تأسيس الدولة العثمانية

عندما نلقي نظرة فاحصة على تأسيس الدولة العثمانية نجد أن عثمان غازي لم يكن المؤسس الوحيد لتلك الدولة العظيمة، بل شارك في تأسيسها معه أبوه أرطغرل بن سليمان شاه وأورخان بن عثمان وذلك لما لكل واحد منهما من دورًا كبير في تثبيت أركان الدولة الناشئة وقتها، وتعتبر الدولة العثمانية هي أكبر الدول الإسلامية اتساعًا منذ فجر الإسلام حيث أنها قد وصلت إلى ذروة قوتها ومجدها في عهد السلطان سليمان المشرع أو القانوني، وقد أعتمد عثمان غازي في تأسيس دولته على سبعة دعائم لم يحيد عنها طوال حياته وسار على نهجه من بعده ابنه أورخان وهذا ما لمسناه بشدة في الوصية الأخيرة التي أوصاها له عند مماته، وعلينا معرفة أن أهم عنصر ساعد على قيام الدولة واستمرارها لأكثر من ستة قرون هو القوة العسكرية، حيث أن الأتراك كانوا بارعين في القتال والجهاد نظرًا لطبيعة معيشتهم الأصلية في آسيا الصغرى وقد عمد السلاطين العثمانيين على تعميق هذه النقطة في قلوبهم حتى لازمتهم طوال تاريخهم.

هجرة الأتراك إلى بلاد الروم

قبل إن نخوض في الحديث عن تأسيس الدولة العثمانية علينا أن نتكلم قليلًا عن كيفية انتقال الأتراك وتدرجهم من قبيلة متجولة إلى دولة وسلطنة عظيمة، في البداية كان الأتراك الذين خرج منهم عثمان غازي يسكنون في بلاد ماهان قرب بلخ، وعندما اكتسحت بلادهم من قبل المغول بقيادة جنكيز خان وتم القضاء على مملكة خرزم هاجر أهلها خائفين من بطشهم، وكان من ضمن المهاجرين الأمير سليمان شاه الذي قصد الدولة السلجوقية في بلاد الروم، حيث أن السلاجقة كانوا في هذه الحقبة أقوياء ويصارعون الدولة البيزنطية من حين لأخر فجذب ذلك سليمان شاه، وأثناء مسيرهم إلى بلاد الروم توفي سليمان شاه في نهر الفرات وتم دفنه، ثم تشاور الأخوة أولاد سليمان شاه وهم أرطغرل وسنقور زنكي وكون طوغدي في مواصلة الطريق أو العودة، فأتفق سنقور وطوغدي على العودة إلى خراسان على النقيض من أرطغرل الذي أصر على المضي في طريقه قدمًا.

وعندما دخل الأناضول أرسل ولده صاروبني إلى سلطان السلاجقة علاء الدين كيقباد يستأذنه في دخول بلاده وإعطائه موضع صالح للسكن لهم، وأثناء سير صاروبني وفاته المنية في الطريق وفي نفس الوقت كان أرطغرل يمر في طريقه فوجد جيشان يقتتلان، الأول تابع للدولة السلجوقية الإسلامية والثاني للدولة البيزنطية فتدخل أرطغرل سريعًا وأنقذ المسلمين من خطر الهزيمة فأعجب بذلك كثيرًا علاء الدين وأقطعه قطعة من بلاده، وهذه كانت النواة الأولى لتأسيس الدولة العثمانية .

تولي عثمان الإمارة بعد وفاة أبيه

تأسيس الدولة العثمانية تولي عثمان الإمارة بعد وفاة أبيه

بعدما سكن الأتراك هذه القطعة التي أعطاهم إياها علاء الدين كيقباد قام أرطغرل بالتصدي للبيزنطيين دائمًا نظرًا لموقعه الحساس على الحدود بين الدولتين، ثم بعدها بدأ في فتوحاته في المنطقة حتى ضم بعض القلاع والحصون إلى حوزته وصار أمير القبائل في المنطقة، بعدها توفى أرطغرل عن عمر يناهز الثلاثة وتسعين عام ثم تولى ابنه عثمان غازي الإمارة بعده بقرار من السلطان السلجوقي، وهكذا يكون أرطغرل هو الممهد لطريق الدولة الجديدة لكي يسير على خطاه ابنه عثمان من بعده، وبالفعل استمر عثمان على نهج أبيه وفتح القلاع والحصون والأراضي وازدادت المناطق التي تحت إمرته حتى كان موعد سقوط الدولة السلجوقية وبداية تأسيس الدولة العثمانية ، فبطبيعة الحال كانت الدولة السلجوقية محصورة بين الدولة البيزنطية والدولة المغولية الأخذة في التوسع والنمو.

