داوود عبد السيد

طبعًا لا خلاف على كون أفلام داوود عبد السيد تُعد أحد الأحجار الكبيرة جدًا في بناء مجد السينما المصرية، فتلك المكانة التي وصلت إليها السينما لم تأتي فقط لمجرد وجود نجوم بارعين وممثلين، بل كان هناك كذلك عدد من المخرجين المتميزين الذين قادوا عملية النهضة السينمائية إن جاز التعبير، وضمن هؤلاء يأتي داوود عبد السيد كواحد من الركائز الأساسية التي أسهمت في تقدم السينما لاحقًا ووضعها في مكانة مُختلفة رفقة جيله المتميز من المخرجين، بل ولا يزال داوود حتى الآن مستمرًا في هذه المهمة ويمتلك العديد من المشاريع المتميزة التي تقود إلى نفس الهدف، وهو صناعة مجد السينما المصرية، لكن كيف يا تُرى نجحت أفلام هذا الرجل في صناعة ما صنعته وما هي أشهر هذه الأفلام؟ الإجابة تأتيكم بالتفصيل في السطور القليلة المُقبلة، فهل أنتم مستعدون لاستكشاف هذا الرجل؟ حسنًا لنبدأ.

داوود عبد السيد والسينما

داوود عبد السيد داوود عبد السيد والسينما

في نوفمبر القابع في عام 1946 ولد داوود عبد السيد، ولم يكن الطفل داوود يُفكر على الإطلاق في أن يُصبح مخرجًا عندما يكبر، بل كانت أغلب أفكاره متركزة في الصحافة، لكن بعد الصدف قادته في عام 1967 إلى أن يجد نفسه خريج حديث للمعهد العالي للسينما، وقد انطلق بعدها في مجال الإخراج ليبدأ حياته في فيلم الأرض كمساعد مُخرج لعظيم هذا المجال يوسف شاهين، بعد ذلك عمل في فيلم الرجل الذي فقد ظله والكثير من الأفلام كمساعد مُخرج أيضًا إلى أن وجد أن الأمر لا يتناسب معه فقرر بداية طريقه من خلال المشاركة في مجموعة أفلام تسجيلية كرجل أول أو مخرج رئيسي إن جاز التعبير، وبالفعل خلال العمل بهذه الأفلام أثبت الرجل مهارته وتولى بعدها إخراج أول فيلم روائي طويل ليبدأ تدريجيًا في تشكيل جزء كبير من مجد السينما المصرية، فكيف حدث هذا الأمر يا تُرى؟ هذا هو السؤال الذي تأتيكم الإجابة عليه الآن.

كيف صنعت أفلام داوود عبد السيد مجد السينما؟

الآن نحن بكل تأكيد مُطالبون بالإجابة على السؤال الأهم الذي طرحناه في بداية هذا المقال والمُتعلق بكيفية صناعة أفلام داوود عبد السيد لجزء كبير من مجد صناعة السينما المصرية وجودتها، وبكل تأكيد هذا يقودنا كذلك إلى ذكر أسباب التميز التي جاءت كجزء كبير من هذا المجد، وأهم تلك الأسباب أو الطرق التي صنعت هذا المجد تمثيل الشرائح المُهمشة.

تمثيل الشرائح المهمشة

أول ما سيجعلك تقف أمام أفلام داوود عبد السيد بعين الدهشة أنك سترى أمرًا ربما ليس مُعتادًا في الكثير من الأفلام ولا يقوم به الكثير من المخرجين، وهو كون الشرائح المجتمعية بالكامل ستكون موجودة في أفلام هذا الرجل بما في ذلك الشرائح المهمشة، فمثلًا شريحة مثل شريحة العميان الذين فقدوا بصرهم قد تبدو بالنسبة للكثيرين شريحة عادية جدًا ولا تشغل الكثيرين، لكن عبد السيد قدم لها واحدة من أهم أفلام السينما المصرية، كذلك شريحة رجال الأعمال وشريحة الفقراء والمهمشين وكل من يُمكنهم الانضمام إلى الطبقات بمختلف أشكالها وتنوعها الكبير وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف منضمين إلى شرائح أفلام داوود عبد السيد ، وهذا نجاح وتميز لأفلام هذا الرجل بكل تأكيد لأنه لا يُمكن لأي مُخرج التفكير في هذا النوع من الشمل، بل ستجده غالبًا يُركز على فئة بعينها ويوجه لها كل أفلامه وليس مثل عبد السيد كل فيلم له يخاطب فئة مختلفة عن الفئة التي يُخاطبها فيلمه السابق.

