توقعات الأبراج

هل تؤمن بتوقعات الأبراج أم تتعامل معها كنوع من أنواع الدجل وتغيب للعقول؟ ما هو رأي الدين في التوقع بالمستقبل؟ لماذا يرغب الإنسان دائمًا بتصديق توقعات الأبراج ؟ وغيرها من التساؤلات التي تدور في ذهن معظمنا.

البعض يلجأ إلى توقعات الأبراج على سبيل المُتعة والترفيه والمزاح، على جانب آخر ستجد فريق يؤيدها ويؤمن بها بل ويُدافع عنها باستماتة، بل ومن المُمكن أن يتخذ قراراته بُناءً على نصائح باب حظك اليوم، فريق ثالث يُحرّمها حُرمانية قاطعة، وفريقٍ رابع يراها شعوذة وتغيب للعقول.

وبين كل هذا التضارب في الآراء نقف نحن حائرين؟! وهل توقعات الأبراج صدق أم باب لكسب الرزق عن طريق خداع البُسطاء؟! هذا ما سوف نناقشه في موضوعنا اليوم لنتوصل سويًا إلى حقيقة هذا الأمر.

نبذة عن علم التنجيم

يُعرف علم التنجيم بأنه: مجموعة من المُعتقدات والتنبؤات التي تربط مواضع حركة ومواقع النجوم السماوية بسمات الإنسان وكل ما يجري في حياته من أحداث ومقادير.

وينسب البعض علم التنجيم إلى علم الفلك كأحد فروعه على اعتبار أن علم الفلك هو العلم الذي يهتم بدراسة نشأة وتطور ونهاية دورة حياة الأجرام السماوية المُختلِفة، ورغم أن كثير من العلماء يرون أن افتراضات وتوقعات علم التنجيم ما هي إلا مُجرد تُرهات فارغة، إلا أن هذه العلاقة بين العلمين قد تكون ناشئة من دراستهما للشيء نفسه، وإن اختلفت زاوية التناول ونظريات الدراسة.

وقد ارتبط هذا النسب ببدايات ظهور علم التنجيم في الألفية الثانية من عمر البشرية قبل الميلاد، إذ نشأ العلم على يد البابليين لينقلوه إلى الشرق والغرب خلال فتوحاتهم العسكرية. ليُصبح كُلًا منهما علمًا مُستقلًا بذاته خلال القرن الثامن عشر، وإن كانت المُصطلحات السائدة تربط بينهما حتى هذه اللحظة رُبما بُحكم العادة. ولكن من أين نشأ مفهوم الأبراج الفلكية؟ وما هي علاقة توقعات الأبراج بعلم التنجيم؟

العلاقة بين توقعات الأبراج وعلم التنجيم

ولأن علم التنجيم يربط حركة الأجرام بصفات ومسار حياة الأفراد، كان لا بد من وضع كل فئة من البشر الذين يتحكم في مقادير حياتهم برج بعينه تحت تصنيف مُحدّد يُميّزهم عن غيرهم.

ومن هُنا أتت فكرة تصنيف البشر تحت قائمة الأجرام أو الأبراج السماوية الإثنا عشر حسب توقيت الميلاد، وعلى حسب موقع البرج في كل توقيت ميلاد يتم تحديد السمات الشخصية للإنسان، وعلى حسب موضع حركة البرج كل عام يتم التنبؤ بأحداث حياة الشخص على مدار هذا العام، على المستوى الصحي والمادي والعاطفي والعمل إلخ…

وقد اتخذت الأبراج الإثنا عشر مُسمياتها ورموزها ومعانيها المعروفة حاليًا من الثقافة الغربية والهندية، بينما امتازت الأبراج الصينية الإثنا عشر والتي تم تصنيفها كالأكثر دقة على مستوى التقويم مُسمياتها من مُسميات الحيوانات.

