تسعة
الرئيسية » اعرف اكثر » منوعات » كيف نفهم منهج العلوم الرياضية الصورية بشكل مبسط؟

كيف نفهم منهج العلوم الرياضية الصورية بشكل مبسط؟

تمثل العلوم الرياضية الصورية ، والتي تشتمل على كل من الرياضيات والمنطق، طبيعة خاصة متميزة عن كافة العلوم التجريبية الأخرى. حيث تعتمد على منهج صوري خاص خلال بحثها؛ وهو المنهج الاستنباطي الذي سنتعرف عليه في هذا المقال.

العلوم الرياضية الصورية

تنتمي العلوم الرياضية الصورية إلى العلم الحديث، ومفهوم العلم يمكن تقسيمه من خلال طبيعة المنهج الذي يستخدمه، إلى نوعين من العلوم: الأول هو العلوم الصورية والتي تحتوي على المنطق والرياضيات. والقسم الآخر هو العلوم الإخبارية التي ترتبط بالواقع والتجريب مثل الفيزياء والكيمياء وغيرها من علوم طبيعية، وعلم الاجتماع والنفس والسياسة وغيرها من العلوم الإنسانية؛ حيث تستخدم هذه العلوم الإخبارية المنهج التجريبي خلال أبحاثها التي تجريها لتحصيل المعرفة. أما العلوم الرياضية الصورية فإنها تستخدم المنهج الصوري أو الاستنباطي في بحثها. وهذا المنهج الصوري هو منهج العلوم الاستدلالية التي تعني فقط بالانتقال من قضية إلى قضية أخرى، أي أنها تبدأ من مقدمات إلى نتائج تلزم عنها، دون حاجة إلى الرجوع للواقع أو عالم التجربة الحسية. ويتم النظر الآن إلى كل من الرياضيات والمنطق على أنهما امتداد لطريق واحد وأنهما يستخدمان منهجًا واحدًا، وهو ما أثبته الفيلسوف الإنجليزي المعاصر برتراند راسل (1872 – 1970م) مع فلاسفة آخرين. والمنهج الصوري هو منهج استنباطي، أو بشكل أدق هو المنهج الأكسيومي (وكلمة أكسيومي تعني بديهي)؛ أي يقوم على افتراض بديهيات ومسلمات أولية يتم منها استنباط المبرهنات والنظريات الرياضية. وسوف يركز هذا المقال على مناقشة المنهج الصوري.

طبيعة العلوم الرياضية الصورية

العلوم الرياضية الصورية طبيعة العلوم الرياضية الصورية

تتميز الرياضيات بأنها تمتلك طبيعة ضرورية وكأنها تمثل علم الضرورة كما يقول الفلاسفة. فعندما نسلم بالمقدمات المعطاة في القضية الرياضية، فلابد بالضرورة أن نسلم بما هو تالي لتلك المقدمات. ويعبر تاريخ تطور الرياضيات عن تلك الصورة الأخيرة للضرورة التي تربط بين أطراف القضية الرياضية. تبدو القضية الرياضية إذًا وكأنها المولود الكامل والمثالي الوحيد بين كافة العلوم المختلفة، لذلك تعتبر العلوم الرياضية الصورية نموذجًا مثاليًا للضرورة والانضباط الكامل المنشود في الاستدلال العقلي بين العلوم جميعها، وكذلك تمثل اليقين المطلق.

استقلال الرياضيات عن الواقع التجريبي

والرياضيات ما هي إلا بناء عقلي خالص، وتتسم بطبيعة منطقية بحتة؛ لذلك لا تعتمد ولا تنتظر القليل أو الكثير من العالم المادي الفيزيائي التي يعبر عن هذا العالم كافة العلوم التجريبية أو الإخبارية الأخرى. فهي لا تحتاج إلى الواقع أو الوقائع أو التجارب الحسية لكي تؤكدها صحتها أو خطها، إنها علم عقلي خالص قائم بذاته بعيدًا عن عالم الحس، ومن هنا تكتسب طبيعتها الصورية أي الشكلية دون الاعتماد على المادي أو المضمون، ويشاركها في تلك الطبيعة الصورية علم المنطق أيضًا؛ لذلك نطلق عليهم معًا: العلوم الرياضية الصورية .

