داء السرطان

لم يشهد العالم داءً أكثر رعبًا وأشد فتكًا بجسم الإنسان مثل داء السرطان بجميع أنواعه. وتكمن خطورة هذا المرض في تعدد أنواعه وعدم وجود علاجات حاسمة للقضاء عليه بشكل دائم، كما أن بعض الأخصائيين يصفونه بأنه مرض مراوغ. والسرطان هو مجموعة من الأمراض ذات خلايا بالغة العدوانية، حيث تتميز هذه الخلايا بالانقسام والنمو الخلوي غير المحدود، ولهذه الخلايا قدرة فائقة على غزو ما يجاورها من أنسجة ومن ثم تدميرها، ومن هذه الخلايا ما تفوق قدراته مجرد تدمير الأنسجة المجاورة، حيث يتجاوز ذلك إلى الانتقال إلى أنسجة بعيدة، وهو ما يكون في الأورام الخبيثة، أما في الأورام الحميدة، لا يكون لدى الخلايا السرطانية قدرة على غزو الأنسجة أو الانتقال إلى أنسجة بعيدة، وفي بعض الأحيان، يتطور الورم الحميد إلى ورم خبيث، ويستطيع هذا المرض إصابة جميع الأعضاء في الجسم وإتلافها. وهناك من المتخصصين من يصف داء السرطان بأنه نمو غير طبيعي للأنسجة بشكل لا يمكن التحكم فيه أو السيطرة عليه. ويمكن أن يصيب داء السرطان الإنسان في جميع المراحل العمرية، ولكن يزداد احتمال الإصابة به كلما تقدم الإنسان في العمر.

داء السرطان : مرض العصر الخطير ليس حديثًا

1السرطان ليس مرضًا حديثًا

ربما كنت تظن قبل قراءتك لهذا المقال أن داء السرطان من الأمراض التي لم تظهر إلا مؤخرًا، ولكن في الحقيقة يعد داء السرطان من الأمراض المعروفة منذ قديم الأزل، بل يمكننا القول بأن ظهوره يرجع إلى آلاف السنين، حيث أشار عدد من الأطباء القدامى إليه في مدوناتهم ومصنفاتهم الطبية، ومن بين هؤلاء الأطباء، الذين قدموا إشارات مبكرة للسرطان في مؤلفاتهم، الطبيب أبقراط، المتوفى عام 370 قبل الميلاد، وهو طبيب يوناني كان ذا شأن عظيم في الطب، حتى أنه لُقّب بأبو الطب، ووصف بأنه أعظم أطباء عصره، وهو أول مدون في الطب، كما إنه يعد العالم الأقدم الذي نقى الطب من ظلمات الفلسفة، والخرافات، والطقوس السحرية، وقد أشار أبقراط إلى عدد من الأمراض السرطانية في مدوناته، واصفًا إياها بكلمة (كارسينوس)، وهي كلمة يونانية تعني سرطان البحر، وذلك بعد معاينته لورم خبيث كان قد توغل في جسم المريض.

2الطبيب اليوناني سيلسوس

ويعد الطبيب اليوناني سيلسوس، المتوفي عام 50 ميلادية، من بين الأطباء القدامى الذين كانت لهم إشارات إلى داء السرطان ، حيث ذكر بعض الأمراض التي أشار إليها باسم كارسينوس، وترجمتها السلطعون.

3الطبيب والفيلسوف اليوناني جالينوس

وكذلك الطبيب والفيلسوف اليوناني جالينوس، المتوفي عام 200 ميلادية، كانت له إشارات لداء السرطان، وذكر عددًا من الأورام الحميدة، والتي أطلق عليها اسم أونكوس، بينما بقي مصطلح أبقراط (كارسينوس) وصفًا للأورام السرطانية الخبيثة، ولكن جالينوس أضاف للمصطلح اللاحقة (أوما)، ليصبح اسم السرطان كارسينوس أوما.

وهكذا كان داء السرطان من الأمراض التي ظهرت وفتكت بجسم الإنسان حتى من قبل التاريخ الميلادي. وقد تم اكتشاف برديات، ترجع إلى الحضارة المصرية القديمة، والتي تشير إلى قرح في الثدي كان يتم معالجتها بالكي، مما يعد أقدم طريقة لعلاجه، إلا أن الكتابات المصرية القديمة التي تم اكتشافها كانت تصف في أغلبها هذا المرض بأنه لا علاج له.

