الغناء الشعبي

ازدادت الأصوات الرافضة لشكل الغناء الشعبي في الآونة الأخيرة في الوطن العربي، ناظرين إلى الماضي ينعى الكثيرين مستوى الأغنية العربية في أمة ورثت فنونها عن إم كلثوم وفيروز وغيرهم وعن ثقافة موسيقية تشكلت على يد موسيقيين أمثال الشيخ سيد درويش ومحمد عبد الوهاب والشيخ زكريا أحمد، وصل الأمر عند بعض مثقفي الفن الذين يدعون امتلاك خصوصية ثقافية أن ينتقدوا الغناء الشعبي ذاته بمعزل عمن يقومون بأدائه.

ربما يغفل أصحاب هذا المذهب من المغالين في نقد الأغنية الشعبية عن أن الغناء دوما كان للشعب ومن الشعب. فبالنسبة لشعوبنا الشرق أوسطية الغناء والفن كان رفاهية مخلصة لآلام الحياة ومللها، يكفي أن تزور أي قطر عربي لترى أن الفن يتغلغل بنسيج الوعي لدينا؛ فالعمال البسطاء يرددون الأغاني لتساعدهم على تمضية اليوم وشد العزيمة فيما بينهم، والفلاحين فيما مضى قبل اختراع آلات الري الحديثة، كانوا يستجدون الهمة لرفع الشواديف الثقيلة لري الأراضي. فكيف تدهور الحال للحد الذي يصفه المنتقدين؟ وهل المشكلة في الغناء الشعبي بالأساس؟

تاريخ الغناء في الوطن العربي

الغناء الشعبي تاريخ الغناء في الوطن العربي

بزغ تاريخ التحضر الإنساني في الشرق الأوسط حاملا معه حضاراته العديدة التي بدأت تخط الخطوط الأولى للإنسانية الواعية، ولم تقتصر الحضارة في الشرق الأوسط على المجتمعات البدائية ثم نظام الدولة الكاملة لاحقا ومن ثم اكتشاف الكتابة فحسب، فالفنون أيضا كانت أحد الطرق الأولى التي عبر بها الإنسان الواعي عن ذاته بها، فعلماء الإنسانيات يرجعون أولى النشاطات الإنسانية للرقص أولا يليها تعبير الإنسان بمقاطع صوتية غير لغوية والتي تطورت لتصبح الأغاني فيما بعد. البداية كانت من الحضارة المصرية والتي تتابعت معها حضارات الشرق الأوسط مثل حضارات المدن في العراق والشام واليمن وشمال أفريقيا، جميع الحضارات التي ورثتها ثقافتنا العربية كانت حضارات مهمة تركت للإنسانية ميراثا ثقافيا ضخم، ربما يعبر عن ذلك أغاني البسطاء والفلاحين التي تملك كلمات ثرية وجملا موسيقية موروثة ربما منذ آلاف السنين، ووصولا للحضارة العربية الإسلامية التي يروج البعض أنها حضارة متشددة لم تعرف الفنون، ألا أن التاريخ يكذب ذلك، فالموسيقى بدأت مبكرا مع العرب مثلهم مثل شعوب العالم القديمة التي انفعلت بالواقع وأنتجت الفنون والشعر، فإتقان الشعر في العصر الجاهلي قبل الإسلام كان محل فخرا بين العرب، ودائما ما امتلك الشعراء خصوصية واحترام بين أفراد مجتمعاتهم، والشعر بدوره ومع اكتمال نضج اللغة العربية في شبه الجزيرة صاحبه تطور تيار موسيقي منظم، على الرغم من عدم الاهتمام بالآلات الموسيقية في تلك الفترة، يرجع ذلك لاهتمام العرب بالشكل الموسيقي للجمل الشعرية وللغناء الصوتي المنفرد على الموسيقى التي تمثل بعدا تراجيديا لم يوجد بكثرة في الثقافة العربية على العكس من حضارة الإغريق. تأثرت الثقافة الموسيقية للعرب بالإسلام لاحقا، خصوصا مع وجود القرآن، باعتباره المعجزة اللغوية التي تحدى بها الرسول المشركين، فنجد أن العالم اللغوي الكبير أبو الأسود الدؤلي عمل على تنظيم قواعد اللغة العربية فيما يخص الشعر ووزنه، صادف الأمر أنه استقى قواعد علم العروض الشعري من حركات مطارق الحدادين حينما كان يمر على أحد أسواقهم، تناغم طرقات الحدادين خلق موسيقى لقيت في نفس أبو الأسود شعورا بالجمال جعله يخط الملامح الأولى لعلمه الوليد، والذي أصبح ينظم الموسيقى الداخلية في الشعر لاحقا.

