تسعة
الرئيسية » تعليم وتربية » قراءة وكتابة » كيف تفهم المدرسة الرومانتيكية في الفنون والآداب؟

كيف تفهم المدرسة الرومانتيكية في الفنون والآداب؟

ظهرت المدرسة الرومانتيكية في الفن والأدب منذ عدة قرون، وأحدثت منتجات هذه المدرسة أثرًا كبيرًا على الشعوب والمجتمعات، هيا بنا نتعرف عن قرب على ملامح المدرسة الرومانتيكية وكيفية نشأتها وتطورها.

المدرسة الرومانتيكية

تُعد المدرسة الرومانتيكية بحق، حداً فاصلاً بين العالم القديم الكلاسيكي وبين العالم الحديث، فالرومانتيكية كانت تشكل تمثيلاً جزئيًا لتغيرات كبيرة وواسعة النطاق تحدث في الحضارة الأوروبية، حيث يتسم هذا التغيير بسريانه على كافة أنحاء الحياة والعالم. وربما كان السبب وراء ذلك هو سيادة النزعة العقلانية الجافة وتقديس العقل في القرن الثامن عشر، ومن ثمّ ظهرت الحاجة إلى مراجعة تلك العقلانية. سنعرض في هذا المقال لتلك المدرسة الهامة التي أثرت في الفكر والحياة والفن والأدب خلال منذ أوائل القرن التاسع عشر ونشأتها في الحضارة الغربية الحديثة، مع محاولة لتلمس ملامح تلك العقلية الرومانتيكية في الأدب والشعر والفنون التشكيلية والعمارة، حتى تتضح أمامنا بشكل شامل سمات تلك الحركة أو المدرسة.

مدخل تعريفي إلى المدرسة الرومانتيكية

لقد بدأت الحركة الرومانتيكية في الدخول إلى ساحة الحضارة الأوروبية الحديثة منذ أواخر القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر، والذي شهد نمو وازدهار ذلك التيار المعروف باسم المدرسة الرومانتيكية . ويمكن تعريف الرومانتيكية بأنها ثورة وتمرد تجاه التقاليد والعادات القديمة البالية في الفن والأدب والفكر والحياة، وأنها تميل نحو الخيال والعواطف والانفعالات الذاتية والشخصية في مواجهة العقلانية والتنظيم الجاف. وتقف العقلية الرومانتيكية ضد الحياة الواقعية الباردة التي يريد الإنسان أن يبتعد عنها، وهي الشوق الدائم نحو كل ما هو جميل ولا نهائي ومفارق للعالم الواقعي. وعلى الرغم من ذلك فإننا لا نستطيع أن نقدم تعريف جامع مانع لتلك الحركة يمكن الاتفاق عليه من قبل الجميع، بل أقرب إلى الصواب أنه يوجد تعريفات وأنواع متعددة من الرومانتيكية بقدر بقدر تعدد الأشخاص الرومانتيكيين أنفسهم. لكننا نستطيع أن نجد مجموعة من السمات المشتركة التي يجتمع عليها هؤلاء الأشخاص يمكن اعتبارها تمثيلاً لتلك المدرسة الرومانتيكية . ويمثل الفيلسوف والمفكر الفرنسي “جان جاك روسو” نموذجًا حقيقيًا لتلك العقلية الرومانتيكية حيث يتم اعتباره أبًا روحيًا لتلك للرومانتيكيين في الحضارة الأوروبية بالرغم من وفاته مبكراً في نهايات القرن الثامن عشر. يمكننا تلمس الكثير من النزعة اللاعقلية عند روسو، وأيضًا عدم القدرة عل التكيف والاندماج مع الواقع، والذي يمثل سببًا رئيسيًا وراء البحث عن عالم آخر غير واقعي عند الرومانتيكيين. سنرى لدى روسو أيضًا تلك النغمة الحزينة المتقوقعة حول الذات، ومن ثمّ البحث الدائم عن بدائل خيالية للحياة الواقعية.

