تسعة
الرئيسية » اعرف اكثر » منوعات » كيف يقوم الساسة بتوجيه الجماهير عن طريق اللغة الانفعالية ؟

كيف يقوم الساسة بتوجيه الجماهير عن طريق اللغة الانفعالية ؟

نلاحظ عندما تتحدث الشخصيات العامة أن هناك شعارات رنانة تقال وألفاظ أكبر مما يتطلبه الموقف من أجل التأثير في المستمعين، إن هذا ما نسميه اللغة الانفعالية، فكيف يمكن لهذه اللغة الانفعالية التأثير في الشعوب؟ هذا ما نتحدث عنه في هذا المقال.

اللغة الانفعالية

اللغة الانفعالية هي موضوعنا في المقال التالي واللغة عادة هي طريقة توصيل المشاعر، وعادة ما تكون النبرة معبرة بطريقة ما فيمكننا أن نقول الكلمة بنبرة معينة فيقصد منها معنى معين ونفس الكلمة نقولها فيقصد النقيض تماما، فعندما نقول لشخص “شكرا” وقد أدى إلينا خدمة للتو فإنها تكون تعبيرا عن الامتنان أما أن نقول شكرا لشخص اتهمنا بالتقصير في شيء مثلا ونحن لا يمكننا الدفاع عن أنفسنا لأننا صدمنا أصلا في أن يتهمنا بذلك فنقول “شكرا” كوسيلة لإشعاره بخطئه الشديد في قول ذلك وهكذا، فهكذا هي اللغة الانفعالية أن تقول شيئًا فتؤثر فيمن أمامك بطريقة معينة عن طريق تحميل المعنى ما قد لا يحتمله ولكن بهدف توجيه المستمع لشيء معين، فما معنى اللغة الانفعالية وكيف تستعمل؟ في السطور التالية:

ما معنى اللغة الانفعالية؟

اللغة الانفعالية هي اللغة التي تستخدمها من أجل التأثير في القارئ بمخاطبة مشاعره وانفعالاته اللحظية لا بما يقتضيه المقام من لغة تخاطب عقله وأفكاره وعادة يستخدمها الشخص ذو الموقف الأضعف أو من يريد من يلبس الحق بالباطل من أجل خدمة مصالحه وتعليق الأمور على مفاهيم رنانة خاوية من أجل تأثير هذه المفاهيم على الجماهير بشكل يخدم مصالحه ويحقق أهدافه.

هل يمكن أن تكون اللغة الانفعالية إيجابية؟

يمكن أن تكون اللغة الانفعالية إيجابية إن كانت في موضع حق وإن استخدمت لإبراز معنى العدالة والحقيقة وعادة ما يستخدمها الشعراء من أجل توصيل مشاعرهم بأفضل طريقة ممكن والتأثير في المتلقي بشكل إيجابي ولكن يعتمد الشاعر على صدقه الفني وصدق أحاسيسه وحقيقية عواطفه وبالتالي تنبع لغته الانفعالية من آتون مشاعره وعواطفه وتتقد من خلال توهج أحاسيسه أما أن تكون سلبية فهذا يعني أن تكون هذه اللغة تستخدم في موضع يجب فيه إبراز دلائل مادية وبراهين عملية والحديث بحديث العقلانية والموضوعية لا الانفعالية والتشنج والتأثير العاطفي البحت.

أبرز المواضع التي تستخدم فيها اللغة الانفعالية ؟

هناك عدة مواضع تزدهر فيها اللغة الانفعالية وعادة ما يستخدمها الساسة من أجل التأثير في وعي الجماهير والقدرة على سوقهم أمامهم بأقل إرادة ممكنة ولعل أبرز ما يمكن تقديمه في هذا الصدد ما يلي:

الخطاب الطائفي

عادة ما يستلزم استخدام اللغة الانفعالية هو الخطاب الطائفي فهذا الخطاب الذي يستخدمه رجال الدين أو الزعماء الدينيون من أجل التأثير في عامة المتدينين والتحريض على الطوائف الأخرى سواء من نفس الديانة أو من الديانات الأخرى وتستخدم خطابات من نوعية الدفاع عن الدين والهجمات المتوالية على العقيدة ومخططات النيل من العقيدة وأشياء من هذا القبيل وقد يُشبه أبناء الطوائف الأخرى بالذئاب الذين يودون النيل من العقيدة الصحيحة التي لديهم أو يودون حتى إيذاءهم أو اضطهادهم وغيرها، هذه إحدى أهم الخطابات الطائفية التي يمكن أن نسمعها في هذا الصدد، يمكن ضرب مثال بهذا بالحروب الطائفية بين المسلمين والهندوس في الهند وتحريض كل فرقة على الأخرى وبث خطاب الكراهية.

