العمليات العقلية

العمليات العقلية هي العمليات التي تجري داخل العقل مفسرة الكثير من نشاطات التفاعل الإنساني له، دراسة العمليات العقلية هي واحدة من أهم فروع دراسة علم النفس الحديث، لذلك سوف نحاول في السطور المقبلة أن نفهم العمليات العقلية المختلفة التي تحدث داخل الدماغ البشرية وفهمها من وجهة نظر نفسية بحتة.

العمليات العقلية : دليلك لفهمها

1الانتباه والإدراك الحسي

إن تفاعل الإنسان الدائم مع بيئته يتطلب أن يفهم هذه البيئة جيدا حتى يستطيع أن يتفاعل معها على أفضل وجه ويشارك فيها كما يحب، والخطوة الأولى لفهم هذه البيئة هو الانتباه لها ومن ثم إدراكها، فالانتباه والإدراك عمليتان مرتبطتان ببعضهما فنحن ننتبه لشئ ما ثم ندركه، ونحن نستجيب للبيئة من حولنا من خلال إدراكنا لها، وهذا الإدراك يختلف من شخص لآخر حتى وان كان المدرَك هو نفس الشئ.

والانتباه عملية اختيارية أي أننا لا ننتبه إلى كل المثيرات من حولنا بل نختار أن ننتبه لشئ معين دون غيره وهذا الانتباه يعتمد على استعداد الفرد وميوله وحالته النفسية وتهيئه الذهني فالأم قد تسمع أدني صوت لبكاء صغيرها ولكنها لا تسمع صوت قطار مار بجانبها.

2أنواع الانتباه

1- انتباه قسري وهو ما يُجبر الشخص على الانتباه له مثل طلقة المسدس
2- الانتباه التلقائي وهو انتباه الشخص إلى ما يحبه ويميل إليه بطبيعته
3- الانتباه الإرادي وهو الانتباه الذي يتطلب بذل جهد مثل سماع محاضرة طويلة

3عوامل الانتباه الخارجية

1- شدة المنبه مثل علو الصوت أو شدة رائحة معينة قد يلفتنا إلى الانتباه لها
2- تكرار المنبه فلو سمعنا صوت استغاثة مثلا مرة واحدة قد نتجاهله أما إذا سمعنا الصوت يتكرر فسننتبه إليه
3- تكرار المنبه، فإذا توقف المنبه فجأة انتبهنا إيه
4- التباين، أي أن يكون المنبه مختلفا اختلافا كبيرا عن كل ما حوله
5- حركة المنبه، غذا كان المنبه شئ يتحرك كان انتباهنا له أشد
6- موضع المنبه، قد يميل الناس لما هو موجود في مستوى نظرهم، وقد يميل البعض إلى النظر إلى الأعلى

4عوامل الانتباه الداخلية

عوامل مؤقتة

1- الحاجات العضوية، كالانتباه إلى روائح الطعام التي تصدر من حولنا إذا كنا جائعين
2- التهيؤ الذهني الراهن، كتهيؤ الأم لسماع صوت طفلها ولو كان خافتا

عوامل دائمة

1- الدوافع الهامة، مثل التهيؤ الذهني الدائم لاستشعار الألم أو الخطر، أو دافع الاستطلاع الذي يجعل الفرد في حالة تأهب مستمر لكشف كل ما هو جديد وغير مألوف
2- الميول المكتسبة، وهو الانتباه إلى كل ما يميل إليه الإنسان حسب طبيعته، فالفنان يلاحظ الجمال في كل شئ، والطبيب يلاحظ الحالات الصحية لمن يتكلم إليهم

5سبب تشتت الانتباه

1- عوامل جسمية، كالتعب والإرهاق الجسمي وعد النوم الكافي أو سوء التغذية واضطراب إفراز الغدد الصماء
2- العوامل النفسية، فقد لا تنتبه إلى مادة دراسية معينة لعدم ميلك لها، أو لانشغالك عنها بأمور أخرى تحبها، ويختلف هذا عن شرود الذهن العام، أما الشرود القسري الذي لا نستطيع التحكم فيه إطلاقا فقد يكون بسبب وساوس وأفكار غير سوية تعبث برأس الشخص ويجب استشارة الطبيب النفسي في هذه الحالة
3- عوامل اجتماعية، كالصراع بين الأبوين، أو صعوبات مالية أو مشاكل بين الأصدقاء والمقربين
4- العوامل الفيزيقية، كسوء التهوية في المكان، والرطوبة أو الضوضاء وغيره