الاستقاء من تجارب كبار المخرجين

على الرغم من أن أفلام داوود عبد السيد تُظهر بشكل جلي أننا أمام مخرج كبير ومتميز إلا أنه لا يُمكنك أبدًا التفكير في سن الرجل ومعرفة أنه ليس كبيرًا بهذا الشكل المُتخيل، بل إن جزء كبير من تميزه الظاهر في أفلامه أن كان يستقي ويتعلم من تجارب كبار المخرجين الآخرين وكان لا يُتابع هكذا بشكل عشوائي، صحيح أنه يمتلك بصمته الخاصة المميزة والتي تتضح منذ الوهلة الأولى لكن في نفس الوقت لا يُمكنك إغفال تميزه ومقارنته مع كبار المخرجين وعلى الجانب الآخر تعلمه منهم ومحاولة الاستقاء من تجاربهم، فالفيلم الذي تراه أمامك على الشاشة وتتخيل أنه أُخرج بواسطة محمد خان وعاطف الطيب سوف يكون بالنسبة لك فيلمًا رائعًا ومميزًا بكل تأكيد، وعبد السيد كان بارعًا في صناعة هذا الخليط الرائع البديع.

البحث خلف الحالات السينمائية المميزة

في الغالب يكون الفيلم عبارة عن قصة يتم حكايتها ويكون هناك بطلًا لهذه القصة، وهذا البطل يعيش معاناة من شكل ما أو يخوض صراعًا مع شيء ما، لكن هنا الأمور تختلف تمامًا، هنا في أفلام داوود عبد السيد الفيلم يعني حالة، وصناعة الفيلم بالنسبة له تعني البحث عن حالة مميزة تستحق فعلًا الحديث عنها ومنحها قدر معقول من الاهتمام، وهذا ما يقوم به الرجل بالفعل خلال أفلامه، وربما المثال الصارخ على ذلك فيلم الكيت كات الذي قام ببطولته محمود عبد العزيز وكان سببًا من أسباب رؤيتنا لهذا الرجل بشكل وصورة مختلفة تمامًا عن التي اعتدنا على رؤيته بها، فالرجل كان شخصًا مُهمشًا لكنه في ذات التوقيت كان حالة، عاشها المُشاهد وتأثر بها وجعل معاناتها الخاصة مُعاناته في نفس التوقيت.

تأني عبد السيد في صناعة أفلامه

بالنسبة للبعض فإن التأني وعدم العمل باستمرار قد يكون واحدة من العيوب الكبيرة، لكن بالنسبة لمجموعة أفلام داوود عبد السيد فإن فكرة التأني الذي يقوم به هذا الرجل ثبت أنها تُسهم في نهاية المطاف بخروج الفيلم بالشكل الأمثل الذي يليق به، فالرجل لا يصنع فيلمًا كل عام أو كل عامين، وإنما قد ينتظر لخمس أو عشر سنوات، وهذا لا يعني أنه خلال هذه الفترة يجلس في منزله مُنتظرًا لما سيحدث معه وهل سيُعرض عليه فيلم جديد أم لا، في الأساس هو يحظى بمشروع فيلم جديد كل فترة لكنه يتخير فقط ما يُناسبه أو ما يراه يستحق أن يكون من إخراجه، فالفكرة هنا ليست جمع الأموال بقدر ما هي صناعة تاريخ فني يستحق، على العموم، فترة انتظار داوود عبد السيد لا تكون انتظارًا كما قد يتضح بالنسبة للبعض، وإنما هي في الواقع تأتي في العمل، إذ أنه طوال تلك الفترة المذكورة يكون بالفعل منشغلًا بمشروع جديد، يُعطيه كل الوقت اللازم للتحضير.