الخطاب العنصري

الخطاب العنصري لا يختلف كثيرا عن الخطاب الطائفي فكلاهما يبحث في كيفية تأليب الجماهير على الطوائف الأخرى وبالتالي يستخدم اللغة الانفعالية ولكن الخطاب العنصري أشمل وأعم فالخطاب الطائفي يختص أكثر برجال الدين وكهنة العقائد لكن الخطاب العنصري يختص بكل شخص له مصلحة في إشاعة الكراهية وبث التفوق وإثباته لفرقته والحط من الفرق الأخرى ودونيتها سواء كانت التفرقة هذه على أساس اللون أو الجنس أو العرق أو الدين أو غير هذا من الأمور، وبناء عليه يقوم العديد من الأشخاص باستخدام اللغة الانفعالية من أجل التأثير في وعي الجماهير تماما كما كان يستخدم هتلر حجة نقاء الجنس الآري على غيره من الأجناس إبان الحرب العالمية الثانية.

الأزمات

في أوقات الأزمات لا يعترف الساسة بالفشل أو عدم قدرتهم على إدارتها بل يطالبون الشعوب بالتحمل والصبر والوقوف إلى جوار الأنظمة من أجل مرور المحنة وأننا كلنا في النهاية يد واحدة وأشياء من هذا القبيل قد يكون هذا فعلا مهما ولكن هذه طريقة من الساسة لتنويم الشعوب وإشراكهم في الفشل لأنه من الطبيعي والمنطقي أن يكون هناك أشخاص مختصون بالإدارة هم عليهم التخطيط والتنفيذ وإن حدثت انتخابات فبناء على هذا أي بمعنى أن جموع الشعب عينت هؤلاء الأشخاص لإدارة الموقف فبالتالي لا يصح أن يأتي هؤلاء الأشخاص لإشراك الشعب في الفشل لأن الفشل في إدارة الأزمة يعني أنه فشل الإدارة وحدها وهم – أي المسئولين من يتحملونه وحدهم – والأمثلة على استخدام اللغة الانفعالية في مثل هذه الظروف يطول ويطول.

الحروب

والحروب إحدى أهم المواقف التي تستلزم اللغة الانفعالية هذه فهو يريد أن يؤثر فيك طريق حتمية الحرب وتصوير الحرب على إنها بطولة فلابد أن نضحي في سبيل ذلك بكل ما هو رخيص وغال ولا يجب علينا أن نبخل حتى بأرواحنا في سبيل ذلك، ولا أدري كيف يقوم البعض بإقناع البعض الآخرين بأن يضحوا بأرواحهم في سبيل أي شيء ما لم يكن هذا الأمر اضطراري وعند استنفاذ كافة المحاولات، ولنا في الحروب التي خاضتها أمريكا أكبر مثال على ذلك حيث أنها كانت ترمي جنودها في مستنقعات من حروب الشوارع مستندة إلى ترسانة أسلحتها الضخمة ومع ذلك كانت تتشبث بأسباب عدة في الحرب تستخدم فيها هذه اللغة الانفعالية التي تحدثنا عنها بالأعلى.

الفضائح المتعلقة بالفساد

عادة ما تأتي الفضائح المتعلقة بالفساد أيضًا باستخدام اللغة الانفعالية من أجل المزيد من كسب التعاطف وإخلاء المسئولية مع تقديم كبش فداء واستخدام عبارات رنانة من أجل درء المسئولية عن نفسه، وهكذا كذلك ولعل أبرز الأمثلة على هذا حينما يحدث فضيحة كبيرة تتعلق بالفساد فيخرج المسئولون الكبار بالوعيد بمعاقبة المسئول والمزيد من الإصلاح وتنقية الجهاز الإداري من القيادات الفاسدة حتى تنعم بلادنا الحبيبة بالخير والرخاء والأمان كما كانت دائما، المشكلة أنها لم تكن كذلك من قبل على الإطلاق.

الاعتداءات وانتهاك حقوق الإنسان

يمكن أن يخرج رئيس ذات يوم ويقول أن حقوق الإنسان ليست مهمة لأننا ليس لدينا أشياء أخرى نود بناءها والحقيقة أن مثل هذه الخطابات التي تستخدم اللغة الانفعالية وتستهدف التأثير في وعي الشعوب تقوم بالأساس على تنحية الإنسان وكأنه ليس معنيا بأي شيء وهو مجرد عنصر من عناصر تقدم الدولة وكأن النماء والتقدم والرخاء والرقي ما لم يشعر به الإنسان فهو يظل موجود أصلا ولذلك لا مانع من بعض الانتهاكات والاعتداءات لحقوق الإنسان طالما أن هذا سيعمل على رقي الدولة، وكأن الرقي والتقدم سيطال الجدران والكباري والكثبان الرملية في الصحاري، لكن الإنسان ليس مهما، ليس هذا الغريب في الموضوع، الغريب أن هذا الخطاب العاطفي يجد من يصدقه ويؤيده بل ومن يروج له دون مصلحة منه.

الثورات والاحتجاجات

عندما تحدث ثورة أو احتجاجات أو اعتصامات أو إضرابات أو مظاهرات كوسائل سلمية لاستخدام حق الإنسان في التعبير يخرج المسئولون لإثارة المواطنين ضدهم بهدف أنهم مخربين ومتمردين وغير ذلك في حين أنه لا يكلف هذا المسئول نفسه لكي يستمع إلى مطالب أو شكاوى هؤلاء بل يسعى إلى أن يتهمهم ويحط من وطنيتهم وينزع عنهم نياط الانتماء ونياشين حب الوطن، وأعتقد أن هذا حدث كثيرا والأمثلة تطول وتطول خصوصًا في بلداننا العربية في السبعة أعوام الأخيرة.