6الإدراك الحسي

الإحساس Sensarion: وهو الناقلات العصبية التي تنتقل إلى المخ من الحواس لترجمة المنبهات التي تم استقبالها. وهناك إحساسات خارجية مثل السمعية والبصرية وهناك داخلية مثل التي تصدر من المعدة والأمعاء وهناك العضلية التي تصدر من المفاصل أو الأربطة وهناك.

7الإدراك الحسي Preception

من غير الطبيعي أن نحس بشئ ثم ينتهي الأمر عند هذا الحد بل تتبع هذا العملية عملية أخرى تسمى الإدراك الحسي وهو إضافة معنى أو قيمة أو مفهوم لهذا الإحساس، فمثلا عندما نشم رائحة لا ينتهي الأمر هنا بل ندرك أنها رائحة شئ محدد كطعام مثلا وقد نشعر بالجوع أو بالرغبة في تناول هذا الشئ. وقد يتبع هذا الإدراك سلوك معين مثل الذهاب إلى مكان ما لتشتري ذلك الطعام الذي شممت رائحته بالمصادفة.

ويلاحظ أن الأشياء التي ندركها: 1- تتمايز عن بعضها وتنفصل، فعندما ترى سيارات في الشارع مثلا فإنك تدرك أن هذه السيارات منفصلة عن بعضها ولا تتداخل بأي طريقة، كما أنها 2- تنطوي على دلالة ومعني، مثل إدراكك بأن هذه السيارة تنتمي لصديقك أو إدراكك بأنك تحب هذا النوع من السيارات. وتتلخص كيفية الإدراك في طريقتين:

1- التنظيم الحسي
2- عملية التأويل

8التنظيم الحسّي

وهي القوانين التي تنتظم بمقتضاها المنبهات الحسية في وحدات مستقلة وصيغ واضحة بفضل عدة عوامل :

1- عامل التقارب، فلو تقارب منبهين حسيين مثل نقطتين مثلا لصعب علينا أن ندرك كل على حدة، بل ندرك هذه النقط في صيغة أزواج، والساعة التي تدق دقات مستقلة لا نستطيع أن ندرك الدقات بشكل زوجي بل كل على حدة وفي صيغة منتظمة.
2- عامل التشابه، فالمنبهات الحسية المتشابه في اللون أو الحركة أو الشكل تدرك بصيغة مستقلة ، مثل النغمات العالية المتتالية، أو النقط التي تحمل نفس اللون وهكذا.
3- عامل الاتصال، فالنقط التي يصل بينها خط مستقيم تُفهم كصيغة واحدة أيضا.
4- عامل الشمول، فمثلا شكل النجمة لا يدرك بأنه مثلثين متداخلين أو شكلا سداسي عشوائي بل ندركه بشكله الشامل وهو النجمة.
5- عامل الإغلاق، أي اكتمال شكل أو صورة المنبه في أذهاننا، مثلا إذا رأينا مربع ينقصه ضلع فإننا نكمل هذا الضلع في عقولنا وبالتالي فإننا نميل إلى المنبهات المغلقة أو الكاملة.
6- عامل التماثل، المنبهات المتشابهة والمتماثلة تبرز بشكل أقوى.

9عملية التأويل

أي تأويل المدركات، ويختلف فهمنا وتأويلنا لما نستقبله بالحواس على عمرنا ودوافعنا وشخصيتنا وميولنا المكتسبة، فالطفل الذي يرى جهاز الحاسوب يؤوله على أنه قطعة لها ملمس وشكل معين وليس أكثر من ذلك، والحيوانات بطبيعتها تأول وتفعل اعتمادا على غرائزها فحسب أما الإنسان فيجب عليه أن يتعلم معظم الأشياء لكي يؤول المدركات بشكل صحيح. لذلك تعتمد عملية التأويل على ما تعلمناه وعانيناه في ماضينا وعلى خبراتنا الشعورية واللاشعورية.