المشاركة في تأليف أعماله السينمائية

مثل الكثير من المخرجين المميزين نجد أن أفلام داوود عبد السيد تتميز بشكل رئيسي بكونها أعمال يُشارك فيها المُخرج بعنصر الكتابة، فلا يخفى على أحد أن الكثير من المخرجين يُعاملون فكرة الإخراج هذه وكأنها مهنة عادية، هم ليس عليهم إلا الإمساك بالمشروع أو السيناريو ثم بعد ذلك البدء في إخراجه بأي طريقة كانت كنوع من العمل العادي، لكن في نفس الوقت نجد مجموعة من المخرجين المميزين يُعاملون الأمر بالشكل المثالي لها ويعتبرون الفيلم ابن لهم يجب أن يُشرفوا عليه منذ البداية ويتأكدوا من أنه يكبر أمام أعينهم ويكبر بالشكل المثالي أيضًا، وهو ما يؤدي إلى مشاركتهم في مراحل خروجه إلى النور بشكل كامل، حيث يُشاركون أولًا في عملية تأليفه ثم يُشاركون في إخراجه وتصويره كذلك إن كان ذلك ممكنًا، فالمشروع كما ذكرنا ليس مُجرد فيلم عادي يتم السعي لإخراجه وإنما شيء سيعيش للأبد، ولذلك يجب أن تُعطي له كل الاهتمام الممكن، وهذه هي النقطة التي ارتكز عليه داوود عبد السيد في تميزه واختلافه.

أهم أفلام داوود عبد السيد

داوود عبد السيد أهم أفلام داوود عبد السيد

الآن نأتي للجزئية المُتعلق بالدلائل على نجاح مشروع داوود عبد السيد وتحقيق كل هذا المقدار من النجاح، إذ أنه بكل تأكيد لا يُمكننا تفويت هذا الحديث دون ذكر أبرز أفلام هذا المُخرج والتي تُبين فعلًا مقدار العظمة والنجاح اللذان نتحدث عنهما، وعلى الرغم من قلة هذه الأفلام إلا أنها جاء على قدر كبير من الأهمية وكان أبرزها فيلم الكيت كات الصادر عام 1991 وقام ببطولته محمود عبد العزيز وتم اعتباره نقلة حقيقية في عالم التمثيل بالنسبة لمحمود عبد العزيز، وكذلك فيلم مواطن ومخبر وحرامي الذي صدر عام 2001 وحقق نجاحًا كبيرًا بالإضافة إلى فيلم أرض الخوف الصادر عام 2000 من بطولة أحمد ذكي وأيضًا رسائل البحر الصادر في عام 2010، فكل هذه الأفلام المذكورة إذا ما تتبعناها بالشكل الصحيح فسنجد أنها تُبرز إلى حدٍ كبير موهبة هذا الرجل وتُبين لنا مكانته الحقيقية كأحد أهم صناع السينما في العصر الحديث.

ختامًا عزيزي القارئ، لا يُمكن طبعًا تصور تواجد السينما المصرية دون أن يكون هذا الرجل الذي تحدثنا عنه في السطور الماضية والأعمال التي قدمها جزء أصيل من تلك السينما، فالرجل لا يُمكن وصفه أبدًا بأنه مُجرد مُساهم، وإنما هو ركن من أركان بناء هذا الصرح الكبير، لست مُقتنعًا بذلك؟ حسنًا اذهب إلى أفلامه وشاهدها مُجددًا وستفهم ذلك.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

خمسة + ثلاثة =