المدرسة الرومانتيكية في الأدب

لم تصبح الرومانتيكية مذهبًا أدبيًا إلا بعد ظهور المذهب الكلاسيكي بحوالي نصف قرن، ومع ذلك فقد اتسمت الرومانتيكية بالتمرد والثورة ضد الكلاسيكية وقواعدها بشكل أساسي. لقد سعت المدرسة الرومانتيكية في الأدب إلى التخلص والتحرر من هيمنة الآداب اللاتينية واليونانية القديمة التي كانت مسيطرة على الكلاسيكية بشكل كامل نتيجة لتقيدها بقواعد وأصول تلك الآداب القديمة. يمكن القول أن العقلية الإنجليزية والعقلية الألمانية قد تميزا بفورة العواطف والجنوح نحو الخيال والغموض عمومًا، ومع ذلك نرى الرومانتيكية قد نشأت في فرنسا أوائل القرن التاسع عشر. وبالرغم من أن العقلية الفرنسية تتسم بالاتزان والوضوح المنطقي وبالتالي كانت تربة خصبة للكلاسيكية، إلا أن الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية في فرنسا آنذاك، قد مهدت لظهور ونشأة المدرسة الرومانتيكية في المزاج الفرنسي؛ وعلى وجه الخصوص نتيجة لسفر وارتحال كثير من الكتاب الفرنسيين إلى ألمانيا وانجلترا نتيجة قيام الثورة الفرنسية في ذلك الوقت. لقد اعتمدت المدرسة الرومانتيكية على الشعر بوصفه أداة للتعبير عن الذات الفردية، وهذا أمر طبيعي بعد قيام الثورة الفرنسية التي حررت الأفراد ونادت بحقوق الإنسان، حتى وإن كانت الأحداث التي عقبت تلك الثورة قد اتسمت بالكثير من الألم والحزن والتشاؤم، بل إن الرومانتيكيين قد وجدوا في آلامهم ومعاناتهم نعيمًا، وأصبح الشعر هو السلوى والعزاء عن هذا الألم والشقاء.

الأصول والاتجاهات التي قدمتها الرومانتيكية في الأدب

وبالرغم من رفض الرومانتيكية أن ترتبط بقواعد أو أصول فنية تقوم عليها، فإنها قد أظهرت بشكل تلقائي بعض القواعد والسمات التي تميزت بها مثل: “مرض العصر” و”اللون المحلي” و”الخلق الشعري” و”النغمة الخطابية”. و”مرض العصر” تطلقه المدرسة الرومانتيكية على ذلك الفشل الذي تقع فيه الذات أثناء محاولتها التوفيق بين الإمكانيات والقدرات الشخصية، وبين الأمل والحلم الذي يطمح إليه الإنسان، ومن ثمّ يشقى الإنسان في هذا الصراع؛ فلا العالم الخارجي والطبيعي سيتغير ولا الإنسان سيتخلى عن أحلامه وآماله، فيظل الألم قائم وتظل الشكوى حاضرة في الشعر الذي يصبح وسيلتهم للتمرد على مرض هذا العصر. و”اللون المحلي” يعبر في المدرسة الرومانتيكية عن قيمة أفراد مشخصين بعينهم داخل بيئتهم المحلية، فالرومانتيكية لا تريد أن تدافع عن الإنسان أو الفرد وانفعالاته وعواطفه في العموم، أي الإنسان بما هو إنسان، وإنما تريد إعطاء مسحة مشخصة فريدة لكل شخص فالأسباني غير الألماني والحب عند أديب مثل هوجو غير الحب عند أديب مثل لامارتين، فكل شخص له لونه وخصاله المميزة له عن الآخر. واستخدم الرومانتيكيون تعبير “الخلق الشعري” من أجل رفض نظرية المحاكاة التي قدمها أرسطو قديمًا وتم اعتبارها مصدراً للكل الفنون، بل رأوا أن الأدب والشعر لا يمثل محاكاة للطبيعة أو للحياة، بل إنه يمثل خلقًا، يأتي من الخيال القائم على الواقع أو الذكريات المبعثرة، وليس من العقل أو الملاحظة المباشرة. و”النغمة الخطابية” لم تكن سمة واتجاهًا عامًا في المدرسة الرومانتيكية بل تميز بها بعض الكتاب والشعراء مثل فيكتور هوجو في فرنسا، ولورد بيرون في انجلترا.