إن الرياضيات تعمل بشكل مستقل تمامًا عن العالم الحسي المادي، فهي بذلك الفرع الصوري المتميز في العلم بل هي ملكة العلوم الإخبارية جميعها التي ترتبط بالواقع التجريبي. فقد نختبر في الواقع مثلًا امتزاج كوب من الماء مع آخر، لينتج عنهم كوبًا جديدًا أكبر وليس اثنين، وهذا قد ينافي قواعد الرياضيات والحساب، لكنه صحيح في عالم التجربة الحسية. ونحن لا ننتظر مثلًا من الهندسة وقواعدها أن تصدق على العالم الواقعي بل كل ما ننتظره أن تكون متسقة مع المقدمات التي بدأت منها ومتسقة مع النتائج، وبذلك يأتي النجاح في قواعد العلم المنشود. فكلما كان استخدام أي علم من العلوم لقواعد الرياضيات واسعًا، كلما تميز هذا العلم بالدقة والنجاح بشكل أكبر.

وبناء على ذلك فليس من المتوقع أن تنتقل العلوم الرياضية الصورية خارج إطار الأوراق التي تعمل بداخلها لكي تستفتي وتستشير الواقع، وكأن عالم الرياضيات يريد أن يقول: ما عليكم سوى أن تفترضوا معي هذه المقدمات أو المصادرات الأولية، ثم تعالوا لكي تشاهدوا ما يمكن أن ينتج عنها من نظريات من خلال استخدام المنهج الاستنباطي الخالص، وإن صحت فسوف تتسم باليقين المطلق والضرورة الخالصة. لذلك فإن طبيعة الرياضيات تتسم بأنها لغة الانضباط والاستدلال الدقيق الذي لا شبيه له في أي طريقة من طرق التفكير.

الطبيعة المتصلة للرياضيات بين القديم والجديد

إن العلوم الرياضية الصورية تتميز بالاتصال في عملية التقدم والتطور. فكل يوم تأتي بإنجازات جديدة وتضيف تقدم وتطور مثمر إلى تاريخها. لكننا نرى في العلوم الإخبارية التجريبية عكس ذلك حيث نجد أي تقدم أو إنجاز جديد يلغي وينسف أي مراحل سابقة من تاريخ العلم، فيأتي الجديد ليكشف أحيانًا عن عدم صدق وصحة القديم ليصحح ويعدل في المعارف العلمية. أما في العلوم الرياضية الصورية فإن الناهج الجديدة المتطورة قد تستوعب مواطن الخلل والمشاكل القديمة، وتقدم حلولًا بسيطة وعميقة لهذه المشكلات. لذلك فإن تاريخ الرياضيات يتسم بالاتصال بين قديمه وإنجازاته الجديدة المتطورة.

الصدق والضرورة المنطقية في الرياضيات

إن القضية الرياضية تتسم بثبات الصدق والضرورة المنطقية، داخل النسق الرياضي الذي توجد فيه، يجعلها متفردة ومتميزة عن قضايا العلوم الإخبارية التجريبية؛ ونقصد بمصطلح النسق أي بناء كلي يتكون من أجزاء مرتبطة بعضها البعض بعلاقات منطقية ويؤدي كل جزء وظيفته الجزئية لكي يكتمل البناء. فطالما تم إثبات الارتباط بين المقدمات والتالي داخل هذا النسق، فإن العلوم الرياضية الصورية تظل صادقة وصحيحة بشكل مطلق ودائم. وكلما تقدمت الرياضيات في سلم التطور والإنجاز، فإنها لن تتعالى وتقلل من شأن براهين وإثباتات السابقين من العلماء طوال تاريخها القديم؛ فمازال فيثاغورس له قيمة كبيرة نتيجة لنظريته التي صاغها قبل الميلاد بمئات السنين ويتم العمل بها حتى الآن، ومازال أقليدي يمثل النموذج المثالي في بناء النسق الهندسي.