وتنقسم توقعات الأبراج في علم التنجيم إلى أربع أنواع رئيسية:

  • التنجيم الولادي: والذي يُفسر سمات الإنسان الشخصية وتتوقع خبراته في الحياة بُناءً على تاريخ ميلاده.
  • التنجيم الاختياري: والذي يتنبأ بأنسب توقيت يُمكنك خلاله اتخاذ قراراتك المصيرية على مستوى العمل والارتباط وإنشاء المشاريع.
  • التنجيم بالحدث: والذي يُقدّم لك شرح أكثر حول مشاريع وقرارات حياتك.
  • تنجيم العالم: ويتنبأ خلاله المُنجِّم بأحداث عالمية أو كوارث طبيعية كحدوث زلازل أو انهيار دول.

ولكن كيف يرى الدين والعلم المادي توقعات الأبراج أو التوقع بالمستقبل؟

رأي الشرع في قضية توقعات الأبراج بالمستقبل

هناك كثير من الأحاديث النبوية الصحيحة التي تُحرّم اللجوء إلى العرّافين أو التصديق في توقعات الأبراج بالمستقبل إلى حد عدم قبول الأعمال أو الوقوع في الشرك والكُفر بتعاليم الإسلام.

بالإضافة إلى مئات الآيات القُرآنية التي تقصر العلم بالغيب وأحداث المُستقبل على الله وحده -عز وجل-، فمن هذا الذي تلجأ إليه لتضع علمه الوهمي في كفة واحدة أو مُقاربة لعلم الله؟!

من ناحية أخرى وبحسابات العقل والمنطق وبآراء مُختلف الشيوخ، فقد أوضح الله -سبحانه وتعالى- لنا في قرآنه الكريم أسباب خلق النجوم والكواكب. فهي لم تُخلق لنتنبأ من خلالها بأحداث مُستقبلنا أو تساعدنا في تفسير ماضينا وحاضرنا، وإنما خُلقت لإضاءة ليالينا المُظلمة خاصةً إن ارتبطت برحلة في قلب البحر.

خُلقت لنستدل بها على التقويم وليس لنربط التقويم بها، لوضع أوصاف فضفاضة لأُناس قد يكرهون ذاتهم وتوقيت ميلادهم لمجرد أنه فرض عليهم سمات سلبية توهموا بوجودها لديهم لمجرد أن أبراجهم أخبرتهم بذلك، وبدلاً من أن يسعوا لتغييرها وتغيير حياتهم للأفضل يُعلّقون إخفاقاتهم على شماعة توقعات الأبراج بل وينظرونها لتحل لهم مشكلاتهم.

وأخيرًا يرى بعض الشيوخ في هوس توقعات الأبراج نوع من أنواع التواكل، وعدم السعي للحصول على ما كتب الله للإنسان من رزق بوجوهه المُتعددة بدلًا من التوكل على الله وطلب التوفيق والعون منه -عز وجل-.

توقعات الأبراج والعلم ما بين مؤيد ومُعارض

كأي قضية خلافية دخلت توقعات الأبراج إلى قاعة محكمة العلم منذ سنواتٍ طويلة معها ما معها من مُدافعين، وضدها ما ضدها من مُهاجمين.

كل فريق من الفريقين يُجري دراساته وأبحاثه ليدحض افتراضات الآخر، حتى الآن النتائج في صالح كفة العلم، إلا أن المُدافعين عن توقعات الأبراج وعلم التنجيم ومؤيديهم لم ييأسوا بعد، مازال لديهم من الحجج التي تُبرهن على تحيُّز العلماء ضدهم الكثير.

فمؤيدو علم التنجيم يرون أن أبحاثهم القليلة لا تستطيع أن تفرض نفسها في الساحة العلمية بكثرتها مثلها مثل الدراسات النفسية والاجتماعية المُهاجِمة بسبب ضعف الإمكانيات والخبرة لدى المُشتغلين في علم التنجيم، وحتى من يمتلك منهم الخبرة يرى أن التعامل مع الجمهور العام من المُصدّقين أكثر دليلًا على صدق فرضيات ونظريات التنجيم.