المدرسة الرومانتيكية في الفن التشكيلي

إن الفن التشكيلي يعتمد على قدرة الفنان على خلق واكتشاف جديد للواقع والبيئة المحيطة به، فمن خلال رؤيته الخاصة يعيد بناء ويشكل الأشياء من جديد في صورة فنية تبعث على الجمال الفني. وهناك العديد من مدارس الفن التشكيلي، ومن ثمّ تمثل المدرسة الرومانتيكية واحدة من تلك المدارس والتي سنقدم لها في السطور التالية. والفنان الرومانتيكي في مجال التصوير والفن التشكيلي لم يبتعد عن الروح الرومانتيكية العامة التي قدمنا لها سابقًا، فهو أيضًا راح يخرج من مرسمه إلى الحياة والطبيعة الخارجية وباحثًا عن القلب والأشواق والأحاسيس الإنسانية والتي تكون مندمجة ومتآلفة مع عالم الطبيعة، ومن ثمّ يعتمد على حساسيته الخاصة في اختيار الموضوع. وقامت المدرسة الرومانتيكية في الفن التشكيلي، بابتكار أساليب جديدة ومحددة في الرسم لكي تؤثر بشكل معين في تذوق المتلقي أو المشاهد، وبالتالي تكتسي الطبيعة والأشياء الجامدة بل والغريبة خارج العالم الإنساني بالعواطف والأحاسيس الإنسانية.

بعض النماذج لفنانين المدرسة الرومانتيكية

عندما ننظر إلى لوحة من لوحات الفنان الفرنسي الشهير “أوجين ديلاكروا” (1798 – 1863)، سنجدها تتمتع بتنوع ووفرة في موضوعاتها واستخدامه للأساطير القديمة والموضوعات الغريبة، ويستخدم موضوعات ترتكز على العواطف والخصال الإنسانية التي يتم اختيارها من أعمال شعراء. ففي لوحة “خطيبة أبيدوس” يقدم لنا ديلاكروا قصة كان قد عرضها الشاعر “بايرون” في أعماله الشعرية؛ حيث تهرب فتاة مع ابن عمها الذي يحبها ويتزوجها بعد أن يفرض عليها والدها الزواج من رجل مسن لا تحبه، لكن يتم العثور عليهم فيما بعد ويُقتل الشاب ثم تموت الفتاة بعد ذلك نتيجة لحزنها عليه. يوظف ديلاكروا هذه القصة في لوحة فنية تثير لدى المشاهد تلك المشاعر الإنسانية وترتكز على المعاناة والألم الذي واجهه أبطال القصة. ومن هذا المنطلق كان ديلاكروا منتميًا إلى المدرسة الرومانتيكية ؛ حيث أدخل ديلاكروا عنصر المشاعر والخيال، فقد رسم اللوحة من خياله دون أن يجلس ويتأملها في العالم الطبيعي فهي قصة شعرية متداخلة الأحداث، كان عليه أن يقوم بمزج كل هذه الأحداث في منظر واحد تتصدره صورة الفتاة وبالأسفل صورة الشاب مقتولاً بين الأنقاض. ففنان المدرسة الرومانتيكية كان يسعى للتعبير عن ذاته ومشاعره، ونلاحظ تخلص ديلاكروا من مفهوم التظليل في الرسم بشكل تدريجي، مع التركيز بشكل أكبر على الألوان وتأثيراتها؛ فالألوان هي التي يمكنها توضيح مشاعر وأحاسيس الفنان وليست الظل أو الإضاءة.

ويعد الرسام الإنجليزي “جون كونستابل” (1776 – 1837)، نموذجًا آخراً من فنانين المدرسة الرومانتيكية . اهتم كونستابل بتصوير ورسم مناظر العالم الطبيعي، وهو أفضل نموذج للفنان الذي يخرج من مرسمه إلى الطبيعة ليستكشفها ويعيد بناءها واندماجها مع الإنسان وأحاسيسه، مستخدمًا الألوان في بث وإنتاج هذه المشاعر والأحاسيس التي يريدها لدى المتلقي والمشاهد. رسم كونستابل العديد من مناظر الريف الإنجليزي وتفاصيله والتي أضفى عليها لمساته الرومانتيكية كما في لوحته الشهيرة (عربة الدريس) فكانت ذات تأثير وقبول كبير من جانب الرومانتيكيين. فعندما نتأمل لوحة “منظر لريف إنجليزي” سنلاحظ انفعاله بالمنظر الجميل ومن ثمّ تظهر أمامنا مشاعر الفنان الخاصة، وقد اهتم بالألوان واستخدمها بطريقة متدرجة لكي يتمكن من الحصول على تأثير طبيعي يبدو وكأنه يمثل لونًا واحداً، فالأخضر يتحرك بين درجاته المختلفة من الداكن إلى الفاتح ثم نجد التداخل بين ألوان الأرض والسماء عند الأفق، الأخضر والأزرق.