إن العلوم الرياضية الصورية عندما تكون كاذبة فإن ذلك يأتي من تناقضها الذاتي والداخلي، أي من داخل النسق، فلا تتسق المقدمات مع النتائج؛ وإذا صدقت فإن هذا الصدق يكون ضروري ويقيني بشكل مطلق. ولا يرتبط كذبها بالظروف أو الشروط المختلفة؛ فمثلًا قضية (3+2=5) لا تكون مرتبطة بأي ظروف خاصة بالمكان أو الزمان الذي توجد فيه، بل يتسم صدقها بالديمومة والأبدية طالما كنا متفقين على معنى محدد للرموز والحدود المنطقية في التي تحتويها تلك القضية أي (3، 2، 5، =، +). لذلك علينا أن نستكشف أهم الخصائص التي تتسم بها القضية الرياضية.

خصائص القضية الرياضية

حينما نتحدث عن القضية الرياضية، فإن ما نقصده تحديدًا هو الرياضة البحتة وليسس الرياضة التطبيقية. فالرياضة البحتة تتعلق فقط باستدلال صيغة محددة من صيغة أخرى وهذه من ثالثة، والثالثة من رابعة وهكذا، حتى تنتهي بنا تلك السلسة عند مسلمات نفرضها في البداية. لا تتعلق الرياضة البحتة إذًا بالتساؤل حول صدق قضية رياضية معينة مع الواقع أم لا، ولكن يكون التساؤل الصحيح لها، هو ما إذا كانت تلك القضية الرياضية تلزم عن فرضيات أولية أو لا تلزم عنها.

علاقة اللزوم والضرورة المنطقية في القضية الرياضية

لذلك فإن أول خاصية من خصائص القضية في العلوم الرياضية الصورية أو الرياضة البحتة تحديدًا، هو أنها تعبر عن علاقة لزوم منطقي لعبارة من عبارة أخرى، فعملية الإثبات في القضية الرياضية يتركز على لزومها المنطقي عن سواها، أي على أن شيئًا غيرها يقتضيها بالضرورة وليس صدقها مرهونًا بمطابقة الواقع.

القضية الرياضية تحتوي على متغيرات وليس ثوابت

الخاصية الثانية التي تتميز بها القضية الرياضية هي أنها لا تحتوي على رموز ثابتة المعنى، بل تحتوي فقط على متغيرات مثل (س، ص، ع الخ)، ولا يوجد فيها من الثوابت إلا الثوابت المنطقية وحدها. ونقصد بالرموز الثابتة، تلك التي لا يتغير معناها رغم اختلاف موضعها، مثل كلمة (أحمد) أو عدد (1، 2، 3 ..)، وكذلك الرموز (+، -، = …الخ)، كل ذلك يمثل ثواب لا يتغير معناها أو دلالتها بتغير مكانها أو السياق الذي توجد فيه. أما المتغيرات، فالمقصود بها في أغلب الأحيان تلك الحروف مثل (س، ص، ع، ..) التي لا تحتوي على معنى بذاتها بل يتغير معناها بتغير السياق والموضع الذي توجد فيه، فقد يعني الرمز (س) عددا معينًا مثل 1، أو 2، وقد يعني اسم إنسان مثل أحمد وغيره.

وعندما نقوم بتحويل الثوابت في قضية ما إلى متغيرات، فإن ذلك يجعل تلك القضية رياضية؛ لأن تحويل الثوابت إلى متغيرات ينقل معناها من التخصيص لشئ أو معنى معين إلى حالة التعميم؛ والتعميم المطلق هو الذي يوضح الجانب الصوري الذي تتمتع به العلوم الرياضية الصورية والرياضة البحتة بشكل دقيق.