من ناحية أخرى اتهم المُدافعون المُعارضون بأن دراستهم ضد علم التنجيم تفتقر للمنهجية العلمية الصحيحة والحيادية العلمية المطلوبة.

من ناحية أخرى أثبتت دراسات علمية كثيرة أن الافتراضات الفلكية ليست إلا صُدف، بما في ذلك دراسات التنجيم حول سمات الشخصية وعلاقتها بالبرج الفلكي أو تأثير الأجرام السماوية على أمور حياتية.

ففي دراسة ألمانية أعادت تحليل بيانات ونتائج دراسة أخرى تفترض المصير المُتشابه للتوائم لمجرد إثبات صحة الفرضية بنسبة 68% على 234 توائم، ثبُت أن تحقق هذه الفرضية ليس أكثر من مجرد صدفة.

كما أثبتت دراسة منشورة أُجريت على 16 ألف عالم و6 آلاف سياسي ينتمون لبرج العذراء وأبراج أخرى، فشل الفرضية الفلكية القائلة بأن مواليد العذراء ضِعاف الشخصية.

كما أثبتت دراسات نقدية كثيرة فشل نظرية تأثير كوكب المريخ لعالم التنجيم ميشال جاوكلين، فقد كان يرى أن تأثير كوكب المريخ على موهبة الرياضيين أكبر من تأثيرها على أي شخص عادي، فقد أثبتت دراسات الضد أن هذه الفرضية لا تتحقق إلا بنسبة 0.01%. حتى أن مؤسس الدراسة نفسه تراجع عن تأييد تأثير توقعات الأبراج على حياة الأشخاص.

الأدهى من ذلك، وفي أثناء مُحاولات علماء التنجيم والمُدافعين عنه المُستميتة لإثبات صدق الفرضيات الفلكية وكذلك توقعات الأبراج لجأوا لابتداع علاقات بين أشياء لا علاقة منطقية بينها، فمثلاً افترض مثلهم أن طول الدورة الشهرية للمرأة يتفق مع أطوار القمر بدعوى أن القمر يؤثر على طبيعة جسم الإنسان كما يؤثر على حركة البحار والمحيطات أثناء المد والجذر!!

ولكن بعد أن أثبتت الدراسات العلمية التحليلية والتجريبية فشل علماء التنجيم في الدفاع عن مُعتقداتهم ونظرياتهم، هل ستنصفهم نظريات علم النفس؟

رأي علماء النفس بتوقعات الأبراج ولماذا نرغب بتصدّيقها

رُبما بدأ الأمر مع البعض بفضول وتسلية وحب لاستطلاع مُستقبل مجهول نعلم أنه عالم غيبي لا يعلمه إلا الله، ولكن فضولنا وسعينا لمعرفة ما قد نمر به أو نصل إليه في المُستقبل أو رُبما بحثنا عن سعادة نتمناها اليوم قبل غد ونأمل أن تكون في المُستقبل ونسعى للحصول على نبوءة لحدوثها.

نبوءة واحدة قد تصدُق من قبيل الصُدفة تحوّل الإيمان بصدق توقعات الأبراج إلى عادة وإدمان قد تدفعك لتأجيل أحداث مصيرية في حياتك حتى تحصل على قراءة طالعك وترجمته لتأثير هذه الأحداث عليك وعلى المُحيطين بك حياتك وحياتهم.