وتختلف عملية تأويل الجزء بتأويل الكل الذي يحتويها فهناك كلمات لا تفهم إلا إن عرفنا الجملة التي تحتويها، كذلك الصراخ، قد يكون دلالة خطر أو استغاثة غذا كان في المشفى، وقد يكون دلالة نجاح وانتصار إذا كان في ملعب لكرة القدم مثلا.

وعملية الإدراك تسير من المجمل باتجاه المفصّل، فمثلا عند رؤيتنا لشخص فإن أول ما نراه هو الشكل العام ثم نبدأ بتحديد هيئته ثم ملامح وجهه ثم لون شعره ولون ملابسه وهكذا، فالإدراك الإجمالي سابق على التحليل.

10تأثير بعض العوامل الذاتية على الإدراك

1- الحالة الجسمية للفرد: وهناك تجربة قم بها بعض العلماء وهي تأويل بعض الرسوم من خلف زجاج أصفر اللون من قِبَل فريقين أحدهما يشعر بالجوع والآخر لا، فكان تأويل الفريق الجائع لهذه الرسوم هي أنها شطائر وأنواع أخرى من الأطعمة.
2- الحالة المزاجية، فإذا كنت غاضبا فستظن أن هذا الشخص يفعل هذا الفعل لأنه غاضب، وكذلك إذا كنت في حالة من الرضا، فسترى الناس في حالة رضا واستجمام.
3- التهيؤ النفسي، فنحن نرى ونسمع وننتبه إلى ما يخصنا وما نتوقع أن نراه، فمثلا إذا كنت تنتظر صديقك فإنك ستراه حتى لو بين المئات من الناس.
4- العواطف والانحيازات، عواطفنا ومشاعرنا تؤثر بشكل كبير على مدركاتنا، مثل رقم 2.
5- الكبت، والكبت يفسد دائما تأويلنا للواقع وتأويلنا لسلوكنا الشخصي، بل أحيانا كثيرة يجعلنا نسقط عيوبنا ورغباتنا السيئة على الآخرين ونشك في أفعالهم.
6- أثر المعتقدات، إذا ما اعتقدت ولو خطئا صلة شئ بشئ آخر فإنك دائما ما تربط إدراكهما ببعض.
7- أثر القيم، مثل القيم الدينية والاجتماعية والاقتصادية والجمالية التي يتربى عليها الفرد أو يتعلمها ويكتسبها من البيئة وهي تؤثر على حكنا وإدراكنا لما حولنا لأن لها من الأهمية في نفس الفرد الشئ الكثير.

11الخداعات والهلاوس

والخداع Illusion هو سوء تأويل للواقع أي أنه إدراك حسي خاطئ، فمثلا إذا اعتقدت أن هناك شخصا بالغرفة المجاورة فغالبا ستسمع أصوات وقع أقدام أو أصوات كلام، وترجع هذه الخداعات إلى عوامل فبزيقية أو سيكولوجية، عوامل فبزيقية مثل رؤية القلم منكسرا في الماء، وسيكولوجية مثل إذا أضعت شيئا فإنك تظن أن كل ما تراه هو هذا الشئ نتيجة التهيؤ الذهني المسبق. أما الهلاوس Hallucinations فهي مدركات خاطئة غير واقعية بل تنشأ في ذهن الشخص ويظنها حقيقية، وهي شائعة في حالات التسمم بالمخدرات والأمراض العقلية مثل الفصام