القضية الرياضية تحصيل حاصل

وتتميز القضية الرياضية بخاصية ثالثة هي أنها تحصيل حاصل، لأنها تصدق على كافة الحالات الممكنة، ومثل هذا النوع من القضايا (كأن نقول: إما أن تكون “س” أو “لا – س”)، لا يتقيد صدقها بحالة جزئية محددة، ولا تكون كاذبة إطلاقًا، لكنها لا تكفي وحدها لكي نستدل منها على شئ عن الواقع. وبالتالي تكون القضية الرياضية تحصيل حاصل عندما نحكم عليها بالصدق في جميع الحالات الممكن، أي يستحيل أن تكون هناك حالة يمكن تكذيبها.

المنهج الاستنباطي في العلوم الرياضية الصورية

العلوم الرياضية الصورية المنهج الاستنباطي في العلوم الرياضية الصورية

تعريف الاستنباط وطبيعته

يأتي أصل كلمة استنباط في اللغة العربية بمعنى استخراج الماء من المنبع أو المصدر، أي استخراجه بفعل فاعل أو جهد ما. وبعد ذلك أصبح معنى الاستنباط هو الاستخراج بشكل عام، وتحديدًا عندما يكون هذا الاستخراج مثمر ونافع، فيقال استنبط الحكم أي استخرجه عن طريق الاجتهاد. ويعرف عبد القاهر الجرجاني الاستنباط بأنه هو: استخراج المعاني من النصوص بفرط الذهن وقوة القريحة. وبذلك نرى أن العرب قديمًا قد عرفوا مصطلح الاستنباط بوصفه فعل ذهني له طريق معين، وعرفوا كذلك القياس الأرسطي في المنطق القديم والذي يعد شكلًا من أشكال المنهج الاستنباطي يختلف عن المنهج التجريبي. وقد اتخذت مناهج البحث الحديثة هذا المصطلح القديم وبنت وطورت عليه لكي تستخرج منه صورة ناضجة لمنهج الرياضيات وطريقة التفكير الرياضي ومن ثم صياغة منهج متكامل يسمى بالمنهج الاستنباطي في العلوم الرياضية الصورية .

المنهج الاستنباطي عبر التاريخ

قد يكون المنهج التجريبي الخاص بالعلوم الإخبارية مرتبط بالعصر الحديث ويمثل الإنجاز الأعظم للعلم في الحضارة الحديثة، لكننا سنجد في المقابل المنهج الاستنباطي يضرب بجذوره في التاريخ قديمًا بوصفه طريقة من طرق التفكير التي عرفتها العصور القديمة. ففي الحضارة اليونانية القديمة ظهر كتاب إقليديس الشهير في القرن الثالث قبل الميلاد، ليمثل النموذج والمثال الأعلى الذي يتم اتخاذه كطريقة في التفكير تمثل الدقة والانضباط العلمي. فحتى الآن يتم تدريس نظريات إقليدس وفيثاغورس إلى التلاميذ في المدارس. وبذلك فإن المنهج الاستنباطي هو منهج العلوم الرياضية الصورية أي الرياضيات والمنطق. ولأن الاستنباط هو انتقال العقل من مقدمات إلى نتائج تلزم عنها، فإنه يقترب بشكل كبير من طبيعة الفلسفة، لذلك فإنه قد ارتبط قديمًا في نشأته بالفلاسفة الكبار أمثال أرسطو وإقليدس والرواقيين.

