جزيرة كريت

الحضارة المينوسية هي حضارة جزيرة كريت ، بدأت في العصر البرونزي، أي قبل 7000 عام قبل الميلاد، وازدهرت بشكل كبير في الألف الثالث قبل الميلاد، حتى اختفت تمامًا في الألف الأول قبل الميلاد، نتيجة للغزوات والحروب التي قامت عليها، ويَرجع الفَضل لاكتشاف أغلب ما وصل من تلك الحضارة إلى السير آرثر إيفان، عالم الآثار البريطاني، وهو من أسماهم بالحضارة المينوسية نسبة إلى الملك مينوس مؤسس الحضارة، وهو إحدى الأساطير اليونانية الشهيرة إذ تحكي أنه ابن الإله زيوس والإلهة يوروبا، ولكن الاسم الذي اطلقوه هم على أنفسهم، فلا أحد يعرفه، جزيرة كريت الآن تابعة للحكومة اليونانية وأكبر جزرها السياحية، وفي المقال التالي مجموعة مبهرة من المعلومات التي وصلت عن حضارة جزيرة كريت وما قدمته للعالم من أدب وفنون وثقافة وعلم.

فنون جزيرة كريت اليونانية

جزيرة كريت فنون جزيرة كريت اليونانية

تركت جزيرة كريت حضارة تميزت بفنها الجميل، وتميزت بأعمال الفخار والخزف والجداريات الملونة وبالمصنوعات المعدنية، حيث كانوا ولوقت طويل أسيادًا في التعدين، وأخرجوا المعادن بوفرة من الجزيرة نفسها أو من جزيرة قبرص، وبسبب تجارتهم الموسعة مع الحضارة المصرية القديمة، تأثرت الفنون بالفن المصري ورموزه، وتوجد الآن بمتحف هيراكليون، عاصمة جزيرة كريت ، العديد من القطع الفنية ومزهريات ملونة وتماثيل من الصلصال، كلها مصنوعة بجودة ومهارة فائقة.

أقدم حضارة أوروبية

في التاريخ الأوروبي، عادة ما يأتي الذكر عن الحضارات اليونانية والرومانية، ولكن هناك حضارة عريقة سبقتهم وهي الحضارة المينوسية، حيث ذكر الشاعر اليوناني الكبير هوميروس، جزيرة كريت في الإلياذة والأوديسة، وقال الشاعر في ملحمته أن جزيرة كريت كانت بها 90 مدينة عظيمة، بالطبع قد يكون بالأمر مبالغة شعرية ولكن حقيقة كانت على جزيرة كريت واحدة من أهم حضارات العالم في ذلك العصر، وهي من طعّمت الآداب اليونانية بالأساطير البديعة، يصف الشاعر أن كل مدينة على جزيرة كريت كانت تحتوي على مباني كبيرة وفاخرة متعددة الطوابق، وعاصمتها كنوسوس، التي تعتبر مركز التجارة ومقر الملك مينوس وتجاوز عدد سكانها، 100 ألف نسمة، وهذا عدد ضخم مُقارنة بالمُدن القديمة، شوارع المدينة مرصوفة بالحجارة، وبها نظام صرف صحي مُعقد، مستخدمين أنابيب مصنوعة من الطين، وقد تكون الأولى من نوعها في العالم.

أول من عرفوا الكتابة في أوروبا

من أهم المؤشرات على تقدم حضارة جزيرة كريت ، هي الكتابة، حيث تم اكتشاف أقراص وأختام من الطين تحتوي على أشكال مميزة ومتكررة، في خطوط أفقية، ويبدو أنها كانت تُستخدم في إدارة الحسابات والمخازن في التجارة، ولم يتم فك شفرتها بشكل كامل إلى الآن، إلا إنها بالتأكيد تعتبر لغة مكتوبة كشكل مبكر للغة اليونانية فيما بعد، وعلى الرغم من أن الأبجدية تُنسب إلى الحضارة الفينيقية، إلا إن نظام الكتابة كان متعارفًا عليه عند الأوروبيين في جزيرة كريت .

