الطفل المزعج

عند حديثنا عن الطفل المزعج وسلوكه، فلابد أن نعلم أنه هناك بالمقابل أبوين منزعجين. ومن الوارد للغاية أن تعانين من مشكلة ما تتعلق بالسمات الشخصية لطفلك، كأن يكون مشاغبا أو كثير الدلال أو شديد الحساسية؛ وأكثر ما يضايق الآباء والأمهات أن يكون الطفل مزعجا عنيدا. ولابد أن نتفق أن الطفل المزعج لا يعاني أبدا من مرض نفسي أو اضطراب. وأغلب حالات الإزعاج التي يسببها الأطفال هي عبارة عن استجابة طبيعية لسلوكيات أخرى للآباء والأمهات. ومع زيادة ذكاء الطفل وعبقريته وإبداعه، يزداد تعبير الطفل عن نفسه بهذه الطريقة المزعجة لكل من حوله. وقد أكدت الدراسات أن الطفل يولد مبدعا بدرجة تصل إلى 100%، ومع مرور الزمن يبدأ مؤشر الإبداع عنده يتقلص ويتناقص؛ وذلك من خلال تصرفات من حوله. فإبداع الطفل يحتاج إلى بيئة حاضنة تطور منه وتحافظ عليه، وإلا يموت تماما. وكون الطفل يمتك ما يسمى بالنظام السلوكي الإبداعي، فهو لديه ألف رد يحمي به ذاته ويدافع عنها ويعبر عن حاجاته.

الطفل المزعج في علم النفس

الطفل المزعج الطفل المزعج في علم النفس

إن الطفل المزعج في علم النفس هو الطفل الذي يصدر سلوكا لا يرضي من حوله؛ وهذه السلوكيات تشمل رفض ما يطلبه الأم والأب وعدم الطاعة والانصياع وعدم قبول النصيحة والنوم الكثير وعدم الاستيقاظ من أجل المدرسة أو بدء يومه في وقت باكر ورفضه تنظيف نفسه وارتداء ملابسه وصدور كلمات وتصرفات منه تسيء للكبار وعدم احترام من حوله والعناد والتمرد وكثرة الدلال والسرقة وحب السيطرة على ما بيد الغير واضطراب النطق رغم تقدم العمر وملازمة التلفاز أو الأجهزة الإلكترونية الأخرى والانطواء الزائد عن الحد والحرية التي تزعج الآخرين وتأتي على حساب راحتهم والتصاق الطفل بأحد أبويه أو بكلاهما والخوف من الانخراط في المجتمع والخوف الشديد من الناس أو من الأشياء، سواء كانت موجودة على أرض الواقع أم حبيسة في خيالاتهم، والحركة الزائدة وتشتت الانتباه والاندفاع وكثرة الأسئلة والفضول حول كل ما حولهم وغير ذلك من التصرفات التي يتسم بها الطفل المزعج ويضايق من حوله.

السبب في كون الطفل مزعجا

ذكرنا فيما سبق أن سلوك الطفل المزعج الذي لا يرضينا، ما هو إلا رد فعل طبيعي لأخطائنا نحن ككبار. والخطأ الكبير هو أن الناس تتعامل مع السلوك على أنه ما يصدر عن الإنسان من تصرفات خارجية أو حركية؛ لأن الصحيح هو أن السلوك، بصفة عامة، هو ما يصدر عن الإنسان من أفكاره ثم مشاعره ثم تصرفاته الخارجية. فالسلوك الخارجي ليس إلا نتاج لأفكار ومشاعر تترسخ في عقل الإنسان ووجدانه من قبل المحيطين به. والمهمة الرئيسية لكل أم وأب هي مساعدة أبنائهما على الانخراط والتعامل مع العالم الخارجي وتعليمهم المهارات التي تمكنهم من ذلك، منذ الولادة وحتى تمام النضج، وذلك من خلال التوجيه الذي يخلو من الإيذاء.