ومع بداية الفلسفة الحديثة سنجد الفيلسوف الفرنسي الشهير “رينيه ديكارت” (1596 – 1650م) يعتبر بوجه خاص هو الرائد الأول في وضع صياغة فلسفية محددة وواضحة للمنهج الاستنباطي وكيفية العمل به وأصوله. يضاف إليه أعمال الفلاسفة من أمثال بليز بسكال وسبينوزا. لكل كل تلك الأعمال الفلسفية لهؤلاء الفلاسفة كانت تعتبر هذا المنهج الاستنباطي جزءًا خاصًا بالبحث الفلسفي والتفكير العقلي بشكل عام دون تحديد واضح لتخصصه في العلوم الرياضية الصورية دون سواها. لذلك فإن الصياغة الحقيقية والدقيقة للمنهج الاستنباطي بوصفه منهجًا من مناهج البحث العلمي المختصة بالرياضيات والمنطق، فلم تتشكل هذه الصياغة إلا مع فلاسفة العلم وعلم المناهج خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، حيث كان المنطق الرياضي ناضجًا وقتها.

عناصر المنهج الاستنباطي

إن طريقة التفكير الرياضي كما رأينا، تعتمد على استخراج النتائج من المقدمات، فالاستنباط هو حركة العقل من قضية أو عدة قضايا هي المقدمات أو المسلمات، إلى قضية أخرى هي النتيجة، وذلك وفقًا لقواعد وأصول المنطق دون حاجة إلى الرجوع للتجربة أو الواقع الحسي؛ وبذلك يكون الاستنباط منذ قديم الزمن يمثل في جوهره استلال يتألف من الحكم على صدق قضية تسمى بالنتيجة بناءً على ثبوت ذلك الحكم في قضية أو عدة قضايا هي المسلمات. واستنباط النتائج من المقدمات يعني البرهنة على هذه النتائج.

وتعتمد طريقة التفكير في العلوم الرياضية الصورية والمنهج الاستنباطي في عملها على ثلاثة عناصر هي:

  1. المقدمات أو المسلمات الأساسية. وهي كافة الحدود أو القضايا الأساسية الأولى التي تمثل نقطة البدء في الاستدلال، حيث تعتبر المادة الخام أو الغفل لعملية الاستنباط؛ وهي بمثابة المعلوم الذي سيتم الانتقال منه إلى المجهول. وتشتمل تلك المقدمات الأساسية على (التعريفات والبديهيات والمصادرات).
  2. استخدام الأدوات والآليات المنطقية التي تمثل قواعد وخطوات عملية الاستدلال.
  3. الوصول إلى النتائج التي تمت البرهنة عليها أو النظرية التي تنتج من تطبيق الخطوات السابقة.

أنواع الاستنباط

يمكننا التمييز بين ثلاثة أنواع من الاستنباط كما قدمها جميل صليبا في المعجم الفلسفي كالآتي:

الاستنباط الصوري

يعد هذا النوع من الاستنباط بمثابة الاستنباط المنطقي البحت، حيث يتم تعريفه على أنه كل قول يتألف من قضيتين أو أكثر، متى سلمنا بصحتهما لزم عنهما قضية ثالثة بالضرورة. وتعتبر قوانين المنطق صورية عامة تنصب على أي موضوع، حيث أنه يهتم بصورة الفكر دون التعلق بالمحتوى أو المادة، ولذلك فقوانينه مطلقة وثابتة لا تتغير، ومن هنا يكون الاستنباط في العلوم الرياضية الصورية ثابت ومطلق أيضًا. ويعتبر القياس الأرسطي هو أشهر نموذج لهذا النوع من الاستنباط، وكان هذا المنطق الأرسطي أول محاولة مكتملة وواضحة لتحديد منهج للبحث يؤدي إلى الوصل لنتائج ومعارف.

الاستنباط التحليلي

وهو استنباط مؤلف من مقدمات ذات صبغة تركيبية، يقوم الذهن باستخراج قضايا بسيطة أخرى من داخلها؛ مثل البرهان التحليلي في الرياضيات الذي يتألف من سلسلة من القضايا، يأتي في أولها القضية المراد إثباتها وآخرها القضية المعلومة. وعندما ننتقل من الأولى للأخيرة فإن كل قضية تكون نتيجة لما بعدها، وتكون القضية الأولى ذاتها مجرد نتيجة للأخيرة وعلى نفس القدر من الصدق.