الأناقة والأزياء في جزيرة كريت

من الفنون والرسومات التي توصل إليها علماء الآثار، فإنها تظهر مدى أناقة واهتمام الرجال والنساء على جزيرة كريت بمظهرهم الخارجي وملابسهم، فكان الرجال يرتدون أنسجة مصممة بعناية، متعددة الألوان، ما يعكس عنهم ثقتهم بالنفس، أما النساء فكانت ترتدي البلوزات والتنانير ذات الطبقات المتعددة، ما يُعرض أشكالًا هندسية بألوان زاهية وبديعة، مع مجموعة من الحُلي، ومشدات لإبراز منطقة الصدر، والجميع يرتدون أحزمة عند الخصر من المعدن، مزخرفة ومنقوشة وضيقة على الخصر، ومن الواضح أن الأزياء الفرنسية تأثرت بشكل كبير بهذه الأزياء على مدار التاريخ.

مجتمع جزيرة كريت

جزيرة كريت مجتمع جزيرة كريت

بالنسبة للحياة السياسية في الحضارة المينوسية، فمن المؤكد أن القصر الملكي في مدينة كنوسوس، شكل المركز الأساسي في الوظائف الإدارية والحكومية، وكان الملك هو الحاكم الأعلى للجزيرة، ولكن من الحفريات والآثار، يمكن التأكد بأن المدن الكثيرة على الجزيرة كانت تمتلك نوعًا من الحكومة لا مركزية، أما فيما يَتعلق بدور النساء في المجتمع، فيعتقد بعض علماء الآثار أن مجتمع جزيرة كريت كان مجتمعًا أموميًا، أي يعتمد على المرأة بشكل كبير، ويضعها في مساواة مع الرجل، ويَقدم لها العديد من الحُريات التي لم تمتلكها نساء الشعوب المجاورة، وهذا ما أوضحته صور النساء البراقة والتي تدل على الثقة بالنفس والإشارات التي تؤكد على مساواة المرأة بالرجل، كما وجدت العديد من الأسلحة في مقابر النساء مثل مقابر الرجال تمامًا.

قصر كنوسوس

القصر الملكي في كنوسوس هو أقدم نُصب معماري في أوروبا بأكملها، تم اكتشافه لأول مرة في سبعينات القرن ال19، وهو المركز السياسي ومركز الاحتفالات في جزيرة كريت ومقر الحاكم، يقع على مساحة 226 ألف قدم مربع، ويتكون من متاهة مكونة من 1400 غرفة، بالإضافة إلى الممرات والساحات وخزانات المياه والكثير من الزخارف الفاخرة المتنوعة، وأعمال فنية فاخرة، استخدم المهندسون تقنيات متطورة في البناء، واستخدموا الإضاءة الطبيعية في إنارة القصر، وامتلأ القصر بالأنشطة نهارًا وليلًا وتميز بالبذخ، وتعرض القصر للكثير من الكوارث الطبيعة مثل الزلازل وتعرض للحرائق أكثر من مرة، وطالما عاد الشعب الكريتي وبنى القصر بطبقات أفضل وأكثر فخامة، ولكن في عام 1350 قبل الميلاد تدمر القصر بالكامل حين اشتعلت فيه النيران، ومن ثم احتل الشعب اليوناني الجزيرة وأهملوا في إعادة بناءه، وكانت هذه الفترة هي الفترة الأخيرة في عهد الحضارة المينوسية العريقة.

مصارعة الثيران

من خلال بعض الجداريات المكتشفة حديثًا في كنوسوس، يتضح أن سكان جزيرة كريت كانوا يمتلكون نوعًا من مصارعة الثيران، وكانت اللعبة تحظى باهتمام شديد من قبل الحكام والمواطنين، وتُقام أثناء أداء الطقوس الدينية والاحتفالات، وتظهر الجدارية مشهدًا جنونيًا، لثلاثة رجال ينفذون حركات بهلوانية على ظهر ثور ضخم، ويمسكون بقرونه ويتشقلبون على ظهره، فمن الواضح أن سكان الجزيرة كانوا يعشقون الجنون والألعاب الصعبة، تمامًا مثل مصارعة الثيران الحديثة في إسبانيا.