المدرسة الرومانتيكية في العمارة

لقد جاءت الرومانتيكية في فن العمارة كمقابل ومضاد للمدارس والرؤية التقليدية في العمارة، وذلك من خلال التركيز على الاندماج مع الطبيعة وإعطاء أهمية لمكانة الإنسان وتمجيده، إضافة إلى خلق دور هام للأسطورة في العمارة الرومانتيكية. ولعل أهم ما يتميز به الفكر الرومانتيكي هو تقديره الكبير لدور (الخيال) كسبب رئيسي في حدوث الاستمتاع؛ والذي يحدث عن طريق حاسة الإبصار، ومن هذا المنطلق فقد تأثرت المدرسة الرومانتيكية في العمارة بهذا المنظور الخاص بالاستمتاع الجمالي عن طريق الخيال المرتبط بحاسة الإبصار. والعنصر الثاني بعد الخيال الذي ترتكز عليه الرومانتيكية هو (الأساطير)، حيث تصبح الأسطورة مصدراً للبعد الروحي ووسيلة للانتقال من الواقع إلى الخيال؛ وقد تحقق هذا العنصر أيضًا في العمارة الرومانسية. أما العنصر الثالث الذي ارتكزت عليه الرومانتيكية فهو (الاندماج بين الإنسان والطبيعة)، فقد توجهت المدرسة الرومانتيكية في العمارة نحو التوفيق والدمج بين العالم الإنساني والعالم الطبيعي، بين الروح وبين الجسد. والحقيقة أننا سنجد تلك المفردات والعناصر الخاصة بالفكر الرومانتيكي قد تحققت في العمارة خلال كافة الحقب التاريخية، منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى عصر الحداثة وما بعد الحداثة. ويمكننا تطبيق تلك المفردات النظرية في المدرسة الرومانتيكية على “تاج محل” والذي يعتبر من أبرز وأجمل فنون العمارة الإسلامية، حيث يعد واحداً من عجائب الدنيا السبع. وقد تجلت تلك العناصر الرومانتيكية في عبقرية التصميم المتفردة، ووضوح عاطفة الحب الجياشة كأسطورة خالدة، وكذالك الاندماج بين العالم الإنساني والعالم الطبيعي من خلال وجود الضريح داخل مجموعة من الحدائق الجميلة والملهمة.

المدرسة الرومانتيكية في الشعر العربي

لم يكن الأدب العربي المعاصر في القرن العشرين، منعزلاً عن حركات ومذاهب الأدب الغربي؛ فقد تأثر بتلك المذاهب التي نشأت في الغرب حيث تمكنت المدرسة الرومانتيكية من التأثير في الأدب العربي وأصبح له رواده داخل عالمنا. وتميز الشعر العربي المعاصر المتأثر بتلك المدرسة، بأنه أيضًا يتجه إلى الطبيعة مع الهروب من الواقع، ومحاولة الاندماج والتداخل معها، ووضوح شخصية الشاعر المتفردة داخل شعره، والتأكيد على المعاناة والحزن والشقاء داخل أشعارهم، الاهتمام بالعواطف والخيال والثورة على هيمنة القواعد والأصول الكلاسيكية بكل أشكالها. وهذه الملامح يمكننا ملاحظتها داخل عدة جماعات ومدارس فرعية تأثرت بتلك الرؤية الرومانتيكية في العالم العربي وهي:

مدرسة الديوان

تأسست هذه الجماعة على يد “عباس العقاد” و”عبد القادر المازني” و”عبد الرحمن شكري”. وقد أخرج العقاد والمازني كتابًا نقديًا باسم (الديوان)، يقدمون فيه نقداً صريحًا للشعر القديم، فقد هاجم العقاد شعر أحمد شوقي وحافظ إبراهيم ووصف شعرهما بالسطحية، وهاجم المازني في الجزء الثاني من الكتاب أدب المنفلوطي ووصفه بالضعف والقبح. وعلى غرار كتاب الديوان، أخرج ميخائيل نعيمة من شعراء المهجر بعده، كتابًا نقديًا بعنوان (الغربال) سار فيه على خطى العقاد في نقد القديم. ويمكننا تلمس ملامح المدرسة الرومانتيكية عند جماعة الديوان في الآتي: التركيز على التعبير عن الفرد وذاته والتخلص من تفاصيل الحياة المزعجة، الاهتمام بوحدة القصيدة العضوية فتكون عملاً كاملاً ترتبط أجزاءه ببعضها البعض، التحرر من قيود القافية الواحدة، التوجه لجوهر الأشياء والبعد عن السطحية والقشور، الاهتمام بالطبيعة وتصوير أسرارها والتفاعل معها. ومع ذلك لم تستمر هذه الجماعة طويلاً نتيجة لتشتت أعضاءها وافتراقهم.