قد تلجأ لاتخاذ قرارات كارثية كالانفصال عن شريك حياتك، أو الإضراب عن الزواج، عدم الإنجاب، ترك وظيفة الاستثمار في مشروع خاسر، أو ترك مشروع كل حسابات العقل والمنطق تؤكد نجاحه، لمجرد نبوءة حددت لك ما يجب أن تفعل وما لا يجب، صُدفة أو أكثر قد تجعلك عبد للنبوءات وتجعل حياتك قُربانًا لها. هذه آراء من جذبهم الضوء الفسفوري للمُستقبل عبر علم التنجيم ورواده، فما رأي علم النفس إذًا؟

بناءً على دراسات نفسية واجتماعية عِدة فقد توصل عُلماء النفس لأسباب تصديق وإيمان البعض وثقتهم العمياء في توقعات الأبراج وفق ثلاث مفاهيم:

  1. التحيُّز التأكيدي: ويعني تذكُّر الشخص للنبوءات الصحيحة التي تحققت بالفعل مُقابل نسيانه لما لم يتحقق منها بشكل يجعله يثق بدقتها أكثر مما هي عليه في الحقيقة على أرض الواقع.
  2. ظاهرة تأثير فورير أو ظاهرة تأثير بارنوم: وتعني ارتفاع تقييم وثقة الأفراد في وصف شخصياتهم في ضوء توقعات الأبراج وكأنها تُعبّر عنهم وحدهم دون غيرهم، على الرغم من أن هذه الأوصاف فضفاضة ومُبهمة للغاية يُمكن أن يتسم بها كثير من الناس دون أن يربطهم توقيت ميلاد مُحدّد بزعم علماء التنجيم.
  3. قوة تأثير العقل الباطن أو اللاوعي على المشاعر الإنسانية: فكما يفترض علماء النفس فإن ما يُخبر الإنسان به عقله الباطن من أحاسيس ومشاعر يقع، فإن اقتنعت أن اليوم هو يوم سعدك أو يوم حظك ستكون سعيدًا والعكس صحيح، وسواء كانت قناعتك نابعة منك أو من شخص دسّها في عقلك فالنتيجة واحدة، إنه تأثير العقل الباطن ما تُحدّث به نفسك سيقع أو ستشعر به.

لذا لا داعي للدهشة إن علمت أن 31% من الأمريكيين يؤمنون في توقعات الأبراج وأن 39%” منهم يعتبرون التنجيم علم.

ولا داعي للدهشة أيضًا إن علمت أن نحو نصف مليون طفلة يابانية قد وُئدت بالإجهاض عام 1966 بسبب الادعاء الفلكي بأن الفتيات اللاتي سيُخلقن خلال هذا العام الذي يُعرف في المُعتقدات اليابانية بعام “حصان النار” ستفشل زيجاتهن في المُستقبل أو سيعشن حياة تعيسة.

ولا تندهش إن رأيت زيجات مُستقرة تفشل فجأة أو علاقات كان الجميع يشهد لها بالنجاح تنتهي بعد أن دسّ أحد أطرافها فيها سُم التوقعات والصُدف.

فوفقًا لتفسيرات علم النفس من الواضح كيف أثرت توقعات الأبراج وعلم التنجيم في ثقافات الشعوب وموروثاتها، بل ولُغاتها وآدابها وفنونها أيضًا بين أكثر فئات المجتمعات تعليمًا وثقافة، والتي بدلًا من أن تشد بيد أفراد مجتمعها من فخ الوهم تُرسخه في نفوسهم وعقولهم بأكثر الوسائل اختلاطًا بهم “الفن واللغة والإعلام”

وختامًا، فكما أشرنا ما تُمليه على عقلك الباطن سيُصدّقه ويعمل به، فإن أقنعته بتصديق توقعات الأبراج سيفعل، وإن أقنعته بأنها مُجرد مُصادفات سيفعل، إن رأيتها علمًا فخض معارك لتُثبت ذلك، وإن رأيتها دجلًا، حقيقة، حرامًا، حلالًا، انتقي زاوية رؤيتك بنفسك، ولكن قبل أن تفعل تذكر أن الحياة قصيرة محدودة الفرص فلا تُضعها في بضعة نبوءات، فكن أنت المتحكم ولا تجعل التنبؤات تتحكم بك.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

5 × واحد =