لم تنعكس ثقافة العرب الموسيقية في الشعر فقط، فالحضارة العربية أنجبت أيضا الموسيقي العظيم زرياب الأندلسي الذي غير شكل الموسيقى تماما في عصر الخليفة هارون الرشيد، زرياب الأندلسي لما يكن موسيقي بارع فحسب، فعلى سبيل المثال لا الحصر أنشئ زرياب ما يسمى بدار المدنيات التي تعتبر أول مدرسة محترفة لتعليم الموسيقى، ووضع الخطوط الأولى لعلم الفوكاليز الموسيقي وأيضا أول من استخدام الكورال أو الكورس كتقنية موسيقية في أغانيه، لم يتوقف زرياب هنا بل أنه طور أيضا آلة العود ليضيف لها وتر خامس لم يكن موجود من قبل، بجانب اعتباره المحدث الأول الذي أدخل الموسيقى الحياتية التي تتحدث عن الناس وحياتهم إلى أوروبا بحكم إقامته في الأندلس، قبل ذلك انحصر الغناء في شكله الكهنوتي الذي يتصاحب مع الطقوس الدينية. لذا فإنه من الصعب الادعاء على الثقافة العربية وحضاراتها الموروثة أنها ضحله النتاج الموسيقي، فلولا العرب لم توجد آلات مثل العود والبزق وغيرها.

تاريخ الغناء الشعبي

دائما ما كانت الموسيقى الصوت البديل الذي يعبر عن وعي المكبوتين، فالغناء دوما كان للشعب ومن الشعب، ففي أوقات الازدهار كان الشعب يغني، وأيضا في أوقات القحط كان يغني. اختلفت الأغنية الشعبية تاريخيا عن أغاني القصور، فأغاني الملوك غالبا ما صنعت للمديح أو للتسلية عن الملك وحاشيتهم، بينما الغناء الشعبي كان الصوت اللاوعي الذي يعبر عن آلام الشعب وأفراحه، وكذلك كانت آلات العزف.

وعلى العكس من الشكل المنظم لغناء القصور والنخب المجتمعية، كان الغناء الشعبي شفهي ومتواتر في غالبه، ينتقل بالتكرار من جيل إلى جيل ويعتمد على الارتجال في أحيان كثيرة، مثلما كان يفعل الشعراء العرب الأوائل فيما مضى.

بدأ الغناء الشعبي مبكرا في الوطن العربي، ويمكننا أن نرجع ملامح الأغنية الشعبية الحديثة للقرن التاسع عشر، فالنتاج التراثي من تلك الفترة هو ما شكل لاحقا شكل الأغنية الفلكلورية في بداية القرن العشرين في مختلف الأقطار العربية من المحيط إلى الخليج.

الغناء الشعبي المغربي

يضم الغناء الشعبي في المغرب العديد من الألوان الموسيقية تحت مظلته، وكلا منها تستقل تماما في طريقة تأديتها، إذا تحدثنا عن الأغنية الشعبية المغربية لا يمكننا ألا نذكر العيطة، فالعيطة هي أحد فنون الأغنية الفلكلورية التي نشئت في المغرب منذ عصور السلاطين، وتعتمد العيطة على تورية المعاني المستخدمة في الأغنية باستخدام رموز غير واضحة من شكل الجملة البسيط، تطور فن العيطة لاحقا في المغرب إبان الاحتلال الغربي للمغرب؛ أخذت العيطة شكلا أكثر رمزية لانتقاد المستعمر بغناء لا يفهمه إلا المواطنين الأصليين، واستخدمت العيطة أحيانا كنوع من التواصل السري بين المقاومين لخداع المحتل.

