تطور الموضة

يحدث تطور الموضة دائما لأسباب مختلفة أهمها التلاقح الثقافي والحروب والحاجة للعمل وأبرزها التدفئة أو سهولة الحركة أو السماح للهواء بالدخول، ولكن في العصر الحديث وخصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية أخذت الموضة مسارا آخر وأصبحت منافسة ومباراة بين مصممي الأزياء وبيوت الأزياء العالمية من أجل تقديم كل ما هو جديد وعصري في خطوط الموضة، وبذلك أصبحنا نرى تطور الموضة يحدث سريعا جدا أكثر مما نتخيل لدرجة أن ما كنا نرتديه من خمس سنوات أصبح الآن محط سخرية وانتقاد لأن ما ظهر بعده أضعف موقفه وجعله يبدو طرازا قديما جدا يعود لعصور الأجداد، ولذلك سنتحدث عن تطور الموضة ونتذكرها في هذا المقال.

كيف ظهرت الموضة؟

لا أحد يعرف على وجه التحديد كيف ظهرت الموضة وبالتالي يتحدث عن تطور الموضة ولكن ما يجب أن نسأله قبل تطور الموضة أو ظهورها، هو كيف ظهرت الملابس أصلا، وهو ما لا يعرفه أحد أيضًا ولكن الثابت أن أقدم قطع ملابس وجدت كانت من ثمانية آلاف عام، وكانت الملابس تستعمل للتدفئة أو لستر العورات غير أن هناك الكثير من القبائل لا زالوا يسيرون عراة، وكانت الملابس تتكون من جلود الحيوانات وفرائها، أما عن ظهور الموضة فمن الثابت أن الفراعنة هم أول من اهتموا بتجميل الملابس حيث اهتمت المرأة في الدولة المصرية القديمة بتطريز ملابسها وزخرفتها وإضافة لمسات التجميل إلى وجهها، لذلك أخذت الملابس مسارا آخر وهي من كونها مؤدية للغرض سواء كانت التدفئة أو الاحتشام إلى التجمل والتزين، ومن خلال التلاقح الثقافي بين الدول صار هناك تأثر بالملابس وأصبحت كل أمة تصنع لنفسها الملابس التي تعبر عن ثقافتها وتقاليدها، وقد برع الفينيقيون في إصدار خطوط الموضة، وأدخل المغني الأندلسي زرياب خطوط موضة جديدة قادمة من بلده الأصلي العراق إلى إسبانيا، ومن خلال الحروب والاستعمار أصبح هناك تبادل ثقافي بين الشعوب فيما يختص بالملابس والموضة، ومن هنا صارت الموضة هي كل تقليعة غريبة لا تلبث أن تسود وتجد الرواج بين الناس فيما بعد.

تطور الموضة عبر العصور

هناك الكثير من الأمم والشعوب رفضت إدخال أي تغيير على ملابسها وظلت محتفظة بخصوصيتها الثقافية حتى فترة كبيرة مثل اليابانيين إلا أن تطور الموضة عبر العصور ساعد في انتشاره الغزو والاحتلال والاستعمار فضلا عن التبادل التجاري والثقافي وغيرها والمتابع لتطور الموضة عبر العصور سيعرف أن أوروبا كانت المنطقة الأكثر عرضة للمبالغة في تطور الموضة وحركة تطوير الأزياء حتى قبل الثورة الفرنسية بالغت الطبقة الأرستقراطية في رسم تفاصيل حياتها بوضع نظم صارمة للملابس المناسبة لكل وقت ولكل مناسبة، لكن بعد الثورة الفرنسية صارت خطوط الموضة تتحرك نحو تحرر من هذه الموروثات القديمة، وارتداء الملابس المتحررة التي تعبر عن حياة الإنسان المعاصر ونمطه المعيشي، وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية انطلقت خطوط الموضة من بيوت الأزياء العالمية في رسم حياة الناس وأبرز من غيروا طريقة النظر للأزياء المصممة الفرنسية الشهيرة كوكو شانيل التي اعتبرت من أبرز الشخصيات المؤثرة في القرن العشرين حيث اتجهت إلى نمط “البساطة الراقية”.

موضة الخمسينات

ربما تظل الخمسينات صاحبة الفضل على تطور الموضة في العقود التي تلتها فبالصيحة التي أطلقها مصمم الأزياء الشهير “كريستيان ديور” والتي منحت النساء كثيرا من الأنوثة والرومانسية والجمال استطاع كريستيان ديور أن يحدد شكل الموضة في العقود الماضية بما أطلق عليه وقتها “المظهر الحديث” وتميزت ملابس النساء في هذا الوقت بالأناقة والتفاصيل البسيطة المحببة إلى النفس مثل الورود والفساتين المنفوشة من الأسفل والضيقة عند الخصر لإبراز النحول في هذه المنطقة عند السيدات مع ألوان جذابة، مع أحذية مريحة بدون كعوب عالية أو بكعوب منخفضة مما جعل الأمر بالغ الرومانسية والجمال، وقد كانت جريس كيلي زوجة رينيه الثالث أمير موناكو الوجه الأبرز للموضة في هذا الوقت ورمز الأناقة في عصر الخمسينات بالإضافة للممثلات الشهيرات مثل مارلين مونرو.