12التفكير

التفكير هو كل نشاط عقلي يستخدم الرموز أدوات له للاستعاضة عن المواقف والأشياء والأشخاص الموجودين في الواقع. ويقصد بالرمز هو كل ما ينوب عن الشئ أو يشير إليه، مثل الصور الذهنية والألفاظ والأرقام والذكريات والإيماءات والعلامات الموسيقية والصيغ الرياضية والخرائط. ومن هذا نستنتج أن التفكير هو أشمل العمليات العقلية فهو يشمل التصور والتذكر والفهم والاستدلال والتعميم والتخطيط. والتفكير هو نشاط يعين الفرد على الانتفاع من خبراته السابقة والتعلم منها، كما يعينه على التنبؤ ببعض الأشياء والتبصر بعواقب أعماله واستنتاج العلاقات بين الأشياء. وقد يقوم المرء بالتفكير في أي وقت وأي حالة، في العمل، أو أثناء الأكل أو قبل النوم. والأدوات التي يستخدمها العقل في عملية التفكير هي استرجاع ما تم تعلمه وحفظه من خبرات ومهارات إلا أن هذا لا يكفي، ومن طرق استرجاع الماضي: الصور الذهنية الحسية واللفظية، أو عن طريق الكلام الباطن وهي نشاط دقيق غير ظاهر لأعضاء النطق اللسان والشفتين. وهناك طريقة أخرى للتفكير دون استحضار صور ذهنية أو كلام باطني مثل معالجة الأفكار الفلسفية والرياضية.

13الصور الذهنية

إذا كنت تقرأ كتابا مثلا وتراه بعينك فهذا إدراك حسي، أما إذا أغمضت عينيك فانك ستراه في عقلك وهذا يسمى صورة ذهنية حسية للكتاب، وإذا استطعت تصور ملمس إسفنجة ناعمة في مخيلتك فهذه صورة ذهنية لمسية، وإذا استطعت تخيل رائحة معينة فهذه صورة تخيلية شمية. وفي المقابل هناك الصور اللفظية، لو استطعت تخيل كلمة مكتوبة فهذه صورة لفظية بصرية وإذا استطعت تخيل لفظ ينطقه أحد فهذه صورة لفظية سمعية وهكذا. ويختلف الناس من حيث نوع الصور الذهنية التي يتصورونها، فمنهم من يسهل عليه تصور الأرقام، ومنهم من يسهل عليه تصور الحركات وغيره.
والتفكير يختلف عن الإدراك الحسي في إضافة فكرة عامة أو معنى للمدرَك، ففي الإدراك الحسي نحن نرى أو نسمع أو نشم فقط، أما في التفكير فيمكننا إضافة المعاني والقيم أو الأفكار المجردة للأشياء، ونكتسب هذه الأفكار المجردة نتيجة خبراتنا بالأشياء، مثل لفظ قلم فهو لا يطلق على قلم بعينه ولكن يطلق على الأفلام بشكل عام وهي تشترك في صفات معينة وقد تختلف في صفات أخرى. وتختلف المعاني حسب فهم الشخص لها، فهناك المعنى السيكولوجي الذي يتكون نتيجة خبرات الشخص وعلاقة هذا الشئ به، وهناك المعنى المنطقي الذي يصوغه العلم بشكل موضوعي. ونحن نكتسب هذه المعاني في طفولتنا على عدة مراحل:

1- التعميم والتمييز، فإذا رأى الطفل أننا نسمي حيوان الكلب كلباً فإنه قد يطلق على كل ما هو شبيه بالكلب هذا الاسم، مثل قطة أو فأرا وغيره، ثم يبدأ في التمييز بعد مرور الوقت.
2- التجريد، وهو نزع بعض الصفات المشتركة بين الأشياء والتركيز عليها لفهم المعنى الكلي للشئ.

ولقد لوحظ أن الحيوانات أيضا تقوم بعملية التجريد للوصول إلى المعنى، فهي تستخدم عصا خشبية أو عصا خيزران أو قضيبا حديديا أو أي شئ له نفس الشكل ليؤدي غرض ما أو اكثر، فهو ليس قاصر على فعل معين كما أن الوسيلة قد تتغير إذا لم يجدها، وهذا يدل على تجريده لفكرة معينة وهي استخدام شئ ما لعمل أشياء مختلفة، أو استخدام أشياء مختلفة تتفق في صفات معينة للوصول غلى ما يحتاج.