4السرطان مرض منذ القدم

ومن المؤرخين لهذا المرض من يعزوه إلى ما قبل ذلك بآلاف السنين، حيث يزعم بعض المتخصصين والباحثين في تاريخ ظهور هذا المرض أن داء السرطان كان له وجود في الدينوصورات التي تواجدت على الأرض منذ آلاف السنين، فبحسب الداعمين لهذا الرأي، تم اكتشاف بعض حفريات الدينوصورات التي تشير إلى إصابتها بورم ضخم في المخ، نتجت عنه اختلالات في العمليات الحيوية لدى هذه المخلوقات الهائلة، مما أثر في اتزانها، ومن ثم تعرضها لإصابات بالغة، وهو ما كشفت عنه تلك الحفريات التي تظهر تعرض الدينوصورات لجروح وكسور هائلة. وقد سافرت بعثة علمية بحثية من جامعة أوهايو، ضمت عددًا من المتخصصين في الحفريات، وعلى رأسهم الدكتور روتشيلد، إلى شمال أمريكا، وقد حملوا معهم جهازًا للمسح بأشعة إكس، وذلك لإجراء اختبارات ومسوحات لأكثر من 10000 فقرة ظهرية تعود إلى أكثر من سبعمائة عينة من حفريات الدينوصورات الموجودة في المتاحف هناك، وبالفعل اكتشف الفريق البحثي تسعة وعشرون ورمًا عظميًا في سبعة وتسعون عينة من دينوصورات هيدروسوراس، وهى من الأنواع الآكلة للعشب، وبالتالي فإن داء السرطان قد عانت منه تلك المخلوقات الهائلة التي كانت تعيش قبلنا على الأرض، مما يعنى أن هذا الداء متأصل وبالغ القدم، كما أن لديه قدرات تدميرية تمكنه من الفتك بأكثر الحيوانات ضخامة وقوة على وجه الأرض.

5اكتشافات روتشيلد وفريقه البحثي

وقد كانت اكتشافات روتشيلد وفريقه البحثي سببًا في دحض النظريات الجامحة التي شاعت عن سبب انقراض تلك الدينوصورات قديمًا، ومنها، على سبيل المثال، عزو انقراض تلك المخلوقات الهائلة إلى تعرض الأرض لزخة كثيفة من الشهب والنيازك التي فتكت بتلك المخلوقات وأنهت وجودها على سطح المعمورة، ومنها ما يعزوا انقراضها إلى تعرض الأرض إلى إشعاعات هائلة من الفضاء، والتي كانت سببًا في هلاك جميع أنواع الدينوصورات وفنائها، ولكن هذه النظريات لم تعد بنفس الرواج الذي كانت عليه في السابق، لا سيما عندما اكتشف روتشيلد وفريقه أن معدل الإصابة بالأورام السرطانية لدى العينات، التي أجرى عليها دراسته ومسوحاته، لم يختلف منذ آلاف السنين عن معدل الإصابة بداء السرطان الآن.

6نشوء مرض السرطان

ويرجع تحول خلايا الجسم السليمة إلى خلايا انقسامية سرطانية إلى حدوث بعض التغيرات في الجسم، وبالتحديد في الموروثات الجينية، وذلك بعد تعرضها لبعض العوامل والمواد المسرطنة، على سبيل المثال: التعرض بشكل مكثف للأشعة الضارة، والتدخين، والمواد الكيميائية المسرطنة، وهي المواد المشعة أو ذات النويات المشعة، والتي لديها قدرةً على تدمير الحمض النووي في جسم الإنسان أو إحداث خلل في عملية التمثيل الغذائي الخلوي، ومن بين هذه المواد، الإسبستوس الذي يتم استخدامه في مواد البناء، وبعض أنواع الديوكسينات، ودخان التبغ، ومن بين هذه المواد. أيضًا، مركبات الأفلاتوكسن، وهي سموم طبيعية فطرية مسببة لداء السرطان، يتم استخراجها من فطر الرشاشيات، وهو نوع من الفطريات التي تنمو على الحبوب المخزنة مثل الفول السوداني والجوز، وكذلك من ضمن العوامل المسببة لداء السرطان، تناول المشروبات الكحولية، فقد شنت وزارة الصحة الفرنسية حملةً كبيرةً ضد المشروبات الكحولية بوصفها من بين أسوأ مسببات داء السرطان ، كما أشارت دراسة ألمانية صحية إلى وجود علاقة وثيقة بين إدمان الكحوليات والإصابة بداء السرطان، وقد أيدت الهيئة الألمانية لمكافحة الإدمان هذه الدراسة ونشرتها بشكل رسمي في وسائل الإعلام التوعوي الخاصة بها، وكانت الدراسة قد أشارت إلى أن شرب خمسين جرامًا من المواد الكحولية يوميًا كفيل بالتسبب في الإصابة بسرطان الحلق والمرئ، ويعد وجود تاريخ عائلي مرضى بالإصابة بداء السرطان أحد العوامل التي تزيد من احتمالات الإصابة بداء السرطان، ذلك بالإضافة إلى الإصابة بالأوبئة، والفيروسات، والبكتريا، والأمراض التي تلعب الفيروسات فيها دورًا رئيسيًا، على سبيل المثال، التهاب الكبد الوبائي إيه أو سي.

ومن خلال ما سبق، يتبن لنا أن داء السرطان لم يكن مرضًا ابتليت به البشرية حديثًا، بل يرجع تاريخ ظهوره إلى ما قبل التاريخ، ولعل قدم هذا المرض هو السبب في اختلاف أنواعه واختلافها. وقد قطعت البشرية أشواطًا هائلة في طريق إيجاد العلاجات الحاسمة لهذا المرض العضال، إلا أن معظم المصابين بداء السرطان في العالم ليس لديهم وصولاً كافيًا لهذه العلاجات أو القدرة على تحمل تكاليفها الباهظة.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

3 × 5 =