حنبعل

يقولون إن أفضل طريقة لدراسة الواقع وتوقع المستقبل هو دراسة الماضي، فالصراع الدامي بين حنبعل الملك القرطاجي التونسي وروما شغل حيزا كبيرا من صفحات التاريخ وأعطى مثالا قويا في الكرامة وتحدي القوة الغاشمة بالشجاعة وحب الوطن. رحلتنا اليوم إلى الماضي السحيق إلى ما قبل الميلاد، الدولة الرومانية العظمى أعظم ممالك عصرها وأكثرها تأثيرا في الحضارة والمعمار الأوروبي الحالي، حتى الدولة الرومانية ذاتها لم تأتي من فراغ إنما قامت بعد التعلم من ماضي من سبقوها ولذلك استمرت لما يقارب 15 قرن؛ بدولتيها المنقسمتين إلى الإمبراطورية الرومانية الغربية من 27 قبل الميلاد حتى 476 ميلاديا والإمبراطورية الرومانية الشرقية (البيزنطية) التي انشقت عن الإمبراطورية الغربية من العام 330 ميلاديا واستمرت حتى احتلال العثمانيين في العام 1453. الغريب في تلك القصة أن حنبعل نال كل ذلك الاحترام والتقدير في حين أنه لم يستطيع دخول روما أبدا، لكن ما فعله كان لا يقل عن اقتحام روما لذلك فصفحات التاريخ خلدت أسمه كرجل ذكي وشجاع من القلائل الذين عرفتهم البشرية، وحين نتحدث عن التكريم فلا يمكننا أن نجد تكريما أكبر من أن عدوته روما قامت بتكريمه ببناء تمثال له ماثل إلى اليوم، ليس الأمر تكريما على الإنجازات بالطبع أنما للشرف العسكري ولأن إيقاف قائد عسكري بحجم حنبعل كان شرفا لروما نفسها عليها أن تتباهى به.

كيف كان الصراع الدامي بين الشرق والغربيين في العالم القديم؟

حنبعل كيف كان الصراع الدامي بين الشرق والغربيين في العالم القديم؟

للشرق والغرب صراعات كبرى منذ وجود الحضارات البشرية، فالحرب بين قرطاجة وروما ليست أول مثال والقائد حنبعل ليس أول من قاد حروبا ضد روما، قبل ذلك كان بين الشرق والغرب ما صنعه الحداد خاصة بين الرومان والفرس، نشئ الصراع مبكرا وبدأ الأمر حينما احتل كورش الكبير- أول ملوك الفرس – مدينة أيونية الإغريقية في العام 547 قبل الميلاد، بعدها هبت المدن الإغريقية لطرد التواجد الفارسي تمام، استمرت المناوشات بينهما كثيرا ما بين احتلال فارسي لأحد المدن والرد من الإغريق باحتلال مكان آخر وهكذا دامت الحرب لأكثر من 50 عام حتى تنتهي في العام 449 قبل الميلاد بمحض اتفاق لعقد السلام بين فارس وأثينا.

بعدها بالعديد من السنوات أتى الإسكندر الأكبر وكان أول قائد غربي أخذ على عاتقه تحطيم الدولة الفارسية وكسر شوكتها، بالطبع لم ينسى ما فعلوه الفرس في قومه خصوصا إنهم احتلوا موطنه مقدونيا في وقت ما قبل ميلاده، قطع الإسكندر وعد على نفسه بأن يقتل بيده الشاه دارا الثالث ملك الفرس، حتى أنه قتل مساعد الشاه دارا منتقما منه لأنه أضاع عليه الفرصة حينما قتل سيده. بعد الوفاة الغريبة للإسكندر تولى مساعدوه حكم مناطق النفوذ للإمبراطورية التي أسسها الإسكندر وقسموا الإمبراطورية إلى أربع ممالك، البطلمية في مصر بقيادة بطليموس، والدولة السلوقية في الشرق والدولة المقدونية في الشمال وبجانبها دولة البركامون في الأناضول.

كيف نشئت روما؟ وكيف كان نظام الحكم فيها؟

تاريخيا يعود أصول أهل روما إلى قبل شرق أوروبية هاجرت إلى روما تقريبا في العام 1200 قبل الميلاد وقاموا بتأسيس مدينة روما القديمة وقاموا بتأسيس نظام اجتماعي وعسكري وثقافي مميز قادهم فيما بعد للتوسع والسيطرة على شبه الجزيرة الإيطالية ومن ثم التوسع شمالا وجنوبا وشرقا وغربا للسيطرة على المساحات الشاسعة التي امتلكتها الإمبراطورية الرومانية حتى انتهائها؛ سواء الغربية أو الشرقية البيزنطية. وبذلك تعد الدولة الرومانية بمختلف مراحلها المثال الأول المتماسك للدولة الإمبريالية الاستعمارية التي استطاعت حكم شعوبا أخرى واستغلال ثرواتها بالقوة.