وللتعبير عن هذه المعاني نحتاج إلى اللغة، واللغة هي الرموز التي تحول ما يكتسبه ويفهمه الإنسان من معان إلى رموز حسية وكلمات أو علامات أو أعداد، ولكن قد تكون اللغة خادعة في بعض الأحيان مثل أن تستخدم كلمة واحدة في موضعين مختلفين أو أن يقصد بالكلمة معنى قريب ومعنى بعيد، أو أن تكون الكلمة مؤثرة فتمنع دون استخدام العقل والمنطق. وتتطور المعاني المصاحبة للأشياء في عقولنا باستمرار ليس لأن الأشياء تتطور في العالم الخارجي بل لأننا نستمر في تعلم خبرات جديدة وعلاقات جديدة بين الأشياء. وقد لوحظ من إجراء التجارب أن التفكير لا يقتصر على الكلام الباطن بل قد يفكر الطفل أو الحيوان دون معرفة أية لغة أو وسيلة للكلام، وفي هذه الحالة تستخدم الصور الذهنية والإشارات.

14مستويات التفكير

1- المستوى الحسي، وهو المقتصر على إدراك الأشياء المحسوسة وهو ما يستخدمه الأطفال
2- المستوى التصوري، وهو الذي تستخدم فيه الصور التخيلية المختلفة من سمعية وبصرية وحركية
3- التفكير المجرد، وهو أرقى من التفكير التصوري لأنه يستخدم معاني الأشياء المجردة لا مادتها

15العملية العقلية الثالثة: التذكّر والنسيان.

والتذكّر بمعناه العام هو استرجاع ما تم تعلمه وحفظه فمثلا إذا تذكرت اسم صديق فهذا يعني أني حفظته وتعلمته من قبل، والتذكر يحدث بطريقتين، الاسترجاع وهو استرجاع ما تم حفظه على هيئة ألفاظ أو حركات أو صور ذهنية تخيلية مثل استرجاع كيفية السباحة أو كيفية العزف على آلة موسيقية، والتعرّف وهو الشعور بأن مدرك معين هو جزء من خبرات الشخص السابقة، مثل رؤية وجه صديق ومعرفة أننا رأيناه من قبل. فالاسترجاع هو تذكر شئ غير ماثل أمام الحواس أما التعرف فهو تذكر شئ غير ماثل أمام الحواس. وتتضمن عملية التذكر أربعة عمليات عقلية . 1- التعليم أو الحفظ 2- الوعي 3- الاسترجاع 4- التعرف.

16الوعي

وهو احتفاظ الشخص بما مر به من خبرات وبما اكتسبه من معلومات ومهارات،ولولا هذه العملية العقلية لما استطعنا تذكر ما تعلمناه إطلاقًا، وهي طبيعة فسيولوجية تختلف أبعادها من شخص لآخر، وعمق الوعي لدى شخص ما لا يحدد مهارته على استرجاع ما تعلمه، فقد يكون تعلم الكثير من الأشياء ولكن ذهنه المشوش يمنعه من الاسترجاع الصحيح المرتب. والواقع أن المرء لا ينسى إطلاقا ما مر به، هكذا يقول علماء النفس، بل قد تضعف ذكرى معينة بسبب حدوث أشياء جديدة تطغى على القديم، بل السؤال هنا لماذا لا يمكننا أن تذكر أشياء معينة؟ ويمكن تعريف النسيان بأنه فقدان جزئي أو كلي مؤقت أو دائم لما تعلمناه، وهو عجز عن الاسترجاع والتعرف. ويجب التمييز بين النسيان الطبيعي والمرضي، فالنسيان الفجائي الذي يحدث نتيجة حادثة بسبب تلف في أنسجة المخ هو نسيان مرضي، كما أنه يحدث في بعض الأمراض العقلية وأمراض الخرف وأشهرها الزهايمر.