وقد يكون الطفل المزعج يفتقد لواحدة أو أكثر من احتياجاته، كالمدح مثلا؛ فكلنا نحتاج إلى المدح، والطفل على وجه الخصوص لا ينمو إلا بالمدح؛ ولذا فمن الواجب على كل أب وأم التركيز على الإيجابيات وامتداح الطفل عند صدور أي فعل حسن منه، وكذلك التغافل عن السلوكيات السيئة المزعجة وعدم تسليط الضوء عليها باللوم أو الانتقاد الدائم أو غير ذلك من السلوكيات السلبية للآباء، والتي تنعكس بسلوك سلبي على الأبناء.

كذلك تخلق بعض السلوكيات الصادرة من الآباء، مثل اهتمامهم بالطفل الثاني على حساب الطفل الأول أو ضربه على كل خطأ يصدر منه أو الصراخ في وجهه أو عدم الاعتذار من قبل الأب والأم على الخطأ في حقه، تؤدي هذه السلوكيات وغيرها إلى خلق الطفل المزعج الذي يتمرد وينتقم، سواء من أبيه وأمه أو من أحد الأشخاص المحيطين به أو حتى من نفسه؛ فتجده يتهته في الكلام ويتأخر دراسيا ولا يستغرق في النوم بشكل جيد ولا يتناول طعامه بشكل طبيعي، وما إلى ذلك من الأمور التي تعتبر انعكاسا لعدم الاستقرار النفسي الذي يعاني منه الطفل.

ومن الأسباب القوية التي تخلق الطفل المزعج هو عدم الإنصات له ولمتطلباته؛ فالأم والأب لابد وأن ينصتا تماما لمتطلبات أبنائهم، حتى ولو كانت فوق قدراتهم؛ وهذا حق مكفول لكل طفل. ولابد وأن نعلم أن بعض متطلبات الأطفال تكون غير منطقية بالنسبة لنا نحن الكبار؛ فقد تكون نابعة من خيالهم، وقد تكون غير مناسبة لأسلوب الحياة الخاص بنا. فإن وجدتي طفلك يطلب السفر لكوكب آخر، فلابد وأن تنصتي تماما، ولا تسخري من طلبه؛ بل كل ما عليك فعله بعد سماع كلامه بالكامل هو توصيل أن ما يطلب هو فوق قدراتك أو أنه من دروب المستحيل؛ على أن يكون ذلك بشكل مبسط فيه من الحوار والنقاش ما يقنع عقل الطفل ويرضي نفسه. ولعل إشراك الطفل وغمسه في محيط الأسرة ومناقشته وجعله على دراية كاملة بالوضع المادي للبيت يسهل على الأبوين هذه المهمة.

كذلك من الأمور التي تخلق الطفل المزعج هي عدم احترام مشاعره والسخرية مما يقول أو يفعل، أو حتى مش شكله وهيئته وملابسه. وأهم الأخطاء التي تقع فيها الكثير من الأمهات هي استنكار مشاعر الطفل وصده عند التعبير عنها، وإشعاره دوما بأنها تعرف أكثر مما يعرف هو وأنه ما زال صغيرا جاهلا بكل ما حوله، وتوجيه النصح له في وقت غير مناسب، كأن يكون ذلك أمام الناس مثلا أو في وقت هو يحتاج لشيء آخر غير النصح، والشماتة به عند حدوث ما يسوءه بسبب اقترافه ما أنهته عنه من قبل، واستجوابه عند التحدث إليها وطرح الكثير من الأسئلة التي تضايقه، وإشعاره بأنه ضعيف مسكين لا يستطيع التصرف أو الدفاع عن نفسه طوال الوقت.

وفي رأيي أن السبب الأول الذي يؤدي إلى كون الأم والأب لا يعطون الطفل احتياجاته ولا يسخرون منها ولا يعرفون طبيعة كل مرحلة من مراحله العمرية ولا يفهمون الدافع وراء سلوكياته التي لا ترضيهم هو أننا بمجتمعاتنا العربية نتعامل بتهاون شديد فيما يخص العلاقات الإنسانية، والتي تتصدرها علاقاتنا بأبنائنا؛ فالأم والأب يقبلون على الزواج والإنجاب ولا يضعون في اعتبارهم أن ذلك في المقام الأول مسؤولية كبيرة تتطلب من كل منهما أن يعي حجمها وأن يعرف كيفية التعامل الصحيح معها. ولذا فإن قلة الوعي والتثقيف للأبوين الجدد هو ما يخلق الطفل المزعج غير السوي، وهو ما ينشأ الجيل الذي لا يمتلك القدرة على النهوض بمجتمعه وأمته.