إمبراطورية اعتمدت على ذاتها

الاكتفاء الذاتي كان سر قوة جزيرة كريت ، بل وتمكنوا من تصدير منتجاتهم إلى الدول القريبة، من المؤكد أن الأرض الخصبة على الجزيرة وفرة فرصة للزراعة، فزرعوا جميع أنواع المحاصيل، واعتمدوا في طعامهم على القمح والشعير والفواكه المتنوعة، بالإضافة إلى البهارات الطبية، ولذلك كانوا يحرصون على النظام الغذائي الصحي، كما ربوا مجموعة واسعة من الماشية، مثل البقر والأغنام والماعز، واستخدموا الحمير والثيران في حرث الأرض، أما عن التصدير، فكنت لديهم وفرة في صنع الزيوت والنبيذ، وبالتالي تمكنوا من تصديره إلى الخارج، ومما جاء عن المؤلفين من اليونان والرومان، فقد كان النبيذ الكريتي من أفضل وأجود أنواع الخمور في العالم آنذاك، ومن السجلات الأثرية في المنطقة، فإن الشعب الكريتي قام ببناء مخازن تحت الأرض، واستخدموا مكابس لإحكام غلق زجاجات النبيذ، كانت الأولى من نوعها في العالم.

قوة بحرية لا يُستهان بها

في الوقت الذي اعتمدت فيه الحضارات القريبة على النهب والسرقة والهرب على السفن، اشتهرت الحضارة المينوسية بقوة تجارتها البحرية، وصنعوا أسطول من السفن البحرية يقودها ملاحين ماهرين جدًا، فوصلوا بتجارتهم إلى اليونان وصقلية وسوريا ومصر وإسبانيا، وصدروا منتجاتهم الزراعية والمعادن مثل النحاس والقصدير والبرونز، واشتروا المعادن النفسية والعاج، ويُعتقد أن فضل اختراع عارضة السفينة يرجع إليهم، ووصلت سفنهم تزيد إلى 100 قدم في الطول، واستخدموا المجاديف للدفع، والأجرام السماوية للملاحة، وهناك صور كثيرة توضح مدى قوة سفنهم البحرية، وتحيط بها الدلافين والطيور البحرية.

كيف انتهت الحضارة المينوسية في جزيرة كريت

جزيرة كريت كيف انتهت الحضارة المينوسية في جزيرة كريت

يثير سر اختفاء حضارة المينوسية على جزيرة كريت ، جدلًا كبيرًا بين علماء الآثار والمؤرخين، فحضارة بكل تلك القوة والعظمة اندثرت بشكل سريع وتام في الألف الأولى قبل الميلاد، يرجح البعض أن للإغريق شأنًا في هذا الأمر، حيث قاموا بالعديد من الهجمات والحروب على جزيرة كريت واستمروا في تدمير الآثار على الجزيرة ولم يهتموا لحضارتها، ولكن يعتقد بعض العلماء أن هناك سببًا رئيسيًا آخر، وهي الطبيعية، فعلى بُعد 68 ميل فقط من جزيرة كريت تقع جزيرة ثيرا أو سانتوريني، وفي حوالي القرن ال17 قبل الميلاد، حدث بها أكبر انفجار بركاني شهده العالم كما يصفه الجيولوجيون.

هذه الكارثة تسببت في حدوث كوارث متتالية على جزيرة كريت ، من زلازل وصلت إلى 7 و8 على مقياس ريختر، واشتعال للحرائق، وتسونامي، لأن قوة الانفجار يوازي 100 قنبلة نووية من تلك التي وقعت على هيروشيما، بالإضافة إلى أطنان من ثاني أكسيد الكبريت والرماد الذي اندفع إلى الغلاف الجوي، ما تسبب في موت المحاصيل الزراعية لعقود طويلة، وانخفاض في دراجات الحرارة وحجب الشمس عن الجزيرة، وانتشار الأوبئة، كل تلك الكوارث يمكن أن تدمر حضارة عريقة كمثل حضارة المينوسية بالتأكيد.

جزيرة كريت قدمت للعالم حضارة من أقوى وأروع الحضارات قبل الميلاد، عرفوا الزراعة والكتابة والتعدين والملاحة، وبنوا قصورًا فاخرة، وكانت لها الفضل في العديد من الاختراعات، ولا مجال للشك بأن الحضارة المينوسية هي أقدم حضارة عرفتها أوروبا، ومنها انتشرت الثقافة والعلم إلى دول أوروبا المجاورة، على الرغم من أن العلماء قد لا يتوصلوا للاسم الذي أطلقوه على أنفسهم في زمنهم أبدًا.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

ثلاثة + ثلاثة =