المصطلحات التي يتشبث بها من يستخدمونها؟

هناك عدة مصطلحات يستخدمها الساسة والمسئولون وشعارات رنانة تبدو مجوفة وفارغة ونحن نعرف أنها مجرد لافتات مضيئة لأوهام في الأساس، ولكن رغم ذلك لا زالوا يستخدمونها والأنكى أنهم يصدقونها أيضًا.

المجتمع

عندما يطالب أحد الأشخاص بحقه في الحرية الشخصية أو ممارسة حريته دون أن يؤذي أحدًا أو يؤذيه أحد فإنه يتم محاربته بدعوى المجتمع، وكأن هذا المجتمع يجب أن يكون عبارة عن ذلك الكيان المتجانس المتشابه حد التناسخ حيث فكرتهم عن المجتمع دائما أنها كتلة واحدة من المعتقدات والأفكار والسلوكيات والأشكال والأنماط في حين أن المجتمع من المفروض أن يستوعب كافة الأشكال والأنماط والأفكار والمعتقدات ويحتويها، لا العكس أن يلفظها وينبذها، ويستخدم هؤلاء الأشخاص سواء كانوا مسئولين أو كتاب أو إعلاميين لفظ “المجتمع” كصورة من صور اللغة الانفعالية من أجل تهييج الجماهير والتأثير في وعيهم عن طريق تحذيرهم بالخطر الداهم عليهم ما لم يتحركوا ويرفضوا هذه الأفكار أو السلوكيات التي ممكن أن تقوض المجتمع وتزعزع بنيانه السليم.

الوطنية والانتماء هل تبرر اللغة الانفعالية ؟

قيم الوطنية والانتماء من أعظم القيم في الدنيا والإنسان بطبعه شخص منتمي لوطنه ومحبا له مهما كان، ولكن للأسف تم استخدام الوطن كشكل من أشكال اللغة الانفعالية بإعلاء الوطن على المواطنين وكأن الوطن كيان متجسد علينا أن نفدي أرواحنا فدائه لأن حب الوطن هو ما يحمله المواطنون وليس العكس، فلم يمكننا أن نظلم الشعوب ونستبد بها من أجل المتاجرة بقيم نبيلة مثل الوطن والانتماء؟ للأسف هذا ما يفعله الساسة على الدوام.

العادات والتقاليد

العادات والتقاليد وقيم المجتمع وبنية المجتمع والهوية الثقافية للمجتمع وكل هذه الأمور شكل من أشكال اللغة الانفعالية التي يستخدمها العديد من المسئولين وذوي السلطة من أجل التأثير في وعي الجماهير وهي تمنع التقدم والتطور وتظل تراكم الأتربة والغبار والكلس على وعي الشعوب من أجل إقناعهم أن قمة التطور هو ما يحيون فيه الآن وما من حاجة لتحديث الأفكار والتوجهات وتبيان الصالح منها وما يتوافق مع الوضع الحالي أم لا، للأسف مجتمع بهذا الشكل المنغلق الرافض للانفتاح من السهل قيادته ومن السهل التأثير في وعيه أيضًا.

الاستقرار

إنه الاستقرار، وهم الاستقرار العظيم وهو أنه يمكنني أن أذبحك وأقتلك وأسجنك وأعذبك من أجل الاستقرار يمكننا أن نعيش الجميع في فساد ومحسوبية ووساطة وهموم وضرائب وغلاء من أجل الاستقرار وإلا البديل سيكون الفوضى، وكأنه لا خيارين غير هذه الخيارين، هذه للأسف إحدى المغالطات المنطقية في صورة اللغة الانفعالية التي نتحدث عنها، لماذا إذن لا نستغل أدواتنا من أجل خلق واقع أفضل بعيدا عن هذين الخيارين بحيث نحافظ على الاستقرار لكن في نفس الوقت لا نعرض أنفسنا للظلم أو الاستبداد؟

الأمن

من أجل الأمن تم غزو العراق وتم فرض العقوبات على إيران وتم أيضا غزو فيتنام وإثارة أزمة الصواريخ الكوبية ومن أجل الأمن يتم غزو البلدان من أجل ما يسمى بمحاربة الإرهاب وهكذا دواليك، طبعًا هناك الكثير من هذه الدعاوى حقيقية ولكن حينما يتم إثارة الدعاية لها والحملات الدعائية إذن ابدأ بتحسس رأسك لأنهم يستخدمون ضدك اللغة الانفعالية من أجل كسب التعاطف والتأييد مع الجرائم التي ينوون ارتكابها.

خاتمة

اللغة الانفعالية واحدة من أدوات السلطة وذوي النفوذ من أجل التأثير في الجماهير وتجهيل الشعوب والتلاعب بوعيها، والبديل عنها الموضوعية والشفافية والنزاهة والحديث العقلاني.

محمد رشوان

أضف تعليق

17 − إحدى عشر =