أساليب علاج الطفل المزعج

الطفل المزعج أساليب علاج الطفل المزعج

إن كنت من الأمهات المنزعجات من وجود الطفل المزعج داخل المنزل، وكنت تهدف إلى تغيير سلوك خارجي لطفلك، فقومي أولا بتغيير الأفكار والمشاعر التي تدفعه للتصرف بهذا الشكل. وفي حال حدث العكس وقمت بإرغام الطفل على تغيير سلوكه، مع إبقاء أسلوب تفكيره كما هو، فالنتيجة هو تغيير الطفل سلوكه أمامك أنت، خوفا على الأرجح، ثم فعل ما يحبه ويميل إليه إن اختلى بنفسه أو كان بعيد عن ناظرك. ولعل هذا هو السبب في أن الطفل المزعج عادة ما يلتزم بسلوك معين داخل المنزل، حتى إذا ما وجد نفسه في مكان آخر وسط الناس وأمن عقوبتك أو عقوبة أبيه، استغل ذلك وفعل ما يحلو له بعناد شديد.

ومن الأخطاء الكبيرة الشائعة أن بعض الآباء يواجهون عناد الطفل المزعج بأسلوب سلبي، كالضرب والحرمان والإهانة وغيرها؛ وهذا الأسلوب لا يؤتي ثمارا طيبة على الإطلاق؛ فطبيعة كل إنسان على وجه الأرض أن يتجه إلى المتعة ويبتعد عن الألم ويتفاداه؛ وكل ما يصدر عن الإنسان يسير في هذين الاتجاهين بالفطرة. والأم التي تضرب الطفل وتحرمه وتنتقده وتؤنبه وتجرمه وتقارنه بغيره وتسخر منه تكون لدى طفلها صورة سيئة عنها تسبب له الألم بمجرد التفكير فيها؛ ولعل هذا هو السبب في أننا قد نرى طفل يحب أمه الحنون حبا جما، وآخر يكره أمه التي تتعامل معه بأسلوب لا يليق بالإنسان. وقلنا أن الإنسان يتفادى الألم، وعليه فإن الطفل المزعج الذي تكونت لديه صورة مؤلمة لأمه أو لأحد أبويه أو كلاهما يتفادى هذا الألم بكل السبل، حتى لو اضطر إلى تجنب الأم والأب نهائيا وعدم الكلام معهما أو لقياهما. وإن لم يستطع الطفل الابتعاد عن الأم المزعجة أو الأب المزعج واضطر للبقاء معهما بمكان واحد، يبتعد عنهما عن طريق أساليب الانتقام أو ردود الأفعال السلبية التي عادة ما يشتكي منها الآباء والأمهات.

ولذا فإنه من الأنسب حل مشكلة الطفل المزعج عن طريق تجنب أسلوب العقاب الذي يعتمد على الإهانة، والتي تشمل الصراخ والضرب والسب والحرمان وتحطيم المعنويات وغير ذلك طوال العشر سنوات الأولى من عمره، واستبدال كل ذلك بالحوار والحب والاحتضان والتقبيل وإعطاء الطفل الوقت الذي يحتاج ومدحه ليكتسب الثقة بنفسه؛ لأنه في هذه الفترة يكون عبارة عن قطعة من العجين الطري التي تسير في طريق نموها، فكيف أعاقبها؟ ثم كيف أعاقب من لا يعلم؟ أليس من الأفضل لي والأليق بطفلي أن أعلمه الصواب والخطأ بالطريقة التي تناسبه؟ إن عقاب الطفل المزعج في أول فترة من حياته بهذه الطرق تؤدي إلى عواقب وخيمة؛ فهو يصاب بمشاكل نفسية يصعب التعامل معها فيما بعد؛ كما أنه يدخل في قناعاته أنه إنسان سيء؛ وطالما أنه سيء وبه كل الصفات الذميمة ولا يحبه أحد، فلم يتصرف بشكل جيد؟ وهل يتصرف بالشكل الجيد إلا من يحترم ذاته وتتكون لديه القناعات التي ترسخ في داخله أنه لا يليق به إلا الأفضل؟ لقد ولد الطفل إنسانا له كرامة قد وهبه إياها الخالق، فكيف يقوم أكثر من يحبونه بتحطيم هذا الشعور بالكرامة والعزة؟ وإذا تم تحطيم كرامة إنسان خلال السنوات الأولى من عمره، فهل تتوقعين أن يتم إعادة بناؤها بعد أن تلاشت بالفعل وأتم الطفل عشر سنوات من عمره؟