أما عن أصل روما أو إنشائها، فلا يوجد وثائق تاريخية تثبت كيف تأسست روما، بدلا من ذلك يوجد أسطورة مشهورة تقول أن مؤسسي روما كان لأخوين توأم هما رومولوس وريموس؛ تقول الأسطورة بأن أمهما الكاهنة ريا سيلفيا التي كانت أميرة فيما مضى حملت بطفلين وهما رومولوس وريموس رغم كونها عذراء وقيل أن الأب كان الإله مارس اله الحرب، وخوفا على الطفلين من القتل من قبل عمها الملك إميليوس، بطريقة ما تم تهريب الطفلين ووضعا في سلة ووضعا في نهر التيبر واستقبلتهم ذئبة وأرضعتهم حتى أخذهم راعي بسيط ورباهم حتى أشتد عودهما وعادا لمحاربة إميليوس وقاموا بتأسيس المدينة.

قامت الدولة الرومانية الغربية أو ما عرف بالإمبراطورية الرومانية على أنقاض الجمهورية الرومانية لروما القديمة في العام 27 قبل الميلاد، بعد وفاة يوليوس قيصر بسنوات قليلة وانتهاء النظام الديمقراطي الثنائي للحكم. استمرت الإمبراطورية الرومانية لما يقارب 500 عام حكمت فيها بالحديد والنار كل المساحات الشاسعة التي فتحها القادة السابقون، وبعض المؤرخين يعتبر أن الحكم الفعلي للإمبراطورية الرومانية بدء مع عصر يوليوس قيصر لأنه استبدال النظام الثنائي في الحكم ليصبح ديكتاتورا؛ الديكتاتور عند الرومان هي لفظة تصف الحاكم الذي يحكم بمفرده دون شريك ثاني كما جرت العادة في الجمهورية وكان الرومان يلجئون لذلك النظام في الحروب و عصور الملمات الكبرى التي كانت تصيب روما خصوصا مع احتمالية وجود حصار أو غزو خارجي وكان الديكتاتور عادة ما يكون حاكم عسكري أو قائد الجيوش في أغلب الوقت، وكان النظام الثنائي الديموقراطي يعود ثانية بعد انتهاء الأزمة. وكما هو معروف فأن نهاية الحكم الثنائي وبداية الإمبراطورية الفعلية كانت بين أوكتافيوس وأنطونيوس والتي انتهت بعد هزيمة أنطونيوس في معركة أكتيوم وموت أنطونيوس وحبيبته كليوباترا أخر ملوك البطالمة في مصر.

كيف نشئت قرطاجة؟

حنبعل كيف نشئت قرطاجة؟

إذا كانت روما تترقب فارس من الشرق ففي الجنوب الساحلي كان يقابلهم الإمبراطورية القرطاجية العظيمة، تقع قرطاجة حاليا على الساحل الشمالي الشرقي لدولة تونس الآن وتبعد عن العاصمة حوالي 15 كيلومتر. حكمت الإمبراطورية القرطاجية أغلب مساحات شمال أفريقيا باستثناء مصر وبايعها على الحكم حوالي 300 مدينة في شمال أفريقيا فقط، إضافة إلى الكثير من الأراضي في الساحل الجنوبي لأوروبا؛ مثل جنوب فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال حاليا وذلك في فترات زمنية مختلفة. كانوا القرطاجيين أهل فن وثقافة إضافة إلى قدرتهم الفائقة في ركوب البحر والذي مكنهم من القيم بالكثير من الرحالات البحرية التي اكتشفوا فيها أماكن جديدة ضموها إلى إمبراطوريتهم. وتتحدر أصولهم البونية من الفنيقيين الأوائل الذين سكنوا الساحل الشرقي من المتوسط؛ متمثل في ساحل لبنان وفلسطين وسوريا حاليا.