الاستنباط التركيبي

وهو استنباط عن طريق الانتقال من القضايا البسيطة إلى القضايا أو المبادئ المركبة، مثل كل تركيب رياضي تلزم النتيجة فيه عن المقدمات. وهو تركيبي لأن النتيجة لا تدخل في المقدمات بل تكون لازمة عنها وزائدة عليها. فالعلاقة التي تربط بين القضايا في هذا النوع من الاستنباط ليست علاقة التضمن وإنما علاقة اللزوم. فعندما نقول أن زوايا المثلث تساوي مجموع قائمتين، فإن ذلك ليس بقضية داخلة في المقدمة أو متضمنة فيها بل هي حلقة جديدة في السلسلة لازمة عن الحلقة السابقة عليها. فكل قضية جديدة تتحرك بنا من المعلوم إلى المجهول، أي أن هناك بناء أو إنشاء يبنيه الذهن.

وهذا النوع من الاستنباط يمثل خير مثال لمنهج العلوم الرياضية الصورية ، لأنه إذا كان القياس الأرسطي القديم بمثابة الانتقال من الكلي إلى الجزئي فإن الاستنباط التركيبي هو انتقال من الجزئي إلى الكلي، وليست النتيجة داخلة في المقدمات مثل القياس بل لازمة عن المقدمات. والعلاقة في الاستنباط الرياضي هي علاقة لزوم وليست علاقة تضمن.

طريقة بناء النسق الاستنباطي في العلوم الرياضية الصورية

المنهج الرياضي ومفهوم النسق

يهتم علم مناهج البحث أو الميثودولوجيا بطرق التفكير العلمي الناجحة والدقيقة، لذلك فهو يهتم بالاستنباط كمنهج للبحث والتفكير الرياضي، وتحديدًا الاستنباط التركيبي. فنكون أمام تركيب أو بناء تتآزر فيه كل الأجزاء والحلقات، حيث أن الأنظمة الرياضية الكبيرة والرئيسية ما هي إلا أنساق استنباطية تم بناؤها. وفي البداية فإننا نقصد بمصطلح “النسق” system أي بناء كُلي يتكون من أجزاء، لكن هذه الأجزاء تتميز بوجود رابطة منطقية بينها تجعلها مترابطة بشكل محدد، بحيث يصبح كل جزء في هذا النسق له موضعه ومكانه المحدد على أساس علاقته ببقية الأجزاء.

الهندسة الإقليدية وبناء النسق

ولفهم الكيفية التي يتم من خلالها بناء النسق الاستنباطي في العلوم الرياضية الصورية ، فإننا سنتخذ من هندسة إقليدس مثالًا توضيحيًا، لأنها تمثل أول نموذج مكتمل وناضج في بناء النسق الاستنباطي الرياضي، وظلت هكذا طوال ألفين سنة نموذجًا مثاليًا. فعندما جاء إقليدس، قام بتطبيق تحليلات أرسطو المنطقية من أجل بناء النسق الرياضي، حيث أنه كان معاصرًا له. وبالرغم من أن إقليدس لم يأتي بجديد إلى الجهود الرياضية السابقة عليه، إلا أنه قام بشيء في غاية الأهمية، وهو أنه قام بالربط المنطقي بين تلك الجهود. وقد تناول إقليدس في كتابه الشهير المعروف باسم (الأصول)، كافة الرياضيات المعروفة في ذلك الوقت من هندسة وحساب ونظرية أعداد، ثم قسم الكتاب إلى ثلاثة عشر فصلًا، حيث كانت السمة الغالبة على الكتاب هي تكوين نسق استنباطي مكتمل للهندسة المستوية.