ولتجعلي الطفل المزعج هادئا مطيعا، عليك أولا أن تكوني قدوة له. ولا يقصد بالقدوة أن تكوني مصلية متعبدة تأتين الحسنات وتبتعدين عن السيئات، وإنما هي سلسلة من الأمور الواجب عليك اتباعها حتى تكوني قدوة حسنة لأولادك ويصبح من السهل عليك التأثير عليهم وتوجيههم لكل ما ترينه جيدا. والخطوة الأولى هي أن تستأثري بإعجاب أبنائك وتنالي حبهم؛ ولا أعتقد أن الأبناء يثير إعجابهم أم متسلطة تقهر وتصرخ وتضرب وتهين وتنتقد وتقارن وتفعل كل هذه الأفاعيل، وإنما هي الابتسامة والاحتضان واللمسة الحنونة والرحمة والحوار وكل ما يشعر الطفل بقيمته ويعطيه قدره كإنسان، هذه هي الأمور التي تساعد على كسب قلوب الأبناء.

وبعد تحقيق هذه الغاية، غاية إعجاب أبنائك بك، فمن البديهي أن يحبونك، ومن ثم يحاولون تقليدك في كل ما تأتين وتذرين؛ وهذه هي طبيعة البشر في العموم، أن يقلدون من يحبون. وبهذا يصبح من السهل أن يتخذك أبناؤك قدوة لهم، ولن تجدي معاناة في توجيههم إلى ما يصلح لهم؛ بل كل ما عليك فعله هو فعل ما تحبين أن يفعلوا هم؛ فإن لم يفعلوا فسيكون لنصيحة بسيطة مفعول السحر على طفل يحبك ويتعلق قلبه بك.

ولعل من المهم للغاية الاهتمام بالجانب الجسدي بنفس قدر الاهتمام بالجانب النفسي؛ ونقصد بالجانب الجسدي حصول الطفل على حاجاته الجسدية التي تساعده على نمو صحي وحياة مستقرة سعيدة. وأول احتياجات الطفل الجسدية هي تناول الطعام الصحي الذي يساعده على تكوين خلايا دماغه وعضلات جسمه ونموه بالكامل؛ والذي يشمل الخضروات والفواكه الطازجة والطعام المعد منزليا بطريقة صحية آمنة. ولابد وأن نعلم أن الطعام غير الصحي، سواء في مرحلة حمل الأم أو في مرحلة الطفولة، يؤثر على وظائف المخ وعلى تصرفات الطفل وسلوكياته، مثل السكريات والدهون المشبعة. والسبب في ذلك أن المخ لا يجد العناصر التي تساعده على التكون بشكل صحي. كما أن زيادة نسبة سكر الدم تجعل منه ذلك الطفل المزعج العصبي متقلب المزاج كثير الحركة. وتساعد أوميجا 3 على تكوين الجهاز العصبي بطريقة صحية؛ فإن كانت الأطعمة التي يتناولها الطفل فقيرة بهذا العنصر، فيفضل تناولها على شكل أدوية من الصيدلية.

