تربية الأب

أصبح من الشائع في وقتنا أن التربية هي مسؤولية الأم، وأما تربية الأب فهذا أمر غير متعارف عليه. وهذه تعتبر مشكلة اجتماعية كبيرة، حيث أن التربية لابد وأن تكون مقتسمة على كل من الأم والأب. ويعود ذلك بالنفع على كل أفراد الأسرة؛ فالأم لا تعاني من الكثير من الضغوطات وتجد من يحمل عنها جزءا من أعبائها، وهو دور الأب الواجب عليه القيام به من الأساس، والأطفال يكونون مستقرين نفسيا ولا يوجد من ينقصهم، حيث أن غياب دور الأب يشعرهم بعدم الأمان وفقد الثقة بالآخرين، والأب كذلك يستفيد على مدى الحياة من توطيد علاقته بأبنائه، حيث تقل الفجوة بينه وبينهم ويشعر بالترابط العائلي داخل الأسرة وبأنه يقوم بالدور المنوط إليه ويستمتع بالوقت الذي يقضيه مع أولاده. وعلى العكس، لو تخلى الأب عن أبنائه بأي شكل من الأشكال وتخاذل عن القيام بدوره، فإن ذلك يسبب الكثير من المشاكل التي لا تنتهي ويضع عبئا كبيرا على كل فرد في العائلة.

تربية الأب واجب لا تفضل

تربية الأب تربية الأب واجب لا تفضل

الأب هو البطل الأول في حياة الطفل. وهو مصدر الأمان والحماية التي يكون الطفل في أمس الحاجة إليهما حتى بعد أن يكبر. ولابد أن يعلم كل أب أنه من الواجب عليه أن يشارك في تربية أبنائه، فهم أمانة معه يحاسب عليها. ولأن الكثير من الآباء يعتقدون أن المشاركة في تربية الأبناء هو فضل منهم وأمر لا يتوجب عليهم القيام به، تجدر بنا الإشارة هنا إلى أنه أبسط الواجبات التي يمكن القيام بها تجاه الأبناء. وسنورد فيما يلي صورا من تربية الأب لأبنائه ومشاركة الأم في ذلك.

مشاركة الأب في تربية الأبناء

يولد الأبناء لأم وأب يكونان مسؤولين عنهم مسؤولية كاملة. وللأسف الشديد، هناك من الآباء من يعتقد بأن مسؤوليته هي توفير المال لأسرته وأبنائه ويجهل أو يتجاهل المسؤولية النفسية الوجدانية الواجب عليه حملها على عاتقه. ومنذ اللحظة الأولى لولادة الطفل تبدأ تربية الأب الذي يكون تقريبا أول من يحمله ويتملق في صفحة وجهه ويسعد به؛ بل إن هذه التربية تبدأ مع سماع خبر حمل الطفل. ولأن الكثير من الآباء ليسوا على دراية بما يفعلون للقيام بواجباتهم الأبوية تجاه الأبناء، نورد بعضا مما يمكن القيام به للوصول إلى ذلك فيما يلي:

  • القيام بجزء من المهام التي تقوم بها الأم في العادة، كأن يقوم الأب بإطعام الطفل واللعب معه، حتى يكون له تأثير في حياة الطفل ويأخذ مكانه في قلبه وعقله ووجدانه، بدلا من أن يكون بلا تأثير.
  • التقرب إلى الطفل حتى قبل أن يولد، فما أجمل أن يشعر الأب طفله بالأمان والحماية بسماع صوته والتحدث إليه واللعب معه وهو لا زال داخل رحم أمه.
  • قضاء أوقاتا مرحة مع الطفل للعب والتنزه والتعلم، حيث لا يحب الطفل أكثر من اللعب والضحك، وهو يتعلق كثيرا بمن ينزل إلى مستوى عقله ويلعب معه وكأنه طفل مثله.
  • خلق مناخ تسوده المودة والرحمة والحب داخل المنزل والتعامل بخلق حسن مع كل أفراده، حيث أنه ما من شيء يأسر القلب أكثر من الأخلاق الحسنة والطباع الجميلة.
  • التخلص من جميع الخصال التي من الممكن أن تؤثر بالسلب على الطفل، كأن يكتسبها أو يتأثر نفسيا بها، ومحاولة تقويم السلوك من قبل الأب، فهو القدوة والبطل الذي يقلده الطفل في كل ما يأتي ويذر.
  • تبادل الحب والاحترام مع كل أفراد الأسرة، وبصفة خاصة الأم، حيث يوفر ذلك جوا مملوءًا بالحب والأمان والاستقرار، كما يعلم الطفل كيفية التعامل مع المحيطين به ويطبع في ذهنه الأسلوب الذي يتعامل به مع شريك الحياة في المستقبل.
  • عدم قضاء الوقت كله في العمل، فهو على الرغم من أهميته لا يمكن أن يكون على حساب نفسية الطفل. والطفل يسعد كثيرا عندما يرى أن أبيه يقتطع جزءا من وقته لأجله وحده ويشعر بتقدير أبيه له، والذي يجعله هو يبادل الأب نفس الحب والتقدير.
  • عدم اقتصار تربية الأب على توجيه النصائح للابن، حيث أن العلاقة الجيدة بينهما، والتي تقوم على الحب والاحترام والتواصل ومشاركة الأفكار والاهتمامات، تسهل على الأب القيام بعملية تهذيب الابن بسلاسة؛ على عكس اختفاء الأب من حياة الابن ووجوده فقط ليأمر وينهى.
  • الاجتماع بالأسرة ولو مرة واحدة يوميا، وأقصد هنا الاجتماع وقت تناول الطعام، حيث يوفر ذلك جوا أسريا دافئا، بدلا من أن يتناول كل فرد طعامه وحده وكأنه يعيش في المنزل بمفرده. ومن الجيد أن يتخلل تناول الطعام تبادل أطراف الحديث في أمور تهم الأبناء وتخصهم، فهذا يسهم كثيرا في توطيد العلاقة بين كل أفراد الأسرة.
  • سرد الحكايات للطفل وقراءة القصص له، فهم يحب ذلك كثيرا ويتقرب لمن يقوم به لأجله. ويسهم ذلك في خلق علاقة قوية بين الطفل وأبيه منذ الصغر، والتي يمتد أثرها الحميد إلى أن يكبر.
  • بذل بعض المجهود للتعبير عن الحب للابن، حيث أن الكثير من الآباء يحبون أبناءهم دون أن يظهروا ذلك، والطفل في حاجة إلى أن يرى بعينيه حبا ملموسا من أبيه.