خطوات بناء النسق

كيف يتم بناء هذا النسق في العلوم الرياضية الصورية إذًا؟ نقوم أولًا بتحديد المقدمات الأولية للنسق الاستنباطي. فيبدأ عالم الرياضيات بتقديم تعريفات للمصطلحات الأساسية والتعبيرات التي سوف يستخدمها. ثم يقوم بالتسليم ببعض الفرضيات التي يفترض صدقها دون برهنة عليها، حيث يتم تسمية هذه الفرضيات بالمصادرات أو المسلمات؛ فنحن نسلم بصدقها ونصادر عليها منذ البداية، ونفترض صحتها بدون أي برهان. وبعد ذلك يأتي دور الانتقال بالأسلوب الاستنباطي ودون حاجة إلى التجارب الواقعية، فقط من خلال هذه التعريفات والمسلمات وباتباع قواعد المنطق فقط، إلى النتائج التي تترتب عليها؛ حيث نسمي تلك النتائج باسم المبرهنات.

فالنظرية الهندسية هي نظرية تمت البرهنة عليها وإثباتها وليست مجرد نظرية مطروحة ومعطاة أمامنا. ونلاحظ أن هذه الطريقة المستخدمة في العلوم الرياضية الصورية هي عكس ما يتم في العلوم الإخبارية التجريبية تمامًا، فالمنهج التجريبي لا يفترض صدق أي مقدمة أو قضية بشكل مسبق دون إثبات صدقها كما يفعل عالم الرياضيات.

المقدمات التي يقوم عليها الاستنباط في العلوم الرياضية الصورية

العلوم الرياضية الصورية المقدمات التي يقوم عليها الاستنباط في العلوم الرياضية الصورية

التعريفات

يقوم عالم الرياضيات بوضع تعريف للألفاظ والمصطلحات التي سوف يستخدمها في بناء النسق الاستنباطي، ومن حقه أن يُعرف المصطلح أو اللفظة التي سيستخدمها بالتعريف الذي يريده، بشرط أن يلتزم بهذا التعريف في بنائه الاستنباطي كله. ويمكن للعالم أن يترك بعض الألفاظ بدون تعريف، وبالتالي يفرضها بوصفها نقطة البداية، ثم يتم استخدامها في تعريف غيرها من الألفاظ والمصطلحات؛ لذلك يتم تسميتها باللامعرفات.

والتعريفات واللامعرفات هي حدود أو علاقات تنتمي لموضوع البحث. ففي الهندسة مثلًا نقوم بتعريف معاني الحدود الهندسية مثل النقطة والخط والزاوية، ومعاني العلاقات الهندسية مثل التوازي والتقاطع. فعلى سبيل المثال نجد إقليدس يقدم بعض التعريفات ومنها: الخط هو طول بغير عرض، والنقطة هي ما ليس له أجزاء، والسطح ما له طول وعرض فقط. وسوف نلاحظ أنه يقدم ألفاظ بدون تعريف خلال تعريف للخط وللنقطة، مثل ألفاظ جزء وطول وعرض.

البديهيات

يأتي بعد التعريفات في العلوم الرياضية الصورية دور البديهيات. فيقوم عالم الرياضيات بالتسليم ببعض البديهيات، حيث تعد البديهية بمثابة قضية واضحة بذاتها ولا يمكن البرهنة عليها، ولذلك تكون صادقة بدون برهان طالما فهمنا معناها. وتتميز البديهيات بثلاثة خصائص هي: الوضوح الذاتي، حيث تكون واضحة بشكل مباشر أمام العقل دون حاجة للتفسير أو التوضيح. وأنها مبدأ أولي لا تكون مأخوذة أو مستنبطة من غيرها. وأنها قاعدة صورية عامة ينبغي التسليم بها من كل علم تجريبي آخري يلي الرياضيات في منظومة العلوم. ومن أمثلة البديهيات التي استخدمها إقليدس: الكل أكبر من الأجزاء، والمقداران المساويان لثالث متساويان.