ومن أهم الحاجات الجسدية التي يحتاجها الطفل هي حاجته إلى النوم الكاف. ولعلك تلاحظين أن طفلك إن لم يأخذ القسط الكاف من النوم يستيقظ في اليوم التالي شديد العصبية وقليل التركيز. وليست العبرة في نوم الأطفال بأخذ القسط الكافي فقط، والذي لا يقل عن 10 إلى 12 ساعة خلال اليوم والليلة، وإنما يلزم النوم ليلا في الظلام الدامس؛ فالنوم خلال فترة النهار لا يساعد الطفل على نمو خلايا جسمه وتجديدها. وثالث الحاجات الجسدية للطفل هي ممارسته الحركة بشكل كاف؛ فالطفل لديه طاقة ورغبة في الحركة؛ ولابد من إفراغ هذه الطاقة وإشباع رغبته في التحرك بحرية. ولحصول طفلك على الحركة بشكل آمن يلزم توفير مكان مناسب له، حتى يتحرك بحرية دون أن يؤذي نفسه.

ولابد من عمل جدول ونظام لإشباع حاجات الطفل الجسدية؛ فوضع مواعيد ثابتة لتناول وجبات الطعام خلال اليوم والنوم واللعب والذهاب خارج المنزل يساعد على تثبيت مستوى السكر بالدم لديه. كما أن ترسيخ فكرة أن هناك أيام للأسبوع، وأن لكل يوم أنشطته الخاصة، وأن الليل والنهار يختلفان وتختلف أنشطة كل منهما يجعل من السهل عليك السيطرة على الطفل المزعج والتحكم في أفعاله دونما عنف. فعلى سبيل المثال لو كان الطفل يعرف المواعيد التي يخرج فيه خلال الأسبوع والمواعيد التي يلعب فيها والمواعيد التي يشاهد فيها التلفاز والمواعيد التي يشتري فيها ألعابا جديدة، فلن يلح في طلب أيا من هذه الرغبات في غير مواعيدها، ولن يشتكي طوال الوقت. وإياك وأن تخلفي وعودك معه، فإن كان هناك ما لا تستطيعين تنفيذه وتحقيقه لطفلك، فالأفضل إخباره بذلك بشكل يقنعه.

الطفل المزعج في سن المراهقة

لأن الأم غالبا ما تكون أكثر عاطفة من الأب، فإن مهمة تربية الأبناء في السنوات الأولى من عمرهم تقع على عاتقها؛ بينما يتولى الأب هذه المهمة ويزيد معدل مشاركته بداية من سن المراهقة، حيث يحتاج الأولاد في هذا الوقت بعضا من الحسم والحزم، على أن يكون مغلفا بالحنان والحب. هذا في حال كان الأم والأب يتعاملان من صبي؛ لأن الأب غالبا ما يكون أقرب للصبي وأكثر دراية بطبيعته وأسلوب تفكيره وميوله في هذه المرحلة. وهذا يجعل الحوار معه أيسر وأكثر تفاهما. وينطبق الشيء نفسه على الفتاة، التي لا يفهما أبيها كما تفهمها أمها؛ وبالتالي فمن الطبيعي أن تكون الأم أقرب لابنتها في هذه المرحلة من العمر. وما يميز هذا الأسلوب في التعامل أن الإنسان في هذه الفترة يحتاج لمعرفة الكثير ويثيره الفضول حول التغيرات النفسية والجسدية التي تطرأ عليه؛ فإن لم يجد مجالا للحديث مع الأم والأب ومعرفة الصواب والخطأ من خلالهم، فأغلب الظن أنه سيلجأ للآخرين، وليس بالضرورة أن يقع اختياره على من هو أهل لتعليمه بالشكل الصحيح وتوجيهه توجيها سليما. والمشكلة الأكبر أن المراهق قد يلجأ لاتخاذ الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي وسيلة للمعرفة، دون أن يرجع لأبويه ليؤكدا صحة المعلومة أو ينفونها. ومن هنا تأتي أهمية الحوار وفهم ما يدور بعقل الابن المراهق، صبيا كان أو فتاة.