17أسباب النسيان

قد يكون ببساطة سبب النسيان هو أننا لم ننتبه غلى الشئ الذي اردنا تذكره عندما كنا نلاحظه ونتعلمه لأول مرة. وهناك ثلاث نظريات تحلل النسيان:

1- نظرية الترك والضمور، وهي أن المعلومات والخبرات تضمر بسبب عدم استخدامها فترة طويلة فلا نكون قادرين على استرجاعها.
2- نظرية التداخل والتعطيل، ويحدث هذا بسبب كثرة المدخلات العقلية خلال اليوم، وقد لوحظ أن النسيان في فترة النوم يقل بشكل واضح، فالأطفال يتذكرون القصص التي تروى لهم قبل النوم بطريقة أفضل من القصص التي يتعلمونها خلال النهار. التعطيل الرجعي، فمثلا إذا حفظت مجموعة من الأبيات ثم بعدها مباشرة بدأت بمذاكرة وحفظ مادة ما فإن نسبة ما يمكن أن ينسى من الأبيات تزيد بشكل كبير، أما في حالة أخذ فترة استراحة بينهما فإن النسيان يقل. التعطيل البعدي، فمثلا أخذ درس في لغة معينة قد يعطل الدرس التالي له كتعلم العزف أو مادة أخرى وهكذا.. وكلما زاد التشابه بين المادتين كلما زاد تعطيل إحداهما للأخرى، وكلما كان التعلم أكثر دقة وتنظيما كان التعطيل اقل ما يمكن.
3- نظرية الكبت، وفي هذه الحالة فإن العقل يكبت (ينسى) الأحداث الغير سارة والتي لا يريد تذكرها، وقد أجريت تجربة حيث طلب إلى بعض الطلاب تذكر خبراتهم السارة والغير سارة، وقد وجد انهم استرجعوا 51% من الخبرات السارة و38% من الخبرات الغير سارة. وفي هذه الحالة النسيان هو عملية انتقائية يقوم بها العقل اللاواعي من اجل حماية الفرد مما يؤلمه.

18قياس الوعي والنسيان

هناك ثلاث طرق:

1- طريقة الاسترجاع: حيث تقاس قدرة الشخص على استرجاع قائمة من الكلمات الجديدة التي تم حفظها في فترة معينة، ويجب أن تكون المادة جديدة وغير مألوفة للشخص حتى لا تتداخل معها الخبرات السابقة والمعلومات القديمة.
2- طريقة التعرف: بأن يعرض على الشخص مجموعة من الصور مثلا التي يحفظها ثم بعد مدة تعرض عليه ثانية مع إضافة بعض الصور أو التعديلات والمطلوب منه أن يتعرف على ما رآه أول مرة.
3- طريقة إعادة الحفظ، بأن يحفظ الشخص قائمة من الكلمات أو أبيات من الشعر ويطلب منه استرجاعها دون أخطاء على فترات متفاوتة، فإذا كررت التجربة مرتين في الأولى 50 مرة وفي الثانية عشرون مرة فإن 30% هي مقياس الوعي و20% هو مقياس النسيان، أي أنه نسي 20% من المادة.

وقد لوحظ من تجارب النسيان بعض الملاحظات:

1- أن هناك فروقات بين الأشخاص في قدرتهم على الوعي وفي سرعتهم في النسيان.
2- أن العادات والمهارات الحركية تنسى بصعوبة مقارنة بالمهارات اللفظية
3- أن المبادئ والأفكار والاتجاهات العامة أعصى على النسيان من الوقائع والمعلومات.
4- أن المادة ذات المعنى المفهوم يكون نسيانها أبطء
5- أن نوع النشاط الذي يمارسه الفرد بعد التحصيل يؤثر على سرعة النسيان
6- أن النسيان خلال النهار اسرع من النسيان خلال النوم
7- أن النسيان في بداية الأمر يكون سريع جدا ثم يتباطأ تدريجيا

19الاسترجاع

والاسترجاع هو استحضار الماضي بصورة جزئية أو كلية محددة، فإن كان استرجاع مكتمل محدد الزمان والمكان سمي استدعاء. والمداومة هي استرجاع بعض الصور أو المشاعر أو الذكريات بدون مناسبة معينة واستمرار ظهورها في ذاكرتنا، أما الاستكمال فهو القيام باستجابة كاملة لجزء من موقف ما تم تذكره، وكأن الموقف حدث بأكمله مرة أخرى.
العوامل الذاتية التي تساعد على الاسترجاع.