المسلمات

كما رأينا فإن عالم الرياضيات يبدأ أولًا بوضع التعريفات للمصطلحات، ثم يسلم في الخطوة التالية بالبديهيات شديدة العمومية. وتأتي الخطوة الثالثة بوضع المسلمات، فهي بمثابة فروض يفترضها العالم من عنده، ويطلب منا أن نسلم معه بها وبصدقها. والمسلمات مثلها مثل البديهيات لا تحتاج إلى برهان أو دليل، ولكن يكمن الفرق بين البديهية والمسلمة في أن البديهية نسلم بها لأنها واضحة بذاتها، أما المسلمة فنسلم بها فقط لأن العالم رآها ضرورية لبناء نسقه الاستنباطي في العلوم الرياضية الصورية .

المسلمات وعلاقتها بالواقع التجريبي

ومن حق العالم أن يفترض ما يراه من بديهيات ومسلمات مهما كانت متعارضة مع الواقع التجريبي الملموس. فيمكنه التسليم مثلًا بأن السطح مستوِِ كما هو الحال في هندسة إقليدية، أو بأنه محدب كما هو في هندسة ريمان، أو أنه مقعر كما هو في هندسة لوباتشيفسكي. فلا يوجد في الرياضيات البحتة إمكانية لمعارضة مسلمات العالم بالواقع والمشاهدات التجريبية، فلا مجال لأن نقول له مثلًا كلا إن السطح ليس هكذا في الواقع؛ فإن هذا القول يدخل ضمن نطاق الرياضيات التطبيقية أو الفيزياء النظرية، أما في مجال الرياضيات البحتة التي تعتبر مجالًا استنباطيًا خالصًا، فإن المسلمة مجرد فرض يفترضه العالم ويلتزم به وليست وصفًا أو تقريرًا عن الواقع أو الطبيعة نبحث فيما إذا كان خطأ أم صواب.

خصائص المسلمات

إن مسلمات وبديهيات النسق الاستنباطي في العلوم الرياضية الصورية لا تتطلب تطابقًا أو صدقًا مع الواقع، لكنها تحتاج إلى توافر ثلاثة خصائص هي:

  • الاستقلال: فلابد أن تكون كل مسلمة مستقلة بذاتها، بمعنى أنه لا يمكن استنتاجها من مسلمات أخرى، لأنها لو كانت غير ذلك فسوف تصبح نظرية مبرهنة من مبرهنات النسق الاستنباطي.
  • الاتساق الذاتي: فلا ينبغي أن يوجد تناقض بين المسلمات، حيث أن العلم لا يفترض صدق نقيضين معًا، فلا يسلم بمسلمة ثم يسلم بأخرى تناقضها.
  • الكفاية: لابد أن تكون كل المسلمات كافية للبرهنة على كل نظريات أو مبرهنات النسق.

ومن الأمثلة على المسلمات في هندسة إقليدس، نذكر مثلًا: يمكن رسم خط مستقيم بين أي نقطتين، والخطان المتوازيان لا يلتقيان مهما امتدا، وكل الزوايا القائمة متساوية.

خاتمة

في نهاية المقال سنجد أنفسنا وقد وصلنا إلى تصور عام بشأن طبيعة تلك العلوم الرياضية الصورية والمنهج المستخدم فيها. فرأينا أنه توجد مجموعتين كبيرتين مختلفتين من العلوم؛ هما العوم الإخبارية التجريبية سواء العلوم الطبيعية أو الإنسانية المرتبطة بالواقع التجريبي المحسوس، ثم مجموعة العلوم الصورية المتمثلة في المنطق والرياضيات. والمنهج الصوري المستخدم في تلك الأخيرة يمكن إيجازه كما اتضح خلال المقال في أنه ينتقل من قضية إلى أخرى أو ينتقل من المقدمات إلى النتائج التي تلزم عنها ولا شأن لتلك المقدمات بالواقع أو المشاهدات التجريبية. وهذا هو الدرس الأساسي الذي وصلنا إليه بشأن طبيعة هذا المنهج.

محمد السيد

باحث أكاديمي ومترجم - ماجستير آداب جامعة القاهرة.

أضف تعليق

أربعة + 14 =