تسعة
الرئيسية » اعرف اكثر » تعرف على » انتقال المشاعر : كيف تؤثر الأشياء التي حولك عليك ؟

انتقال المشاعر : كيف تؤثر الأشياء التي حولك عليك ؟

انتقال المشاعر ريما يكون أمرًا خياليًا عند النظر إليه من الوهلة الأولى، لكن العلم أثبت أن أشياء من هذا القبيل تحدث لنا على الدوام، نبحث الأمر هنا بالتفصيل.

انتقال المشاعر

انتقال المشاعر ، هل يعتبر هذا المصطلح غريبا بعض الشيء؟ انتقال العدوى أو البكتريا أو الفيروسات يبدو واقعيا أكثر. فنحن نفزع عندما يعطس شخص مريض في وجهنا خوفا من انتقال الفيروسات إلينا عبر الهواء من خلال رذاذ عطسته. ونهرع بسرعة إلى إخفاء أوجهنا وغسلها سريعا قبل أن نصاب نحن أيضا بالعدوى. فنحن نعرف أن الفيروسات أو البكتيريا موجودة، ونعرف أنها تحمل الأمراض وأنها قد تصيبنا بها. لكن كيف هو الحال مع انتقال المشاعر، هل تنتقل المشاعر كالعدوى فعلا؟! هل جلوسنا مع شخص سعيد قد يصيبنا بالسعادة، وجلوسنا مع شخص حزين قد يصيبنا بالحزن؟! وإذا كان هذا صحيحا حقا، فهل هناك بكتيريا تحمل عدوى الحزن أو السعادة إذا أم ماذا؟! هذا المقال سيحاول أن يجد إجابات لتلك الأسئلة، وسيحاول أن يعرف إذا كان انتقال المشاعر حقيقيا أم لا.

حقيقة انتقال المشاعر

عدوى المشاعر

انتقال المشاعر هو أمر حقيقي جدا ويوجد مصطلح لوصفه في علم النفس، وهو عدوى المشاعر. وهذا المصطلح يستخدم عندما تحفز تصرفات ومشاعر شخص ما، تصرفات ومشاعر مشابهة لدى شخص آخر. فهل تذكر مثلا عندما كنت مرحا وتتحدث ببساطة حتى جاء صديقك الذي حدثت له مأساة كبيرة في حياته وأخذ يحدثك عنها كثيرا، فأصبحت أنت أيضا حزينا جدا. أو حينما كنت سعيدا مع أصدقائك في العمل، حتى جاء مديرك الغاضب الذي ينتقد كل شئ تفعلونه ويغضب من أبسط الأشياء. حينها انقلب مزاجكم وأصبحتم أنتم أيضا غاضبين وعصبيين، وأصبحتم تنتقدون معظم الأشياء التي أمامكم. تماما كما فعل مديركم، وربما خزنت مشاعرك هذه حتى عودتك إلى المنزل وإخراجها على زوجتك وأولادك! هذه المواقف هي أمثلة قريبة جدا لمعنى انتقال المشاعر . فالصديق الحزين لمأساته قد نقل إلييكم حزنه والمدير الغاضب العصبي قد نقل إليكم غضبه وعصبيته، كما انتقل الفيروس أو الميكروب من الشخص المريض إلى الشخص السليم.

ولكن إذا كان انتقال الأمراض الجسدية يكون عن طريق فيروسات وميكروبات، كيف يحدث انتقال المشاعر؟!

المحاكاة

انتقال المشاعر يحدث نتيجة صفة بشرية هامة جدا وهي المحاكاة. يستخدم البشر هذه الطريقة – بوعي أو بدون وعي- للحصول على القبول الاجتماعي بين الأشخاص الآخرين. ففي تجربة نفسية لاختبار ظاهرة المحاكاة هذه، قام أحد الباحثين بوضع بعض الأشخاص في عيادة أحد الدكاترة. وأخبر الباحثون هؤلاء الأشخاص أن يقوموا بالوقوف عند سماع صوت الجرس. وكان هناك صوت جرس ينطلق كل خمس دقائق. كانت القاعة مقتصرة على هؤلاء الأشخاص الذين يقفون كل خمس دقائق عند سماع صوت الجرس لأن هذا ما طُلب منهم للقيام بالتجربة.

