المقارنة بالآخرين

المقارنة بالآخرين سلوك متكرر في حياتنا اليومية، جميعنا نفعل ذلك طوال حياتنا، فتلك هي طبيعتنا، وستظل طبيعتنا ما دمنا لا نعيش بمفردنا في جزر منفصلة، فالإنسان كائن اجتماعي يحب الانتماء إلى الجماعات والتوحد معها، ولضمان هذا التآلف يبحث الإنسان عما يجمعه بهؤلاء الآخرين، فيبحث عن الجانب المشترك بينهم، وتختلف دوافع المقارنة بالآخرين وتتعدد، ومنها ما هو جيد ونبيل ومنها ما هو ضار ومهلك، وتعمل التنافسية التي فطرنا عليها على زيادة حدة المقارنة بالآخرين وتكرارها، وتتسع مساحة المقارنة بالآخرين لتتجاوز الممتلكات، فلا يمكن قصرها على مقارنة ما لديك من عقارات وسيارة وخلافه بما لدى الآخرين حولك، فالأمر أكبر من ذلك بكثير، فحتى أكثر المجتمعات فقرا لا تخلو من المقارنات، كما تمتد الْمُقَارَنَةُ بالآخرين إلى المقارنة بين الأزواج، وكثيرا ما تتسبب في العداء بين الأخوة والأصدقاء، وسنتحدث في هذا المقال عن المُقارنّة بالآخَرين بأنواعها، سنناقش فوائدها وأضرارها، وسنمنحك الطريقة المثالية للتوقف عن ذلك عندما يتحول إلى عقدة تتسم بالهوس، فاقرأ معنا بعناية.

أسباب المقارنة بالآخرين

المقارنة بالآخرين أسباب المقارنة بالآخرين

أسباب المقارنة بالآخرين هي حجر الأساس في التعامل معها، فلا يمكن اعتبارها سلوكا إيجابيا نافعا أو سلبيا ضارا بشكل مطلق، فيتوقف أمر المُقارنّة بالآخَرين على أسبابها ودوافعها، فمن الأسباب ما يجعلها عملا نافعا، ومن الأسباب ما يجعلها معولا تهدم به حياتك رأسا على عقب، وتعد الرغبة في تطوير الذات من أسباب المقارنة بالآخرين الجيدة، وذلك عندما نقارن قدراتنا وأعمالنا ومواهبنا، ومن الأسباب الجيدة للمقارنة أن نبحث خلالها عما يجمعنا بالبشر، فلدينا جميعا الرغبة في كسر حالة الاغتراب والوحدة، فقد تبحث حتى عمن يشاركونك تفضيل مطرب أو كاتب معين، ففي ذلك نجد الشعور بالألفة والحميمية ودفء الجماعات، كما قد يكون سبب المقارنة بالآخرين هو البحث عن الرضا وتقدير ما لدينا، وتنقلب المقارنة بالآخرين إلى نقمة عندما تتغير أسبابها، ومن أسبابها الضارة التنافس العدائي، والمقصود منه المقارنة بالآخرين التي تؤدي إلى تقييم البشر وترتيبهم، فنظن أن من يمتلك شيء معين هو الأفضل والعكس، ويعد جلد الذات من الأسباب السيئة أيضا.

عقدة المقارنة بالآخرين

تحدثنا عن أسباب المُقارنّة بالآخَرين المختلفة، وناقشنا كيف تتراوح بين الأسباب الإيجابية النافعة والأسباب السلبية الهدامة، ويحدث أن تتحول المُقارنّة بالآخَرين إلى نوع من الهوس، وحينها تصبح عقدة لدى البعض، ويصعب التخلص منها، فلا تكون المقارنة بالآخرين بالنسبة لهم إجراءا عابرا، بل تصبح عادة يومية متكررة، ويمارسونها في أتفه نواحي الحياة، وتجدهم يقارنون أنفسهم بالآخرين في كل كبيرة وصغيرة، والأسوأ من ذلك هو عدم قدرتهم على الامتناع عن تلك المقارنات، فيصبحوا مع الوقت أسرى المقارنة بالآخرين، ولا تساعدهم معرفة أضرار ذلك على التوقف عنها، فيشعرون بالسوء تجاه أنفسهم بعد المقارنة بالآخرين، ويستمرون في ذلك إلى ما لا نهاية، ويتضاعف تأثير عقدة المقارنة بالآخرين عندما تكون أسبابها سلبية، فمن يقارن نفسه بالآخرين بهدف تطوير الذات يصعب عليه الاستمرار كثيرا، فكل صور المقارنة بالآخرين تدفعه إلى بذل المزيد من الجهد في التطور والتعلم، بينما لا تكلف عقدة المُقارنّة بالآخَرين السلبية سوى البكاء، فيظل الشخص يقارن نفسه بالآخرين حزينا مكدودا.