وبالتالي جرت معارك كثيرة بين كلا الدولتين ولكن المغول كانوا ذو أعداد كبيرة وقوة عسكرية ضخمة ومدربة على أكمل وجه، فكانت المعارك بينهم سجالًا إلى أن حدثت إحدى المعارك الكبيرة التي انتهت بانتصار المغول وزوال شمس الدولة السلجوقية نهائيًا، وفي هذه اللحظة تفرقت القبائل التي كانت تتبع الدولة السلجوقية وحاول كلًا منهم تأسيس دولته الجديدة ولكن لم يتمكن من فعل ذلك سوى عثمان غازي، فهو بفضل حنكته وذكاءه الشديد تمكن من ضم الكثير من القبائل تحت زعامته وقام بتأسيس الدولة التي حملت اسمه الدولة العثمانية.

عوامل نمو و تأسيس الدولة العثمانية

بالطبع عزيزي القارئ لم تتأسس الدولة العثمانية وتنمو من تلقاء نفسها بل كانت هناك عدة عوامل جعلتها تصل إلى ما وصلت إليه، وبالطبع هذه العوامل كثيرة جدًا ولكننا سنقوم هنا بذكر أهم هذه العوامل والتي أستطاع عثمان غازي استثمارها وتنميتها على أكمل وجه، حتى غدت الدولة عظيمة ومترامية الأطراف في آسيا وإفريقيا وأوروبا، ومن ضمن هذه العوامل هو استثمار العقيدة الدينية.

استثمار العقيدة الدينية

كانت لدى الأتراك عقيدة دينية إسلامية عظيمة تملأ قلوبهم ولذلك عمل عثمان غازي على استثمار تلك العقيدة، فكان يتخذ من مبادئ الإسلام نبراسًا له في حياته وحكمه يستشير الفقهاء المسلمين دائمًا في كل أمور الحياة، ويعدل بين رعيته فلا يظلم أحد ولا يميل لقبيلة أو فرد على فرد أخر، ومع الوقت تم ترجمت هذه العقيدة إلى فتوحات إسلامية تعمل على نشر الإسلام في شتى بقاع الأرض فبدئوا بالمناطق المجاورة لهم، وأنشئت جمعية الإخوة الإسلامية في أنحاء الأناضول التي تعاونت على الجهاد في سبيل الله ونشر الدين الإسلامي قدر الإمكان، ولقد لمس المؤرخون من أعضاء هذه الجمعية حب الغير والإيثار الشديد الذي لم يكن له مثيل وهذا ما ذكره لنا الرحالة ابن بطوطه عندما سافر إلى الأناضول، فكانوا يتخذون شعار “فضل أخاك عن نفسك” وهذا ما أدى إلى الانتصارات الدائمة في معاركهم مع البيزنطيين.

الروح العسكرية القوية

كان من أسباب تأسيس الدولة العثمانية ونموها هي الروح العسكرية القوية حيث أن الأتراك العثمانيين كانوا يتمتعون بروح عسكرية لم يسبق لها مثيل كما قلنا من قبل، وهذا بفضل طبيعة معيشتهم في آسيا الصغرى من جدب الحياة والعيش في الجبال والهضاب، ولذا عمل السلاطين العثمانيين بداية من عثمان غازي على استثمار العقيدة الدينية مع الروح العسكرية في مزيج واحد لنرى انتصارات مدوية فاقت الإسكندر الأكبر وجنكيز خان، والتقدم على هؤلاء الملوك لم يكن من فراغ بل بسبب التشابه في الانتصار والتقدم مع قلة العدد والعدة والعتاد، حتى تمكنوا من إسقاط الدولة البيزنطية العتيقة.

استثمار الأوضاع السياسية وقتذاك

من الأسباب الهامة التي أدت إلى تأسيس الدولة العثمانية من قبل عثمان غازي هو استثماره الجيد للأوضاع السياسية في ذلك الوقت، حيث أنه كانت تدور صراعات كبيرة بين الدولة السلجوقية والدولة البيزنطية طوال الوقت، هذا بجانب تعرض كلا الدولتين للغزو الخارجي من ناحية أخرى فالبيزنطية تتعرض للغزو اللاتيني والسلجوقية تتعرض للغزو المغولي، كل هذه الحروب أنهكت من قوى الدولتين وأصبح على شفا حفرة من الهلاك وهذا ما عمل عثمان غازي على استغلاله جيدًا، فكل الظروف كانت مهيأة لاستقبال دولة جديدة في المنطقة تزيل آثار الدولتين الضعيفتين وتوطد أركان الدولة الجديدة مكانهم.