بعد أن تم ضبط الموقع بالأشخاص بالشروط، ودخل أول شخص إلى العيادة، تم دق الجرس. هذا الشخص الجديد لم يكن لديه علم بالشروط، لكنه وجد جميع من في الغرفة قد قاموا بالوقوف عند سماع صوت الجرس. لم ينتظر هذا الشخص الجديد طويلا حتى قام بالوقوف معهم، والوقوف مجددا عند سماع صوت الجرس في كل مرة. جاء المزيد من الأشخاص إلى العيادة، وكان يصدر منهم نفس رد الفعل، وينتهي الأمر بوقوفهم عند سماع الجري كما يفعل أقرانهم. بعد فترة قصيرة، كان الأشخاص المشاركون بالتجربة قد خرجوا جميعا من العيادة، ولم يبق سوى الأشخاص الذين لا يعرفون لماذا يقفون عند سماع صوت الجرس. وعندما أتى شخص جديد إلى العيادة، وتم دق الجرس، قام هؤلاء الأشخاص بالوقوف عند سماعه! بالرغم من أنهم لا يعلمون لماذا وقفوا في البداية، وبالرغم من أن الأشخاص الذين كانوا يقفون قبلهم قد ذهبوا جميعا! واستمرت هذه الظاهرة مستمرة مع كل شخص جديد يأتي إلى العيادة ويسمع صوت الجرس.

القبول المجتمعي

بعد انتهاء التجربة النفسية، وعندما تم سؤال الأشخاص الذين قاموا بمحاكاة فعل الوقوف دون أن يعرفوا السبب وراء وقوفهم، كانت معظم إجاباتهم هي أنهم وجدوا الآخرين يفعلون كذلك، ولم يريدوا أن يكونوا مختلفين عنهم أو أن يشعر الآخرين بنفور تجاههم. لذلك كانوا يحاكون هذا الفعل بالرغم من عدم معرفتهم سبب فعله. إذا، كان فعل المحاكاة غرضه الأول هو الحصول على القبول الاجتماعي عن طريق الأشخاص الآخرين. فإن انتقال المشاعر الذي ينشأ نتيجة المحاكاة – سواءا كنا واعيين بهذا أو لا – فإن غرضه الأساسي هو الحصول على القبول المجتمعي عن طريق الأشخاص الذين نتحدث معهم. فتخيل مثلا أنك رسمت ابتسامة عريضة لصديقك الذي يحكي لك مآسيه، أو أنك ألقيت بمزحة أمام مديرك الغاضب! بالطبع نحن أذكى من أن نفعل ذلك. لكن الحقيقة هي أننا لسنا نحن من نفعل ذلك، وإنما تلك الرغبة الملحة بداخلنا للحصول على القبول المجتمعي هي التي تدفعنا لمحاكاة مشاعر الآخرين.

هذه المحاكاة لا تكون في الأفعال أو المشاعر فقط، بل تكون أيضا في انفعالات الوجه وربما ردود فعل جسدية أيضا. فإذا شاهدت شخصا يتعرض لحادثه في قدمه مثلا أو حكى لك شخص عن ألم في ذراعه، ربما تشرع ببعض الألم في تلك المناطق. وإذا حدثك أحد عن شيء مقزز أو غير مريح، وكانت انفعالات وجهه تدل على عدم ارتياحه، ستتمكن من ملاحظة تغير انفعالات وجهك أنت أيضا لتحاكي انفعالات وجه هذا الشخص. وتكون ملاحظة هذه المحاكاة أوضح بكثير في محادثة شخصين أمامك.

ولكن هذه الرغبة في القبول المجتمعي ليست دائمة مفيدة أو جيدة من أجلنا، فكثير من المشاعر السلبية تجد طريقا سريعا إلينا وقد تحيل حياتنا إلى قطعة سوداوية لا نتمكن من رؤية الأشياء الجيدة فيها، وهذا سيؤثر حتما على طريقة تفاعلنا مع أحدث الحياة، وبالتأكيد سيؤثر أيضا على علاقاتنا بالأشخاص الذي نحبهم، والأشخاص الذي نتعامل معهم في حياتنا. كما في موقف المدير الغاضب مثلا.