سلبيات المقارنة

سلبيات المقارنة بالآخرين كثيرة، وهي أكثر شيوعا من الإيجابيات، وذلك على الرغم من سهولة الاستفادة منها، لكن ما يحدث في الواقع هو شيوع المُقارنّة بالآخَرين من نواح سلبية، لذا نخصص هذه الفقرة للحديث عن السلبيات، ولعلك تلاحظ كيف تنتشر المقارنة بالآخرين لأسباب وضيعة، فيحدث أن ترى الغيرة في أعين بعض الزملاء وهم يتطفلون على حياتك، فيسألونك عن دخلك الشهري وممتلكاتك وربما يسألون عن مقدار سعادتك في علاقتك الزوجية، حتى يصل الأمر بالبعض إلى مقارنة المستوى الدراسي لأبنائهم بمستوى أبناء الآخرين، وهو فعل سلبي يهدم مل شيء، فبداية يهدم علاقتهم بالآخرين، كما يهدم سعادتهم بما لديهم من إنجازات وممتلكات، فتضيع سعادتهم بما لديهم، ولا تقف سلبيات المقارنة بالآخر عند هذا الحد، بل تمتد لتشمل النقمة على حياتنا، وتتجاوز حدود ذلك لدى البعض لتصبح سببا في الشعور بالاضطهاد وتعليق الفشل على بوابة سوء الحظ، وتؤدي أيضا إلى الشعور بالنقص، وعادة ما يتبع ذلك السلوكيات العدائية التي تنتهي بالشجار والمشاحنة والبغضاء.

المقارنة في الحياة الزوجية

لعل أخطر صور المُقارنّة بالآخَرين هي المقارنة في الحياة الزوجية، فكثيرا ما تهدم البيوت وتخرب الحياة الأسرية بطريقة جنونية، ويصعب ممارستها بشكل عقلاني من الأصل، إذ تغلب العاطفة والانفعال في هذا الدرب، بل وتنتصر على ما تراه العين ويقنع العقل، فالحياة الزوجية هي حياة خاصة مهما بلغ القرب منها، فمهما رأيت منها تظل هناك جوانب مخفية ومستورة، ولا يعقل المُقارنّة بالآخَرين فيما لا تمتلك كل المعلومات بشأنه، فقد تنظر إلى زوجة جميلة هادئة وتتمنى لو كانت زوجتك مثلها في بعض الأمور، لكنك لا تعرف كل شيء عن هذه الزوجة التي تراها، ولن تراها في جميع الحالات حتى لو كنت أخيها الأكبر، كما أننا نغفل السياق المختلف والظروف الخاصة والتي لها عظيم الأثر على النتائج، فينتهي بنا الحال إلى المُقارنّة بالآخَرين بطريقة غير عادلة، ونتأثر بالنتائج المغلوطة، فتنعكس على سلوكنا وطريقتنا في التصرف في العلاقة الزوجية، ومن الحمقى من يتحدثون عن تلك المقارنات أمام الطرف الآخر فيخسرون.