تعني العيطة في اللغة النداء الذي يطلقه الرجل لاستنهاض همم قومه، ويبدو أنها سميت تلك التسمية لأنها تبدأ غالبا بمناداة الله والأنبياء والصالحين. انتشرت العيطة بشكل كبير في منطقة الريف المغربي وفي الأوساط الاجتماعية البسيطة قبالة الساحل الأطلسي، وتقسم أنواع العيطة طبقا للتوزيع الجغرافي التي تغني فيه؛ فنجد العيطة المرساوية، والزعرية، والحصباوية..إلخ.

الغناء الشعبي المصري

الغناء الشعبي الغناء الشعبي المصري

كان الغناء المصري من أكثر الفنون التي تأثر بها الوطن العربي منذ انتشار موجات الإذاعة في الوطن العربي، فالموسيقى الشعبية بشكلها الحديث نشئت في ساحات وأسواق الطبقات المتوسطة والفقيرة كنوع من التعبير عن حياة رجل الشارع وما يواجهه من أحداث يومية،

والغناء الشعبي المصري قديم بقدم الزمان، فالكثير من الباحثين في العصر الحالي يرجعون الأغاني التي يغنيها الفلاحين في الصعيد أثناء عملهم لاستنهاض الهمة والتغلب على قسوة الحياة، ما هي إلا خليط تشكل في وعي الفلاح البسيط من الفلاح الفرعوني الأول وكذلك الفلاح القبطي المسيحي، وأخيرا نجد كلمات بعينها من الفصحى في اللكنة الصعيدية تغيب عن لكنة القاهرة، وهذا يدلل على تأثره أيضا بالثقافة العربية وإخضاعها لأطار وعيه العام.

تتعدد ألوان الموسيقى الشعبية الفلكلورية في الأقاليم المصرية باختلاف الإقليم؛ ففي الصعيد يكثر غناء المديح النبوي والثناء على الصالحين وكذلك غناء المواويل وغناء شعراء الربابة للسيرة الهلالية، وهي قصة أسطورية عن قوم من شبه الجزيرة العربية هاجروا إلى شمال أفريقيا ودخلوا في صراعات كبيرة تسردها السيرة بالتفصيل. على جانب آخر تتواجد أغاني الريف المصري التي كانت ولا زالت تغنى في الأعراس، ويغنيها النساء بالأساس في الأعراس في تجمعاتهم المغلقة بعيدا عن الرجال، حظيت القرية المصرية بالغناء في صورة أخرى أيضا تكاد تكون منتشرة في معظم الأقاليم المصرية، وهو غناء الموالد الشعبية وحلقات الذكر والاحتفالات التي تعقد حولها من قبل من كانوا يسمون بالغجر والفنانين الشعبيين المتنقلين.

وفي المناطق الساحلية مثل منطقة القناة يعتمد الغناء الشعبي في العزف على السمسمية، وهي آلة موسيقية مصرية تشبه الربابة في الصعيد، تعتمد السمسمية على صوت رنان مميز وكثيرا ما تصف أغاني السمسمية حكايات الناس اليومية والحب والغزل، وكان لأغانيها الدور العظيم إبان فترة الاحتلال الإنجليزي لمصر خصوصا في أوقات المقاومة المسلحة لمدن القناة في الحروب التي تلت الاستقلال.

أما عن الغناء الشعبي الرسمي في مصر، أو بالأحرى الذي ستطاع الوصول للإذاعة المصرية في الماضي القريب، فأول من سيتبادر للأذهان عن ذلك النوع سيكون مغنيين محمد عبد المطلب ومحمود شكوكو وعبد العزيز محمود وغيرهم. والمميز للمغنيين الشعبيين

مع انتهاء الموجة الأولى من المغنيين الشعبيين، يأتي أحمد عدوية الذي غير شكل الأغنية الشعبية لتجنب مواضيع الغزل والغناء عن واقع الناس اليومي، بعيدا عن المواويل الشعبية المعتادة، ومؤخرا وصلنا لما يعرف بالمهرجانات الشعبية الصاخبة التي عادت ما يقترن اسمها بانتقاد الغناء الشعبي .