المشاعر الإيجابية

ربما كان معظم أمثلتنا عن انتقال المشاعر هو عن المشاعر السلبية، كصديقك الحزين أو مديرك الغاضب، ولكن انتقال المشاعر لا يقتصر على المشاعر السلبية فقط. المشاعر الإيجابية تنتقل أيضا إلى الآخرين ويحاول الأشخاص محاكاتها للقبول المجتمعي من جهة، ولما تسببه هذه المشاعر من تحسين للحالة المزاجية وللإحساس بالرضا عموما. فهل تذكر مثلا ذلك المدرس شديد الحماس الذي كان يشرككم في كل شيء تتعلمونه ويهتم كثيرا بكم؟ هل تتذكرون كيف كانت طاقته تجعلكم تتحملون ساعات الدوام الثقيلة جدا؟ هل تتذكرون ذلك الشخص الذي كان يؤمن دائما أن كل شيء ممكن، وأن بإمكانكم تحقيق أي شيء؟ وكان يدفعكم بالقوة إن لزم الأمر لتتحلوا بتلك الثقة التي لديه؟ وهل تتذكرون الخطابات التحميسية ومقاطع الفيديو التشجيعية، وخطاب آرثر لوثر كينج الشهر “أنا عندي حلم”؟ كل هذه الأشياء هي أمثلة للطاقة الإيجابية التي تنتقل إليكم من خلال الآخرين، والتي تدفعكم لمحاكاتها للأسباب السابقة.

ولكن، هل لاحظتم أن المشاعر الإيجابية ينمحي أثرها سريعا؟! أقصد، هل تذكرون المدة التي أثر بها خطاب آرثر لوثر كينج عليكم؟ هل لا زال تأثير الأستاذ النشيط ساريا حتى الآن، أو حتى بعد الدوام الدراسي حينها أصلا؟! وفي المقابل، هل تتذكرون عصبية مديركم؟ وهل لا زال هذا يؤثر على حالتكم المزاجية حتى اللحظة التي تعودون فيها إلى منزلكم؟! لماذا يحدث هذا إذا؟! لماذا انتقال المشاعر السلبية يدوم لفترة أطول من انتقال المشاعر الإيجابية؟

كل شيء يعود إلى الهرمونات

على المدى البعيد، أثبتت الدراسات أن تأثير المشاعر يتساوى في كلا الحالتين، السلبية والإيجابية. فهناك دراسة أجريت على الأشخاص الذين ربحوا في اليانصيب (مسابقة جوائزها تصل إلى ملايين الدولارات)، في مقابل الأشخاص الذي لم يربحوا على مدار سنة كاملة. في نهاية تلك السنة، كانت سعادة المجموعتين متساوية، هؤلاء الذين ربحوا وهؤلاء الذين لم يربحوا. ولكن على المستوى القريب، تكون قوة المشاعر السلبية أقوى وأطول من المشاعر الإيجابية. فمتعة الزواج الجديد قد تنتهي بعد فترة طويلة، لكن ألم فقدان شخص عزيز قد يمتد لعدة سنوات. لماذا هذا الفرق إذا على الجانب القريب، وأحيانا البعيد؟

ربما كان السبب وراء هذه التفرقة بين انتقال المشاعر السلبية وبين انتقال المشاعر الإيجابية يعود إلى طريقة إفراز الهرمونات الناتجة عن كل نوع من انتقال المشاعر. ففي حالة المشاعر الإيجابية، يتعلق الأمر غالبا بشيء قد حدث وانتهى. الفوز بجائزة ما، أو الحصول على شيء معين أو الوصول إلى هدف تخطط له منذ فترة. بينما المشاعر السلبية تكون عادة بشيء يحدث ويستمر لفترة طويلة. كمديرك الغاضب الذي سيظل غاضبا طوال الوقت، أو حالتك المادية السيئة التي ستحتاج إلى بعض الوقت لتتحسن، أو فقدانك لشخص عزيز لن يعيده شيء مرة أخرى.