موضة الستينات

ومثلما بدأ تطور الموضة في العصور الحديثة في الخمسينات فإن الستينات كانت أكثر تحررا أيضًا متزامنة مع تغيرات فكرية كبيرة وتلاقح ثقافي بين الشعوب فصرنا نرى فساتين أقل تكلفا بأكتاف عارية وأقصر حتى الركبة وإن لم تتخلى عن أناقتها بعد، حيث جاءت الفساتين بوفرة من الأمتار أيضًا مزركشة بالورود أو بالنقوش المتناسقة التي تنم عن ذوق وجمال، وتمايزت الأحذية بين الكعب العالي والمنخفض أو بدون كعب أو ما يطلقون عليها “باليرينا” من أجل راحة المرأة العصرية، أما الحقائب فجاءت في الحجم المتوسط المناسب لاحتياجات المرأة في هذا الوقت.

موضة السبعينات

شهد تطور الموضة عند الرجال والنساء على حد سواء في الخمسينات والستينات فتم التخلي عن الكثير من لوازم الملابس الرسمية وأصبحت رابطة العنق من الأشياء التي لا لزوم لها فصرنا نرى الكثير من الرجال يرتدون الجاكيت والبنطلون والقميص دون رابطة عنق، كما أن اجتياح الجينز الأسواق أصبح من الأمور التي جعلت الملابس القماشية العادية طرزا قديمة، ووصلت هذه الموضة ذروتها في السبعينات مع اجتياح ثقافة الهيبيز والخنافس وتأثر العالم بأكمله بمظاهرات الطلبة في فرنسا عام 68 مما كان بمثابة ثورة على الثوابت القديمة وأهمها المظهر والملبس وبالتالي أخذ تطور الموضة منحى آخر فتم التخلي عن الملابس الرسمية للرجال وارتدت النساء التنورات القصيرة أعلى الركبة أو الفساتين التي تنخفض عن الخصر بقليل كدليل على التحرر والسلطة الذاتية على الجسد.

موضة الثمانينات

تأثرت الثمانينات بالسبعينات فكان تطور الموضة هنا محاولة للعودة للقديم من أجل الحديث فكان تطور الموضة خلال حقبة الثمانينات مزيج من عصرية السبعينات وتحررها والعودة لما قبلها والاستفادة منها فخرجت موضات كثيرة تجمع بين الاثنين رغم تدني الذوق في تلك الفترة وارتداء النساء ملابس بألوان فاقعة وصارخة فضلا عن ارتداء النساء الجينز وتحكم الأغاني المصورة بعد إطلاق قناة إم تي في في ذوق الرجال والنساء بالقمصان المزركشة والأحذية الرياضية وحقائب الظهر.

موضة التسعينات

ولم تختلف التسعينات كثيرا عن الثمانينات لأن تطور الموضة فيها أخذ منحى بعيدا عن كل هذا وصارت تحاول الاهتداء للحديث دون اقتداء بالقديم فصارت تتخبط بين هذا وذاك فظهرت التيشيرتات وأصبحنا لا نميز بين ملابس الرجال والنساء وأصبح كلاهما ينفع لكلا الجنسين إلا أن تغول المقاطع الغنائية المصورة أصبحت هي ما تشكل مزاج العالم في الموضة والملابس، وشكل هذا انزعاجا لدى الكثير من الناس حول تلك الموضات الجديدة الممسوخة عديمة الطعم وما عليك سوى رؤية كليبات مايكل جاكسون ومادونا وفي العالم العربي مثلا لم يختلف الأمر كثيرا فكانت القمصان الكلاسيكية الفضفاضة جدا والسراويل الجينز أو القماش تحتل خزانات ملابس الشباب في هذا الوقت فضلا عن قبعة تشي جيفارا الذي لمع نجمه وصيته في هذا الوقت.

موضة الألفية الجديدة

أتت الألفية الجديدة كحقبة جديدة وألفية جديدة تشع عولمة وتبشر بعالم أشبه بقرية صغيرة وبالفعل صار هناك سعارا في خلق ثوابت جديدة تماما لا تمت بأي قديم بصلة وتم الثورة على كل ما هو قديم حتى أصبحت موضة البطون المكشوفة والبنطلونات الساقطة لإبراز الملابس الداخلية والقمصان المفتوحة حتى السُرة وغيرها من أهم مراحل تطور الموضة وحتى الآن لا زلنا نرزح في هذه الموضات الجديدة حتى أصبحت البنطلونات المُقطعة عند الركبة أو في أي مكان من الأمور العادية جدا، رغم أن هناك الكثير من الدعوات التي تحاول استلهام القديم من أجل إصدار صيحات حديثة بلمسات شاعرية.

تطور الموضة مر بمراحل متعددة وتأثر بالحركات الثقافية والحراك المجتمعي في كافة أنحاء العالم، والملابس بصفتها المعبرة عن شخصيات الناس هي الأكثر تأثرا وتأثيرا وتعبيرا عن هذا الحراك بالتالي كان لابد أن تمر بهذه المراحل المتعاقبة.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

18 − أربعة =