الغناء الشعبي الجزائري

تحمل جملة أغنية “الشعبي” في الجزائر معنى مخالف قليلا لما هو معروف عن الغناء الشعبي في الوطن العربي، وهو ببساطة لون موسيقي تأسس على يد أحد الموسيقيين الجزائريين التراثيين واسمه “الحاج محمد العنقا”، تشكل أغنية الشعبي الآن في الجزائر تراثا فنيا هاما استخدمه المطربين الجزائريين للتعبير عن حياة البسطاء ووصف يومياتهم وواقعهم المعيشي.

تطور هذا اللون من الأغنية الجزائرية ومر بعدة مراحل ليصل إلى تلك التسمية في الأخير؛ كان يسمى “المديح” و “المغيربي” في القديم، ثم استقر على اسم الشعبي منذ العام 1946، ليكون معبرا تاما عن الشعب.

في المضمون لا تتغير أغنية الشعبي كثيرا عن الغناء الشعبي في باقي الأقطار العربية، حيث تشبه موسيقى الشعبي بعض أنماط الموسيقى التراثية التي تنتشر في أقاليم بعض الدول العربية مثل مصر والمغرب، ويعتبر مزيج ما بين الموسيقى الأندلسية القديمة ومقامات الأغنية العربية، وكذلك الشعر الارتجالي الشعبي.

إضافة إلى ذلك لا يمكننا إغفال موسيقى الراي الشعبية التي لمعت في الجزائر في القرنين الماضي والحالي، تتميز ألحان وإيقاعات موسيقى الراي الجزائرية بنوع من التناغم الذي يجمع الموسيقى الأمازيغية البدوية بالموسيقى العربية الشعبية في الجزائر، إضافة إلى تميز كلمات الأغاني التي تحكي غالبها عن قساوة الاستعمار والغربة التي أجبر عليها الكثير من أهل الجزائر بسبب الاحتلال الفرنسي لبلادهم.

الغناء الشعبي السوداني

يتنوع الغناء الشعبي السوداني بشدة في مختلف الأقاليم السودانية، يعود ذلك بشكل كبير لثراء الثقافة السودانية بتراث فني ضخم موروث شعبيا عبر أجيال كثيرة.

يعود التأثير الأكبر على الفن الشعبي لما يعرف بموسيقى الحقيبة، وهو فن غناء متصوف تقلد به المغنيين منذ مئات السنين ويهتم خاصة بمدح النبي والصحابة.

لاحقا في القرن الماضي امتزجت بشدة موسيقى الحقيبة مع الإيقاعات الأفريقية الأثيوبية، مشكلة نمطا جديدا ومميز للموسيقى السودانية، وتميل الموسيقى السودانية في الغالب إلى التطريب واستخدام الكلمات التي تملك مدلول جمالي بسيط. مع استخدام ما يعرف بالسلم الخماسي الأفريقي في الألحان، وهي موسيقى رقيقة تمزج ما بين اللون العربي للموسيقى والأفريقي كما أوضحنا.

الغناء الشعبي السعودي

الغناء الشعبي الغناء الشعبي السعودي

تضفي البيئة المتسعة والمتباينة للملكة العربية السعودية أنماطا مختلفة على الغناء الشعبي هناك، فاختلاف البيئات في المناطق المختلفة داخل السعودية خلق لكل منطقة غناء شعبي خاص بها.

يحضر بقوة المدلول الثقافي للغناء الشعبي داخل السعودية، حيث أن هناك أنماطا من الغناء متأثرة بشدة بمهن معينة يمتهنها عامة الشعب في القديم والحديث، مثل الهيجنة وهي التي يتنغم بها رعاة الإبل، وأيضا ما يعرف باسم السواني وهي الأغنية التي يرددها الناس أثناء سقيان الماء عند البئر. كما تأثر البيئة البدوية بشدة في تراث الغناء الشعبي في السعودية، فنجد العديد من أنواع الفنون للأغنية الشعبية مثل السامري المستمد أساسا من الغناء النبطي في شمال شبه الجزيرة العربية وفن النهمة المشهور كفن شعبي في المناطق الساحلية. وما تزال الأغنية الشعبية السعودية حاضرة إلى يومنا هذا في جلسات السمر والأفراح، حيث تقام تقاليد كثيرة مثل الرقص الفلكلوري وكذلك الغناء الشعبي.