الطفل الحركي الفوضوي

في البداية لابد وأن تميزي، عزيزتي الأم، التي تعانين من الطفل المزعج الحركي بين الحركة الطبيعية والحركة الفوضوية؛ إذ أنه من الخطأ التعامل مع كل حركة من الطفل على أنها سلوك مشاغب منه. ولتعلمي كذلك أن الطفل يختلف كثيرا عنا نحن الكبار؛ فنحن إن كنا نظل على وضعية واحدة لوقت طويل، فإن الطفل لا يطيق صبرا على ذلك؛ بل إن علماء النفس قالوا أن الطفل الذي يظل بمكانه دونما أي حركة لمدة نصف ساعة هو طفل غير طبيعي وهو حتما يعاني من مشكلة ما. وخلال الأربع سنوات الأولى من عمر الطفل تعد الحركة الزائدة أمر طبيعي للغاية؛ فهو يريد أن يفرغ طاقاته وأن يستكشف العالم حوله، كما أنه لم يتعلم بعد كيفية التصرف بشكل صحيح، وبالتالي تكون حركاته شديدة العفوية والاندفاع. وقد تكون الحركة الفوضوية للطفل نوعا من أنواع التعبير عن نفسه وإثبات وجوده؛ فقد تجده يصدر أصواتا مزعجة أو يحطم ألعابه أو يرمي الطعام أو الشراب أرضا أو يتعمد إتلاف أي شيء موجود حوله. وكل هذه التصرفات ليست سوى محاولة من الطفل للفت الأنظار إليه. وحل هذه المشكلة يكون بإعطاء الطفل الحب والاهتمام الذي يحتاج، إضافة إلى ملء أوقات فراغه بالأنشطة، حتى لا يشعر بالفراغ والملل ويحاول تبديد هذا الشعور بأي نشاطات فوضوية.

وفي حال كانت حركة الطفل المزعج لأبويه تزداد عن الطبيعي، فلا بد وأن يبحثا في البداية عن العوامل المحيطة به، والتي من الممكن أن تكون السبب في كونه كثير الحركة. ومن أهم الأسباب التي تؤدي إلى الحركة الزائدة لدى الأطفال هي تناول الكثير من السكريات وكثرة العوامل التي تؤدي إلى تشتيت تركيزه وكثرة الضغوط النفسية عليه ممن حوله أو شعوره بالغيرة من إخوانه مثلا أو أقرانه؛ وقد تكون كثرة الحركة ما هي إلا شكل من أشكال التعبير عن التمرد على الأسرة والمحيطين بسبب سوء معاملتهم له وعدم إعطائه ما يحتاج. وتستطيعين، عزيزتي الأم، التأكد من أن حركة طفلك غير طبيعية في حال كان لا يستطيع التركيز مطلقا، حتى على الأشياء التي يحبها؛ فإن وجدتيه مثلا يحب لعبة ما ولا يستطيع اللعب بها لأكثر من دقيقة واحدة، فاعلمي أن طفلك حركي فوضوي. كذلك إذا كان الطفل المزعج مندفعا بشكل دائم ولا ينصت لكلامك، بل يتعجل الرد والتكلم، أو كان نومه قليل وكان يصدر شخيرا بشكل أكثر من اللازم، أو كان، لقلة تركيزه، لا يستطيع التذكر واستعادة الأحداث الماضية، فهذا يعد اضطرابا سلوكيا لا بد من علاجه والاستعانة بطبيب مختص للتعامل معه بالشكل الصحيح.