كيف أتوقف عن مقارنة نفسي بالآخرين؟

تحدثنا عن المقارنة بالآخرين من عدة نواح، وحتى الآن لم نذكر فوائدها وإيجابياتها، وسنتحدث عن تلك الفوائد بالطبع، فسلبيات المُقارنّة بالآخَرين هي الأكثر حضورا في حياتنا اليومية، وإن كنت من هؤلاء الذين أشقتهم المقارنة بالآخرين وأفسدت حياتهم فهذه الفقرة مخصصة لك، سنشرح لك فيها كيف تتوقف عن المُقارنّة بالآخَرين بسهولة، وذلك قبل أن يتطور الأمر ويصبح عقدة عصية على الحل، فيمكنك إيقاف تلك المعاناة قبل التمادي فيها، فقط تحتاج إلى الوعي بأضرار المقارنة بالآخرين وسلبياتها، فتساعدك معرفة ما تخسره من خلالها على التقليل منها مبدئيا، وبعد ذلك يأتي دور بناء الحصن المنيع من هذا العدو الوحشي الذي يسرق حياتنا، والحصن المقصود هو التسليم بحتمية وجود عيوب ونواقص في شخصياتنا، وأننا أبدا لن نكون الأفضل في كل شيء، وأن الاعتقاد بذلك لا يعني الغرور فقط بل يمثل السذاجة، وأخيرا يمكنك تحويل المُقارنّة بالآخَرين إلى النوع الإيجابي منها، وذلك بممارستها بهدف تطوير الذات والتغيير للأفضل دوما.

لماذا من المفيد ممارسة مقارنة نفسك مع الآخرين؟

المقارنة بالآخرين لماذا من المفيد ممارسة مقارنة نفسك مع الآخرين؟

تظل هناك فائدة كبرى من المُقارنّة بالآخَرين بالرغم من شيوع سلبياتها، ذلك أن المقارنة بالآخرين هي وسيلة جيدة لمواجهة الذات في بعض الأحيان، فقد تساعدك المُقارنّة بالآخَرين على ملاحظة جوانب القصور لديك، فترى الزملاء في مثل عمرك وقد حققوا الكثير من الإنجازات، ثم تبصر فشلك وتأخرك عنهم، فتشعر حينها بضرورة العودة إلى مسار التقدم، وتقاوم أسباب تعثرك لتنهض وتلحق بالركب، فتسعى إلى تحقيق النجاح مثلهم، وتسعى إلى التفوق عليهم أيضا، وهي غاية نبيلة مادام التنافس شريفا، ويظل التفوق هدفا مشروعا ما دمت لا تتمنى تحقيقه عن طريق عرقلة الآخرين، وتساعدك المُقارنّة بالآخَرين في النواحي التي تتفوق فيها عليهم على السعادة بما لديك، وتضاعف شعورك بالرضا عن مستواك وحياتك، وهي المشاعر الضرورية للعمل بهدوء وبال رائق يساعدك على التقدم والتطور، فتلك المشاعر هي ما تحميك من القلق والتوتر وجلد الذات، كما تؤدي إلى زيادة ثقتك بنفسك وبقدراتك، فتلك هي المقارنة النافعة، والتي يجب استثمارها.

في النهاية تظل المُقارنّة بالآخَرين سلاح ذو حدين، ويمكنك الاختيار بين استعماله لخدمتك وتحقيق النفع لك أو استعماله ضدك، فيمكنك بناء حياة ناجحة ممتلئة بالإنجاز والتقدم عن طريق المُقارنّة بالآخَرين، ويمكنك أن تهدم بها ما لديك من سعادة ورضا وثقة بالنفس، فحين تتحول المقارنة بالآخرين إلى عقدة ونوع من الهوس تصبح حياتك جحيما أبديا، وتتمركز المُقارنّة بالآخَرين حول أسبابها ودوافعها، فتكون أحيانا بهدف التطور والتعلم فتنير حياتك، وأحيانا ما تكون بهدف التعالي والتكبر فينقلب السحر على الساحر، وفي الحالة الأخيرة لا تجني من المقارنة بالآخرين سوى السلبيات، وأهم تلك السلبيات هي الغضب والنقمة والتخلف وعداء الجميع، ويزداد الأمر سوءا عندما تحدث المقارنة بالآخرين في إطار العلاقات الزوجية، ذلك لطبيعة المقارنة المنقوصة، وعندها قد تهدم أسرتك بنفسك، ويصبح عليك التوقف عن المُقارنّة بالآخَرين بالطرق التي تحدثنا عنها، والتي تقوم على إدراك حقيقة القصور، وتقبل وجود بعض العيوب لدينا، فلن نبلغ الجبال طولا مهما فعلنا، وأخيرا يمكننا تحويل الدفة ناحية المقارنة الإيجابية.

الكاتب: أحمد ياسر

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

أربعة × 1 =