في حالة المشاعر الإيجابية، يتم إفراز هرمون الدوبامين والأكسيتوسين (المسئولين عن السعادة وأشياء أخرى)، ولكنه ينتهي سريعا، لمدة لا تتخطى عدة ساعات أو أيام بالكثير جدا. لكن المشاعر السلبية تحفز إفراز هرمونات الأدرينالين والدوبامين (الذي يعمل على تحفيز الدماغ في تلك الحالة)، ويظل إفراز هذه الهرمونات مستمرا طوال فترة استمرار الحالة المحيطة أو الحدث السيئ. ربما يكون هذا هو السبب الأول وراء استمرار المشاعر السلبية لمدة أطول من المشاعر الإيجابية.

كن شخصا إيجابيا

الغالب في انتقال المشاعر، هو أنه يحدث غالبا بدون وعى من الشخص المتأثر. فأنت قد تشعر بإحساس قاتم أو حزن عميق، دون أن تتمكن من معرفة السبب الأساسي وراء هذا الإحساس. وربما لا تدرك أن هذا التغيير كان سببه شخص ما، أو مجموعة ما. وإذا لم تتمكن من التقاط تلك الأحاسيس عند إصابتك بها، قد تتحول إلى شخص ذا تأثير سلبي على حياتك وعلى الأشخاص المحيطين بك. وبدلا من أن تكون أنت الشخص المتأثر بالمشاعر السلبية، قد تصير أنت مصدر المشاعر السلبية. كيف تصبح شخصا إيجابيا إذا؟ أو كيف تحافظ على مشاعرك الإيجابية من التبخر؟

عندما تشعر بغزو المشاعر السلبية لك، توقف قليلا وراجع أحداث يومك بروية. وحاول التذكر جيدا السبب أو الوقت الذي تحولت فيه مشاعرك إلى السلبية. أن تكون واعيا بمشاعرك وطريقة تكونها هي خطوة أساسية في إمكانية التحكم بها ومحاولة تسييرها كما نريد. فنحن – عكس ما نعتقد – لا نتحكم في مشاعرنا بالشكل الذي نظنه، فكما أوضحت نظرية عدوى المشاعر، الأشياء التي حولنا تتحكم فيها أكثر منا. لا تترك المشاعر السلبية أو بقايا المواقف السيئة تكمل معك إلى نهاية اليوم، ولا تتركها تحزنك أو تكون سببا لحزن أحبائك دون مبرر.

كوسيلة أخرى للإبقاء على مشاعرك الإيجابية، أحط نفسك بأسباب السعادة والفرحة. فهرمون الأكسيتوسين ينتهي مفعوله بسرعة ويحتاج إلى دفعة كل حين وحين، فإذا كنت تعطي نفسك فرصة للسعادة مرة كل حين وحين، لا تعتقد أنك ستتمكن من مواجهة المشاعر السلبية بتلك الطريقة. فحاول دائما أن تتفاعل مع الأشخاص الإيجابيين والمحافظة على حالتك النفسية مرتفعة.

وفي آخر محاولة، إذا استطعت أن تراجع أفعالك وتصرفاتك قبل صدورها عنك، حاول إذا أن تدر س تأثيرها وطريقتها على نفسك وعلى الأشخاص المحيطين بك. عندما تتمكن من التفكير في تصرفك القادم، فكر في طريقة تجعلها أكثر إيجابية وأريحية للشخص المقابل لك. فأنت تكون شخصا إيجابيا يعطيك أيضا نف القدر من السعادة الذي يعطيه لك شخص آخر. فلا تبخل على نفسك وعلى غيرك في محاولات السعادة القليلة التي نحاول اقتناصها من براثن الحياة المليئة بالدراما.

أفنان سلطان

طالبة جامعية، أهوى القراءة واعتدت الكتابة كثيرا منذ صغري. على أعتاب التخرج ولا أدري بعد ماذا سأفعل.

أضف تعليق

خمسة − ثلاثة =