دور الأب في تربية الأبناء في الإسلام

إن القاعدة العامة التي تحكم تعاملاتنا في الإسلام هي أن لا يوقع أحدنا ضررا بالآخر. وعدم قيام الأب بدوره تجاه الأبناء يتسبب لهم في الكثير من الأضرار النفسية التي ربما تظل ملازمة لهم مدى الحياة. وقد أثبتت الكثير من الدراسات أن الأطفال الذين حالفهم الحظ وكانت لهم علاقة وطيدة بآبائهم كانوا أكثر استقرارا من الناحية النفسية ولم يعانوا من الكثير من المشاكل النفسية التي يعاني منها الأطفال المفتقدين لدور الأب في حياتهم. كما ثبت من خلال هذه الدراسات أن هؤلاء الأطفال الذين لقوا اهتمام آبائهم كانوا أكثر تفوقا في المجال الدراسي وأكثر نجاحا من غيرهم.

والمجتمع لا يمكن أن يستقر إلا إذا كانت هناك أجيال سوية مستقرة تساهم في الرفع من شأنه والوصول به إلى مكان أفضل. وأما عدم استقرار الأسرة وغياب تربية الأب ودوره ووجود أجيال تعاني من المشاكل الناتجة عن التفكك الأسري، والذي ليس ضروريا أن يكون ناتجا عن انفصال الأم والأب، بل قد يكون ثمرة إهمال دور الأب، فإنه حال لا يرضى به الإسلام؛ حيث لا يمكن لطفل كهذا أن ينفع مجتمعه وأمته، أو حتى نفسه.

الأب الحاضر الغائب

تربية الأب الأب الحاضر الغائب

لقد أصبح شائعا هذا النوع من الآباء، وهو الأب الحاضر الغائب الذي لا يهتم بتفاصيل حياة الطفل ولا يعنيه أن يقوم بالدور الموكل إليه ولا يعي أهمية تربية الأب وتأثيرها الكبير على الطفل. وهناك أكثر من صورة لهذا النوع من الآباء، وأهمها ما يلي:

  1. الأب الذي يرى أن دوره لا يتعدى أن يعمل خارج المنزل ويكسب النقود ويوفر للطفل احتياجاته المادية.
  2. الأب الذي يتكاسل عن قضاء وقت، ولو بسيط، مع الطفل ويلقي بالحمل كاملا على الأم.
  3. الأب الذي لا يتواصل مع الطفل إلا في وقت متأخر كثيرا ويجهل أن علاقته به لابد وأن تبدأ باكرا، لا أن تتأخر حتى يبدأ الطفل في التفاعل مع من حوله.
  4. الأب الذي يكون مصدرا للخوف والرعب لا الأمان والثقة، وهو الذي يبخل على طفله بقبلة أو حضن أو حتى ابتسامة، بل هو ذلك الشبح الذي تخيفه به أمه عندما يقترف خطأ ما.
  5. الأب الذي عند تطليقه لزوجته يطلق أطفاله معها ولا يعنيه أن يحصلوا حتى على احتياجاتهم المادية، حيث أنه من الممكن أن لا يكون الأب متواجدا داخل المنزل مع احتفاظه بمكانه في حياة أطفاله وقيامه بدوره الأبوي تجاههم.

وختاما، ننوه على أن تربية الأب لأبنائه ودوره في حياتهم لا يتوقف عند نقطة معينة أو مرحلة ما، بل إنه يستمر مدى الحياة، حيث يظل الأب هو القدوة ومصدر الأمان والحب والحنان والمرشد والناصح والصديق والسند في الشدائد والحاضر في اللحظات المهمة والفارقة والمنخرط في حياة أبنائه يعرف عنها كل صغيرة وكبيرة ولا يقدم عليهم ما سواهم.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

8 − 4 =