النظام السياسي في قرطاجة مر بالكثير من التغيرات، باكرا بدء النظام ملكيا مطلقا ولكن سرعان ما انتهى لتحل محله الملكية الجزئية التي كانت تقوم بالانتخاب، ضعفت الملكية الجزئية حوالي عام 400 قبل الميلاد ليحل محلها نظام الانتخاب الديموقراطي الكامل مثلما كانت روما ومن قبلها المدن الإغريقية؛ وفي ذلك النظام كان الحكم بين 3 مجالس وهم مجلس الشيوخ ومجلس الحكماء ومجلس الشعب بالإضافة إلى الجمعيات المستقلة وبهذا نجد أن قرطاجة كانت من أوائل نظم الحكم الشعبية المتقدمة والتي مارست الديموقراطية دون مساومة وهذا كان نادرا في ذلك الزمان بالطبع.

كيف خسرت قرطاجة الحرب البونية الأولى؟ وكيف أرعب حنبعل روما في الحرب الثانية؟

حنبعل أو هاني بعل كان قائدا قرطاجيا من أعظم القادة العسكريين على مر التاريخ، ولد في قرطاجة في السنوات الأخيرة للحرب البونية الأولى، والذي كان أبوه امليكار برقا قائدا عسكريا بارزا فيها ساعد قرطاجة على إنهاك الدولة الرومانية وتحقيق نصر كبير عليهم في جزيرة صقلية، لكن كيف بدأت الحرب البونية الأولى؟!

الحرب البونية الأولى وأحلام التوسع

حنبعل الحرب البونية الأولى وأحلام التوسع

بدأت الحرب البونية الأولى استجابة لنداء حكام مدينة مسينا في جزيرة صقلية وهم الماميرتين لنصرتهم على الهجوم الذي قام به حاكم مدينة سيراقوسة هييرون الثاني، خلال ذلك الوقت قام الماميرتين بمناورة رائعة حيث استعانا بكلا من القرطاجيين والرومان، ولما تأخر مجلس روما في المشورة والرد، استغلت قرطاجة الفرصة لتهبط على الأراضي الصقلية وتحجز موضع قدم لها هناك تمهيدا لحكمها تحت سيادتها. الغريب في الأمر أن القرطاجيين بدلا من نجدة أهل مسينا انضموا إلى سيراقوس معتقدين برجاحة كفة هييرون الثاني في الصراع، في نفس الوقت بعثت روما بجيوشها لنصرة مسينا ليس لشيء إنما الحفاظ على شكلها السيادي وعدم السماح لإمبراطوريات أخرى بالسيطرة على أراضي استراتيجية في نطاق حدودها، تطورت الأمور وبعد هزيمة أولى للرومان، عادوا مرة أخرى محطمين كل ما في طريقهم الشيء الذي دعا هييرون إلى نقد التحالف مع قرطاجة لينضم للرومان، توالت المعارك بين روما وحلفائها وبين قرطاجة، توالى النصر والهزيمة في المعارك المختلف لكلا من الأطراف في تلك الحرب الشعواء التي استمرت زهاء 23 سنة.

واستمرت الحرب هكذا بلا حسم واضح حتى قدم القائد امليكار برقا أبو بطلنا حنبعل ودمر دفاعات أكثر من مدينة رومانية في الأراضي الصقلية، ولحنكته العسكرية الكبيرة ارتاد استراتيجية قتال الغوريلا أو حرب العصابات لأنه علم أن الدفاعات الرومانية أقوى من أن تحطمها قوات جيوش نظامية، أوقعت الطريقة التي اتبعها امليكار المصائب بروما في صقلية وكلفتهم الكثير في أسلوب حرب استنزاف للموارد والبنى التحتية، وتمكن القرطاجيين من التحكم في مواقع استراتيجية مهمة وكادوا ينهون الحرب ويتملكون بالكامل من صقلية لولا قرار القيادة السياسية الغريب بسحب القوات البحرية والأسطول الصقلي لمجابهة خطر محدق من قبل نوميديا؛ وهي دولة مجاورة في جنوب غرب قرطاج وقريبة من امتداد الساحل المغربي، استغل الرومان الفرصة وأعدوا جيوشهم وضربوا ما تبقى من القوات القرطاجية قليلة العدد داخل صقلية ليوقعوا هزيمة نكراء بهم لم تسعفها أي محاولات لإعادة السيطرة وانتهت الحرب بعد ذلك بقبول قرطاجة الاستسلام غير المشروط والمذل والتنازل نهائيا عن أي أراضي داخل صقلية، وأيضا التكفل بدفع غرامة مالية قدرها 320 وزنة تقدم لروما بشكل سنوي لمدة 20 سنة، وأيضا تسليم كل الرهائن إلى روما بدون أي شروط طبقا لبنود معاهدة قاتولوس.