1- الاسترخاء وعدم بذل الجهد في التذكر
2- التهيؤ الذهني للاسترجاع
3- عدم الميل إلى الإغلاق، فالمواضيع الغير مكتملة تبقي الذهن يقظا وفي حالة تأهب لإتمام الأمر.

20العوامل الموضوعية التي تساعد على الاسترجاع

1- التكرار، فكلما تكرر الأمر سهل علينا استرجاعه
2- الأولية، أول مرة في كل شئ لا ينسى
3- الحداثة، نحن نميل إلى تذكر آخر مرة من كل شئ
4- الشدة، الأحداث والخبرات العنيفة لا تنسى بسهولة
5- اكتمال الملابسات، إذا أردت أن تتذكر شيئا وعجزت عن ذلك فجرب أن تهيئ الظروف مثل التي حدثت بها الواقعة فهذا سيسهل على عقلك عملية الاسترجاع

21تحريف الذكريات

لا تكون الذكريات التي نسترجعها صورة طبق الأصل من الواقعة الحقيقية بل إنها تتأثر بالتحريف والانتقاء عن طريق عوامل ذاتية مثل الحالة المزاجية للفرد أو الإزهاق أو التهيؤ الذهني أو عوامل موضوعية مثل الزمن وما يؤثر به من تداخل ذكريات ووقائع مع بعضها البعض. كما يؤثر دقة إدراكنا للموقف الأصلي على قدرتنا على استرجاع الموقف، وأيضا الميول والرغبات والانحيازات تحرّف بعض الذكريات عن صورتها الأصلية، كما أننا نؤول ما يحدث بصورة منطقية ونخلق لما يحدث أسبابا في عقولنا مما يؤثر على العلاقات بين الأشياء ويؤثر على كيفية استرجاعنا لها.

ومن العوامل التي تعمل على تحريف الذكريات:

1- عامل التسوية وهو الميل إلى سد ثغرات الموقف الأصلي في عقولنا والعمل على اكتمال الصورة
2- عامل الإرهاق وهو التأكيد على الأجزاء التي يؤيدها أو يحبها الشخص والمبالغة فيها أو التقليل من صورة بعضل الأجزاء التي لا يريد ذكرها
3- عامل التمثيل، وهو تحويل الأشياء الغير مألوفة إلى أشياء مألوفة في أذهاننا

22التعرف

التعرف هو الشعور بالألفة حيال الأشياء حال رؤيتها، وقد يكون شعورا واضحا أو غامضا، بطيئا أو سريعا، وقد يأخذ التعرف صورا كثيرة في حياتنا اليومية مثل التعرف على طريق العودة إلى المنزل بشكل لا شعوري، أو طريقة استخدام آلة ما تعودنا على استخدامها، والتعرف أيسر من الاسترجاع فقد يصعب على المرء تذكر شئ معين ولكن ما أن يراه فإنه يتعرف عليه مباشرة، وللتعرّف أخطاء كما الإدراك، فقد يتذكر الفرد أنه رأى هذا الشئ من قبل ولكنه لم يفعل، أو قد يعجز المرء أن يتعرف على الأشياء المألوفة إذا كان من غير المتوقع أن تكون في هذا المكان أو بهذه الطريقة والعجز عن التعرف شائع في بعض الأمراض العقلية.

الحقيقة أننا نميل أن نبالغ في تذكر الأشياء التي نهتم لها وننسى الأشياء التي لا تهمنا فهي عملية انتقاء لا أكثر، إذا قد يكون عدم الاهتمام لمادة ما سبب في النسيان المستمر لها كما أن عد التحصيل الجيد للمادة قد يكون سبب من هذه الأسباب، وضعف الانتباه لشئ ما أو مادة ما من أسباب نسيانها الدائم، فقد يكون الشخص سليم الذاكرة ولكنه ضعيف الانتباه.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

إحدى عشر − عشرة =