الحنكة الإدارية والسياسية لعثمان غازي

كان الأمير عثمان غازي يتمتع بحنكة وذكاء ودهاء شديد للغاية هذا بجانب الإخلاص والحكمة والصبر والعدل والإيمان القوي، كل هذه مكنه من استثمار الظروف الموجودة في المنطقة واستغلالها أحسن استغلال، فقد أظهر هذا الأمير قوة خارقة في وضع النظام الإدارية لإمارته حتى قطع العثمانيون في عهده مشوارًا كبيرًا في طريق التحول من قبيلة متجولة في بلاد الروم إلى إمارة مستقرة ومستقلة بذاتها، ولا ننسى أن هذا الأمير لم يعمل على محاربة أو عداوة القبائل والإمارات المسلمة المجاورة له، وذلك لأنه كان يريد الاتحاد والتعاون من أجل القضاء على وكر الفساد والدسائس وهي الدولة البيزنطية، ولن يتم ذلك بواسطة قبيلة واحدة فقط بل يلزمهم الاتحاد والانصهار مع القبائل المجاورة حتى يكونوا جبهة قوية يستطيعون من خلالها مجابهة الدولة البيزنطية العتيقة.

العامل الجغرافي الهام

تأسيس الدولة العثمانية العامل الجغرافي الهام

من عوامل تأسيس الدولة العثمانية هو موقعها الجغرافي الهام حيث أنها كانت تقع في الجزء الشمالي الغربي لشبه جزيرة الأناضول، وهذا يمثل الحدود الفاصلة بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي، وقد أثر ذلك الموقع كثيرًا في السياسة الحربية للأتراك العثمانيون في تلك المنطقة، فكان لزامًا عليهم التوسع لحفظ كيانهم بين القوى المحيطة بهم وهذا على النقيض من الإمارات والقبائل الداخلية في الدولة السلجوقية، فكيف أو على ماذا سيقومون بالتوسع وهم بداخل الدولة وكل من حولهم هم من المسلمين التابعين لنفس الدولة وهي الدولة السلجوقية، فبذلك توافرت للدولة العثمانية سبل التطور والنمو التي أحسن استغلالها الأمير عثمان غازي، فقد استطاع أن يحرز انتصارات عسكرية عديدة على الإمارات البيزنطية، الأمر الذي جعله موضع اهتمام وتقدير من قبل السلطان علاء الدين كيقباد فمنحه الألقاب الشرفية دائمة وأهمها “عثمان غازي حضرتلي مرزبان عاليجاه عثمان شاه”، وهذا يعني حضرة عثمان غازي حارس الحدود العالي الجاه عثمان شاه.

عظم فريضة الجهاد عند العثمانيين

كان الجهاد أمر معظم لدى العثمانيين وهو ما ساعدهم على النمو ومن ثم تأسيس الدولة العثمانية العظيمة، فقد كانوا يصبغون أعمالهم بصبغة الجهاد تجاه دار الحرب أو بلاد الكفر ويقصد بها الدولة البيزنطية، فكانوا لا يقومون بأي انتصار حربي عليهم إلا ويرسلون إلى المسلمين في كافة أنحاء العالم الإسلامي يعلموهم بهذا الفتح، وهذا ما زاد من مكانتهم كثيرًا في قلوب المسلمين حتى خضعوا للحكم العثماني عند دخوله إلى أي بلد إسلامي عربي أو غير عربي، فانهالت عليهم تيارات المتطوعين من أخوتهم الأتراك خاصة والعرب بشكل عام للانضمام لجيوشهم الحربية، ومن ضمن الدول التي كان يرسل إليها وفود إبلاغ الانتصارات هي الدولة العباسية في العراق والمماليك في مصر والشام، وما زالت بعضًا من هذه المكاتبات محفوظة في السجلات العثمانية إلى الآن.

انهيار الدولة السلجوقية

في العام الأخير من القرن الثالث عشر أغارت جيوش المغول على الدولة السلجوقية غارة عظيمة لم تصمد أمامها هذه الدولة وكان ذلك إيذانًا بغروب شمس السلاجقة وشروق شمس العثمانيين، فأدى ذلك إلى استقلال الأمراء الذين كانوا خاضعين تحت إمرتها واتجه كل منهم إلى تأسيس دولته الجديدة المستقلة، ولكن لم يستطيع فعل ذلك إلا عثمان غازي بفضل ذكائه وحنكته السياسية في معالجة الأمور التي كان يتعرض لها، فرسم سياسته بمصاهرة الحكام المجاورين وتجنيد المغامرين والمجاهدين في سبيل الله لكي يتوسعوا ويحفظوا وجودهم في المنطقة قدر الإمكان، وبذلك تكون قد تأسست الدولة العثمانية.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

اثنا عشر + 20 =