجنبية في مصر، مثل مارلبورو وكينت.

دخول الدخان مصر والأديان

بالرغم من أن الأديان الإبراهيمية الثلاثة واجهت الدخان بالرفض، ومنذ دخول الدخان مصر في يومه الأول، ورجال الدين يحاولون تحجيمه ورفضه، إلا أنه للأسف لاقى انتشار واسع لدى المصريين، بالنسبة للديانة المسيحية، يذكر قساوسة المسيحية أنه بالرغم من أن الكتاب المقدس “الإنجيل” لا يذكر بشكل محدد الدخان، إلا أنه يستدل من آيات فيه على أن التدخين مرفوض، من مبدأ الضرر، “أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ الَّذِي لَكُمْ مِنَ اللهِ وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟ لأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ. فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ..” (كورنثوس الأولى 6: 19-20)، لذلك فمنذ دخول الدخان مصر والكنيسة المصرية تحذر المسيحين منه، وتعتبره عمل غير موفق.

وأما الموقف الإسلامي، فإعمالاً بنفس المبدأ الديني أنه “لا ضرر ولا ضرار” فتذبذبت الآراء الدينية، من تشدد بالتحريم ووصولاً لنفس الرأي المسيحي بأنه عمل غير موفق، لكن عام 1999م أصر المفتي وقتها “نصر فريد” على إصدار فتوى واضحة ضد التدخين.

حجم انتشار الدخان في مصر

دخول الدخان مصر حجم انتشار الدخان في مصر

على حسب آخر إحصائيات فإن المصريين يقومون بتدخين 19 مليار سيجارة سنوياً، وهي الأكبر من حيث التدخين على مستوى الوطن العربي، ومنذ عام 2012 وصل عدد المدخنين في مصر إلى العدد الأكبر على الإطلاق، حيث يقدر عددهم بنحو 20% من مستخدمين التبغ عالمياً، كما أن منذ دخول الدخان مصر وهي تحتل مكانة في ترتيبات الدول استهلاكاً للتبع بشكل عام، وفي السنوات الأخيرة أصبحنا من أكبر عشرة مستهلكين للتبغ وفقاً لإحصائيات مؤسسة الرئة العالمية، وبالرغم من الجهود المستمرة لتقليل عدد المدخنين، والارتفاع الملحوظ في أمراض الجهاز التنفسي التي تسبب بها الدخان، إلا أنه للأسف لا زالت معدلات المدخنين في زيادة مستمرة، فإن معدل المدخنين البالغين يتزايد بمعدل من 4 إلى 5 % سنوياً.

منذ دخول الدخان مصر من عصر تأريخ الإسحاقي وصولاً إلى السجائر الأمريكية التي تستهلك بمعدلات كبيرة في العصر الحديث، مرت صناعة السجائر في مصر بمواقف وطرائف وتذبذبات كبيرة، حتى أن الدخان أصبح خيط رفيع وقوي يربط الثقافة المصرية ببعضها البعض، توغله في التاريخ بالإضافة لصراعات مستمرة بين المؤسسات الدينية والفن والتجارة بسببه، مع بروز عدد من المشكلات بسبب الدخان على مر العصور في مصر، جعل من الدخان بأنواعه قضية مثيرة للاهتمام ثقافياً وصناعياً وتجارياً في مصر، فكما له آثار سلبية بلا شك على الصحة، فإننا لا نستطيع أن ننكر الاستفادة الاقتصادية والصناعية منه في أوقات مختلفة، حتى أنه كان سبب في مواقف كثيرة من شخصيات عامة مصرية سواء بشكل داخلي أو على مستوى عالمي.

الكاتب: شيماء سامي

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

تسعة عشر + ثلاثة =