كيفية التعامل مع الطفل العنيد

الطفل المزعج كيفية التعامل مع الطفل العنيد

في الحقيقة أنه لا يكاد يخلو بيت من الطفل المزعج الذي يتمثل إزعاجه في العناد، بحيث أنه لا يسلم لأبيه وأمه ولا يطيعهما البتة. وينبغي علينا أن نعرف أولا أن العناد هو مرحلة عمرية يمر بها كل إنسان، وليس سلوكا سلبيا يسيطر عليه. ومن الضروري والطبيعي للغاية أن يمر الطفل بهذه المرحلة؛ وذلك لأنه منذ بداية مولده ليست لديه الأنا، بل الأنا الخاصة به هي أمه؛ وعند بلوغه عمر السنتين أو أقل بقليل يبدأ في محاولة إثبات ذاته ويسيطر عليه حب الشعور بالاستقلالية؛ وليست أمامه طريقة لتحقيق ذلك سوى العناد. وتسمى هذه المرحلة بعمر الضد أو عمر اللا أو المراهقة المتقدمة أو المراهقة الأولى. والأسلوب الخاطئ الذي يتعامل به الآباء والأمهات يحول العناد من كونه مرحلة ضرورية في حياة الطفل إلى سلوك يلازمه بشكل دائم. وهذه الأسلوب الخاطئ يشمل مقابلة عناد الطفل المزعج بعناد مماثل من الأبوين؛ الأمر الذي يمنعه من أخذ فرصته في الاعتماد على ذاته والشعور باستقلاليته. وإذا حدث ذلك مع الطفل، فإما أن يستسلم لعناد الأبوين ويترك محاولاته في أن يكتشف قدراته ويتحول إلى إنسان يفعل به ولا يفعل هو، وتقوده الظروف ولا يؤثر هو فيها؛ وهذه هي بداية ضعف الشخصية للإنسان، وإما إن يقابل الطفل المزعج عناد الأبوين بعناد أشد منه، فيتطور معه ذلك العناد حتى يصل إلى حالة من التمرد؛ وإن وصل الأمر إلى هذا الحد فليس من السهل التعامل مع الطفل المزعج وتقويم سلوكه.

ومن الأمور الأخرى التي تساعد على تخطي مرحلة العناد بسلام وعدم ملازمة العناد كسمة وسلوك للطفل هي فتح حوارات كثيرة مع هذا الطفل، على أن تكون هذه الموضوعات خارج نطاق مشكلة العناد أو أي مشاكل أخرى، وإنما في أمور تتعلق بالعمل مثلا أو أحد أفراد العائلة أو الأصدقاء؛ الأمر الذي يشعر الطفل بأنك تحترم عقله وتحاوره وتتحدث إليه كشخص كبير العقل والمشاعر. كذلك لابد من امتداح الطفل المزعج بشكل متكرر؛ فهذا يعزز ثقته بنفسه ويشعره بالتقبل ويجعله ينظر لنفسه من خلال نظرتك له ويرى أن به صفات حميدة تجذب من حوله إليه؛ ونتيجة ذلك أن يبدأ الطفل في التخلي عن العدوانية والعناد؛ مما يجعله أكثر هدوءا وتقبلا لتوجيهاتك له.

كذلك لابد من معرفة أن أسلوب الوعظ ليس هو الأسلوب الصحيح الذي يتعلم من خلاله الطفل المزعج في السنوات الأولى من عمره؛ فالطفل يختلف عنا كثيرا نحن الكبار. وليس هناك أفضل من اللعب لتعليم الطفل المهارات التي يبغي الأم والأب تعليمه إياها؛ فالطفل يتعلم الصبر والإصرار والمثابرة والعمل الجماعي والنظام وغير ذلك من الصفات التي يكتسبها في مراحله العمرية الأولى من خلال لعبته التي يلعب بها وأصدقائه الذين يشاركهم اللعب.

وأختتم كلامي، عزيزتي الأم، بأن تربية طفل تربية سليمة تحتاج، أول ما تحتاج، إلى الصبر؛ فإذا كان المزارع لابد وأن يصبر على ما يزرع حتى يحين وقت الحصاد ويجني ما غرس، فمن باب أولى أن يصبر الآباء والأمهات على تربية إنسان؛ لأن حصاد ما يقوم به سيحتاج للكثير من الوقت. وعقاب الطفل المزعج هو سلوك من يريد أن يرى نتائج سريعة؛ وهو كذلك أسلوب الشخص الذي يعجز عن التعامل مع المشكلة ولا يملك القدرة على ممارسة الأساليب الصحيحة، كالحوار والفن والمدح والقصة والتقرب من الطفل وغيرها.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

18 − عشرة =