الغناء الشعبي السوري

يحتل الغناء الشعبي موقعا متميزا في نفوس السوريين، خصوصا بعد موجة صعوده مجددا في الآونة الأخيرة، نظرا لما يحمله من معاني قوية ومشاعر صادقة يشعر بها المتلقون. ينتشر في سوريا العديد من أنماط الغناء الشعبي نظرا لطبيعة التعدد الثقافي للأعراق والعقائد المختلفة للسوريين. فأهم ما يميز الفنون الشعبية عند السوريين هي الدبكة السورية كما هو معروف.

وعلى مستوى أكثر خصوصيا يوجد الكثير من الأنماط المميزة في الغناء الشعبي السوري مثل فن الموال الغنائي الذي امتلك شكلا مميزا عند السوريين عن باقي الشعوب الأخرى، كما تنتشر فنون أخرى مثل الميجانا والعتابا وأيضا الغناء البدوي الشامي الذي ينتشر بسوريا وفلسطين والأردن بشكل كبير.

انحدار الأغنية الشعبية العربية

الغناء الشعبي انحدار الأغنية الشعبية العربية

غالبا ما تواجه الطبقات الأعلى تدخل أغاني الطبقات الدنيا من المجتمع إلى الذوق العام وانتشارها كتيار عام يسمعه الجميع، أوضح الأمثلة على ذلك كان صعود الأغنية الشعبية في مصر، فبعد استقرار نسبي في الأغنية الشعبية في التسعينات متمثلة في حكيم كانت هناك

موجة غضب شديدة في بداية الألفية الثانية، شنتها الطبقة الوسطى والنخب الثقافية في مصر على فيلم “اللمبي”، حينما غنى البطل أغنية السيدة أم كلثوم “حب إيه” بطريقة شعبية مبتذلة، اعتبر البعض أن طريقة الغناء مهينة لأم كلثوم وللأغنية العربية. قبلها بعدد من السنوات كان المغني الشعبي المصري أحمد عدوية في أوج شهرته وصعوده الفني، وكانت الأصوات ذاتها تنتقد صعوده والطريقة التي يغني بها، قبل أن تستطيع به نفس الطبقات لرثاء أيامه حيث كانت الأغنية الشعبية تقدم معنى عكس المهرجانات التي نشئت في المناطق الشعبية والعشوائيات.

الأمر في الأخير يحكمه انتقال السلطة الاقتصادية في يد طبقة من الطبقات، وترقية مجموعة معينة من طبقة إلى طبقة، مثلما حدث في كثير من الدول العربية، مثل مصر بعد حرب 1973، حينما صعدت طبقة من المنتفعين من الانفتاح ترجع خلفياتهم الثقافية لطبقات متوسطة وشعبية في غالب الأحيان، بوجود تلك الطبقة الجديدة وبامتلاكها المال وسلطة التأثير على الرأي العام، خاصة لعمل بعضهم في مجالات السينما والإعلام، الركاكة في الغناء الشعبي ومن ثم للوعي الثقافي العام للمجتمع، لم يكن الأمر مجرد اشتهار ذلك اللون من الأغاني، بل بدأ تيار التأثير الواسع الذي يمثله تلك الأيام في المهرجانات الشعبية.

والبعض قد يرجع ذلك الأمر لاختلال ميزان التذوق الفني والثقافي، ففي عصور الضحالة الثقافية غالبا ما تصعد الأعمال العشوائية التي تتعرض للتابوهات بشكل مغرق في السطحية، والتي عادة ما تخاطب العواطف والشهوات.

في النهاية، فإن عودة صعود الغناء الشعبي لا يعدو كونه انقلاب جماهيري وطبقي لمعادلة الحياة الاجتماعية، ففي الوقت الذي نرى فيه تأثر الجماهير من الطبقات الوسطى والفقيرة أحيانا بالطبقة الغنية في الملبس والمأكل ونمط الحياة، نجد أن فن البروليتاريا والفقراء في هذه الحقبة هو من استطاع تجاوز أسوار الأغنياء والطبقة المتوسطة المتعالية، ليأثر على شكل احتفالاتها، بل وطريقة التحدث في بعض الأحيان.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

سبعة عشر − 6 =