التاريخ يعيد نفسه

حنبعل التاريخ يعيد نفسه

انتهت الحرب البونية الأولى بنتائج مذلة لقرطاجة، والجدير بالملاحظة هنا أن ما حدث في الحرب البونية الثانية هو خير دليل على مقولة “التاريخ يعيد نفسه” برؤية بسيطة لقارئي التاريخ يتبين أن ما حدث في الحربين البونيتين حدث تماما في الحربين العالميتين في مطلع ومنتصف القرن الماضي، لكن كيف ذلك؟

وقائع الحدثين يتشابهان في الكثير من الحيثيات، فنجد في الحرب البونية أن قرطاجة هبت لنصرة مسينا في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، في الحرب العالمية الأولى هبت ألمانيا كقوة عظمى لنصرة مملكة النمسا-المجر، بعد هجوم الأخيرة على صربيا بعد مقتل ولي عهدها الأرشيدوق فرانز فرديناند، مما استدعى وجود روسيا كقوة عالمية موازية ومن ثم انقسم الأمر لدول الحلفاء ضد دول المركز. الدوافع هي ذاتها أيضا، قرطاجة دخلت الحرب لأغراض إمبريالية توسعية للسيطرة على مزيد من الأراضي، كذلك ألمانيا دخلت الحرب للتوسع في أوروبا واستعادة أراضي لها وإعلان نفسها كقوة عظمى، وكلاهما تستر خلف نصرة حليف ضعيف. النهاية كانت مذلة لألمانيا وتم نزع سيادتها عن الأراضي التي احتلتها، وتحديد جيشها ب 100 ألف جندي بدون تجنيد إجباري وأيضا إلزامها بدفع تعويضات تصل إلى 24 مليون جنيه إسترليني تعويضا للخسائر التي تكبدها الحلفاء بما أنها هي من تحمل خطأ بدأ الحرب وأدت تلك الشروط المجحفة إلى إذلال ألمانيا وتهميش سياسييها وتدمير اقتصادها، وذلك يشبه لحد كبير ما حدث للقرطاجيين بعد الحرب البونية الأولى طبقا لبنود معاهدة قاتولوس، لم ينتهي الأمر هنا، فنفس ما حدث في قرطاجة بعد الحرب الأولى حدث في ألمانيا بصورة عجيبة.

حنبعل والحرب البونية الثانية

حنبعل حنبعل والحرب البونية الثانية

انتهاء الحرب الأولى بنتائج مخيبة للآمال ومخزية لقرطاجة لم يكن في صالح الدولتين بتاتا، فكما هب الصوت القومي الألماني رافضا الاستسلام وداعيا لكسر إذلال معاهدة فرساي واستعادة مجد ألمانيا عن طريق أولادها متمثلون في الحزب النازي وزعيمهم أدولف هتلر، بمقاربة تاريخية عجيبة نجد أن قرطاجة هبت أيضا لرفض الاستسلام والإذعان للذل والمهانة الذي فرض عليهم في معاهدة قاتولوس، وكما بدأت الحرب العالمية الثانية باستفزاز من هتلر والقيام باحتلال بولندا وإعلان الحلفاء نقض بنود الاتفاقية ومن ثم إعلان الحرب. قام هانيبال بمهاجمة أيبريا لينقض بذلك المعاهدة مع روما وتعلن روما الحرب.

بدأت الحرب عندما قام حنبعل القائد المحنك لجيوش قرطاجة بعبور البحر المتوسط ومحاصرة مدينة ساغونتو في أيبريا؛ وهي ما عرف لاحقا بالأندلس في الثقافة الإسلامية. كان الحصار أساسا لمقتل بعض رجال قرطاجة هناك، أستمر الحصار طويلا حتى تمكن حنبعل اقتحامها أخيرا ومن ثم هبت روما لإعلان الحرب ومجابهة حنبعل. سار حنبعل بجيوشه الجرارة التي فاقت 100 ألف جندي بالإضافة إلى عشرات الأفيال الأفريقية التي دربت جيدا للحرب قاطعا التقدم داخليا للسيطرة على كل ما يأتي في طريقه، ناور الرومان في عدة مواقف، وتجنب كثيرا استنزاف جيشه في معارك صغيرة مع حلفاء روما، فكان يتجنب اتخاذ طريق به حلفاء من الصعب هزيمتهم وبدلا من ذلك كان يذهب لتكوين حلف مع الغاليين وأعداء روما من القبائل الجرمانية المحيطة بروما والأعداء التاريخيين لهم.