جماعة أبولو

نشأت هذه الجماعة على يد أحمد زكي أبو شادي عام 1932، ولم يكن لجماعة أبولو ديباجة شعرية خاصة تحدد رؤيتها، بقدر ما اكتفت بتقديم وثيقة إرشادية للجماعة، تؤكد فيها على الارتفاع والسمو بالشعر العربي والارتقاء بمستوى الشعراء فنيًا واجتماعيًا وماديًا. وظهرت لهذه الجماعة مجلة أبولو والتي لم تستمر كثيراً، لا المجلة ولا الحركة نفسها، إلا أن جماعة أبولو تركت تأثيراً كبيراً في الشعر العربي وقدمت جيلاً كبيراً من الشعراء الرومانتيكيين أمثال:محمود حسن إسماعيل، وإبراهيم ناجي. وقد تميزت جماعة أبولو بتأكيد ملامح المدرسة الرومانتيكية من خلال إظهار الجوانب الوجدانية في الشعر، والاندماج مع الشعر الغربي عن طريق الترجمات، وأساليب جديدة للقصيدة وتوظيف الأساطير. وكانت النزعة الرومانتيكية واضحة بشكل أكبر لدى هذه الجماعة عن مدرسة الديوان، فكانت التجربة النفسية والوجدانية للشاعر لها دوراً مهمًا في خلق القصيدة الشعرية وليس مجرد محاكاة لقواعد وأصول القدماء.

مدرسة المهجر

نشأت هذه المدرسة مع هجرة الكثير من عرب الشام، خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إلى الولايات المتحدة وأمريكا الجنوبية، لأسباب سياسية واقتصادية. وقد تأثر المهاجرون بالغربة والحنين إلى الوطن واللغة العربية مما دفعهم لتأسيس جماعات أدبية يمارسون من خلالها إبداعهم الخاص، بالرغم من معاناتهم وسعيهم وراء لقمة العيش في الغربة. فقام الشاعر “جبران خليل جبران” بتأسيس الرابطة القلمية عام 1920، ومن أبرز روادها إيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة. وسعت الرابطة القلمية إلى التجديد في الشعر والنثر العربي ومهاجمة القديم الكلاسيكي، وربط الأدب والشعر بالحياة ومن ثمّ توسيع الموضوعات التي كان يتمركز حولها الأدب القديم.

خاتمة

وهكذا رأينا المدرسة الرومانتيكية وقد هيمنت فترة من الزمن وبوجه خاص في النصف الأول من القرن التاسع عشر، على الآداب والفنون والحياة الإنسانية. وقد أصابها الانتصار والهيمنة بالكثير من الضعف والتصنع في بعض الأحيان، فدعوتها أن الآداب والفنون تمثل إلهامًا ووحيًا وخلق فني، وليس محاكاة أو صناعة منظمة؛ قد وصل بها عند الأجيال المقلدة وقليلي الموهبة إلى إهمال الصياغات اللغوية مثلاً بما تمثله من جمال وصلابة قائمة على أصوليات. بل انتهى الأمر إلى أن يرى الاشتراكيون في المدرسة الرومانتيكية ما يعبر عن الانعزال في الفن والتقوقع في الأبراج العاجية. ومن خلال العرض الذي قدمناه لملامح الرومانتيكية في العديد من الفنون والآداب، يمكننا أن نستخلص أهم تلك الملامح المميزة للعقلية الرومانتيكية في العموم وهي: الفرد الحالم المهتم بالعاطفة، التوجه نحو الخيال المبتكر، الاهتمام بالأساطير والغرائب المفارقة للواقع، التوجه ناحية الحالة الصوفية والمثالية، الشخصية المتمردة والمناضلة، والحقيقة أننا نستطيع إيجاد شيئًا من هذه الملامح لدى كل الكتاب والفنانون الذين ينتمون إلى المدرسة الرومانتيكية . والحقيقة الأكثر الأقرب إلى الصدق أننا سنجد أنفسنا جميعًا –خارج نطاق الأدب والفن- ننتمي إلى الرومانتيكية، نتيجة لعدم رضانا وتقبلنا للعالم كما هو عليه، ونتيجة لبحثنا الدائم عن مستوى أعلى من الكمال في الحياة.

محمد السيد

باحث أكاديمي ومترجم - ماجستير آداب جامعة القاهرة.

أضف تعليق

3 + ثمانية =