وأستمر بجيوشه الجرارة إلى أن وصل إلى جبال الألب. بعد تجنب الدخول في المعارك الجانبية بإتباع طرق بعيدة واصل بعدها التقدم لحلفائه الغاليين وباقي قبائل الغال المتمردة في شمال إيطاليا مستغلا قوته العسكرية لكسب الحلفاء وضعف دور روما خلال الحرب، عبر حنبعل جبال الألب مع قواته وأفياله خلال فصل الشتاء الثقيل متغلبا على الطقس والظروف في معجزة عسكرية نادرة التكرار لدرجة أن روما تفاجئت من التوقيت المثالي الذي عبر فيه حنبعل جبال الألب. إلى هنا كانت الحرب غير محسومة تماما وبدلا من البحث عن حنبعل الذي اختفى من الطرق المعروفة لديهم ذهبت الجيوش الرومانية للمناوشات مع القوات التي تركها حنبعل، ومرة بعد أخرى استطاع الرومان السيطرة على أراضي احتلها حنبعل في طريقه وهزيمة القوات التي تركها خلفه، وقام الرومان بحنكة السياسيين بفتح جبهة أخرى لقتال القرطاجيين ضد جيرانهم الأعداء أهل مملكة نوميديا، أقنع الرومان ملك نوميديا الغربية صفاقس بالهجوم على حلفاء قرطاجة في نوميديا الشرقية، وهو ما أجبر القوات القرطاجية في أيبريا على الرجوع لمجابهة العدوان.

هزم حنبعل الرومان في أكثر من معركة بفضل مناوراته العسكرية الماهرة وأسلوب الكمائن وعزز قوات حلفائه وأنقذهم من إمداد روما لقواتها ضد حلفائه. أغرى القرطاجيين روما بالانتصار في معارك بسيطة تدفعهم للتقدم نحوه ومواجهته في معركة ضخمة، خلال ذلك هزمهم حنبعل في معارك أخرى تالية وأوقعهم في شراك الكثير من الكمائن العسكرية الذكية مستغلا ذكائه الحربي والتكتيكي وأيضا بالحصار الخلفي التي كان تقوده القوات الخلفية التي خلفها حنبعل والتي كانت تحصر جيوش الرومان كالكماشة، بعد تثبيت حنبعل لحكمه في الشمال زحف إلى الوسط استعداد لغزو روما، هب مجلس شيوخ روما وأرسل جيوشه في ثلاث جهات لتأمين روما تماما ضد قوات حنبعل، وبالرغم من إنهاك جيوش حنبعل نتيجة لإتباعه طرق بعيدة وغير محمية ألا أنه وصل للوسط كما أراد وتواجه مع التيار الروماني الأول من الجيوش، لجأ حنبعل لاستراتيجية الأرض المحروقة وقام بتخريب المنطقة التي من المفترض على الجيش الأول أن يحميها، لكن هذا لم يكن كافيا.

لجأ حنبعل وقتها لاستخدام عقليته العسكرية الفذة وقام بخداع التيار الأول من الجيوش عن طريق التقدم لميسرة الجيش لقطع الطريق بينه وبين روما، استفز حنبعل بذلك القائد الروماني فلامينيوس قائد ذلك الجيش مما دفعه للوقوع في شراك حنبعل والتقدم نحو جيشه بدون أي دراسة لطبيعة الأرض في تلك الجهة أو إرسال طليعة لمعرفة ماذا ينتظرهم، ما كان ينتظرهم بالطبع كان كمينا أعده حنبعل عند مضيق جبلي ونجح حنبعل بإنهاء الجيش كله تقريبا مع قائده وانتصر في تلك المعركة المهمة وهي معركة بحيرة تراسمانيا، ومن تبقى من الجيش طاردتهم القبائل القرطاجية المحاصرة وأجبرتهم على الاستسلام. كانت الأمور إلى هنا في صالح حنبعل إلى أن قرر القرار الخاطئ الذي قد يكون سبب كبير لخسارته الحرب، وهو عدم الإذعان لقادة جيوشه والذهاب مباشرة إلى روما وتفضيل الذهاب جنوبا لكسب المزيد من الحلفاء مخلفا روما ورائه.

بعد وصول أخبار المعركة لروما سكن الرعب فيها خوفا من اجتياح شرقي على يد ذلك القائد المحنك، كان الرومان في أشد خوفهم من نجاح حملة حنبعل في الوصول لروما لذلك استدرجوه لاستراتيجية فابيان؛ وهي استراتيجية عسكرية تفرض على العدو حرب استنزاف من خلال حروب العصابات والعمليات الخاصة وقطع طرق الإمداد لتجنب الحروب الكبرى، وتستخدمها الجيوش عادة لعدم قدرتها على التعامل مع قوات العدو بشكل مباشر ولعدم وجود إمكانية عسكرية أو خطة مناسبة لبدء الحرب، وكانت الاستراتيجية تعتمد في الأساس على تعقب جيوش حنبعل من الخلف واستفزازها بالأعمال السلبية الاستنزافية. وهذا يوضح بشدة تفوق حنبعل الكبير في استراتيجيات الهجوم والمناورة، وانقلاب الصورة واتباع الرومان أنفسهم أسلوب حنبعل المناور في تجنب التورط في معارك قد تضر جيوشهم.

استمرت الاستراتيجية في العمل حتى أوقعت جيوش حنبعل الجيش الروماني في كمين آخر وكادت تفتك بجيشهم لولا نجاتهم بسبب التفوق العددي والإمداد. تزايد السخط في نفس الوقت جراء استخدام استراتيجية فابيان وعدم وجود جدوى منها، وازدادت الانتقادات للقائد الروماني فابيوس ماكسيموس صاحب الاستراتيجية وقائد الجيوش، في نفس الوقت استمر حنبعل في الزحف حتى وصل جنوبا وسد طريق الإمداد الغذائي لهم مما أجبر مجلس شيوخ روما على إرسال جيش روماني تحت قيادة جديدة، وتمكن الداهية القرطاجي حنبعل في تلك المعركة أيضا إيقاعهم في شراكه عن طريق استراتيجية الكماشة والذي قضى من خلالها على أغلب الجيش الروماني في معركة كاناي.

كون حنبعل الكثير من الحلفاء في الجنوب ولم يتبقى إلا مهاجمة روما لكن قلقه وحساباته الكثيرة وخوفه من عدم صمود جيشه دفعه للانتظار طويلا حتى أعادت روما بناء جيشها بقوة أكبر من السابق، واستمرت سنون الحرب السبعة عشر في معارك هنا وهناك، استمر حنبعل في إيطاليا يحارب ويحتل المدن بينما كانت قوات قرطاجة تمنى بالخسائر في الجنوب وفي صقلية وكذلك في الأندلس. عاد حينها حنبعل بعد استدعاء مجلس الحرب له في قرطاجة لضرورة نجدة قرطاجة من حروب الجنوب كما تم استدعاء والده، وكان حنبعل على وشك عقد هدنة سلام مع القائد الروماني سكيبو الأفريقي ولكنها بائت بالفشل ليصلوا إلى المعركة الأخيرة معركة زاما.

كان للرومان تفوقا عدديا في سلاح الفرسان والقرطاجيين في المشاة، ولكن المشاكل بدئت حينما اختلف حنبعل مع مجلس الحكم في قرطاجة حول وجود الكثير من عناصر جيشه في قرطاج حديثة الانضمام للقتال وأيضا بجانبهم مرتزقة، رفض حنبعل قيادة ذلك الجيش لعلمه بقدرته على مواجهة الرومان، خصوصا مع التسليح الجيد للرومان على جيشه، اضطر في الأخير إلى الموافقة، وحدثت مناورات بعد فرار سلاح فرسان قرطاجة بعد استثارة الأفيال عليهم، ولكن النصر كان قريبا للغاية من حنبعل، ألا أن صمود قوات روما وعودة باقي قوات الفرسان الرومان بعد مطاردة فرسان قرطاجة، وهو ما جعل جيوش قرطاجة محاصرة ومن ثم دمرتها الجيوش الرومانية وبهذا انتهت الحرب البونية الثانية وانتهى الثأر الذي قاده حنبعل لسنوات. قامت قرطاجة بعقد سلام مع روما وفقدت بعض أراضيها مقابل ما فعلت.

في الأخير فواجب القول أن العظمة العسكرية التي حصل عليها حنبعل وتخليد أسمه في التاريخ كان مستحقا بكل المقاييس، ربما لما يستطع حنبعل اقتحام روما؛ الشيء الذي كان سيغير مجرى التاريخ، لكن نضاله عبر السنوات وإظهار عبقرية عسكرية فريدة جعله محط احترام أعدائه قبل حلفائه، فلم نشهد أي أعداء من قبل يمجدون عدو لدود لهم ببناء تمثال له كما فعل الرومان.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

ستة − 2 =