الذكريات والنوم

لقد اكتشف العلماء العلاقة بين الذكريات والنوم ، وأن فترة النوم خصوصا في بدايتها تلعب دورا هاما في تثبيت الذكريات القريبة، والتي تكون عادة معرضة للنسيان السريع، بينما يظل الإنسان متذكرا ذكرياته القديمة راسخة في ذاكرته لا تمحوها السنون، ولذلك عكف العلماء على بحث العلاقة بين الذكريات والنوم من أجل الوصول لعلاج ضعف الذاكرة، والنسيان المبكر، كما استطاع الباحثون الاستفادة من هذه العلاقة في تثبيت المعلومات الدراسية بالنسبة للطلبة، وأيضا تعزيز الذاكرة بالنسبة للأفراد، حيث تم إجراء العديد من الأبحاث والدراسات حول تأثير الذبذبات الدماغية على الذكريات، وعلى الاحتفاظ بها أثناء فترات النوم، وسوف نتعرف على التفاصيل من خلال موضوع اليوم.

لقد ظل النوم لغزا يحير الباحثين عما يحدث للإنسان أثناء النوم، وما يمر به في مراحل النوم المختلفة، وتأثيرات ذلك على ذاكرة وذكريات الإنسان، ومن ثم بدأ البحث عن العلاقة بين الذكريات والنوم، ولكي تتضح الأمور اكثر، من الضروري أن نتعرف على مراحل النوم المختلفة ومميزاتها.

مراحل النوم

يعرف الباحثون النوم بأنه ظاهرة طبيعية تحدث للإنسان من أجل الوصول إلى حالة من استرخاء الجسم من أجل استعادة النشاط اللازم للدماغ، وبالتالي لباقي العمليات الحيوية لجسم الإنسان.

مرحلة الاستعداد للنوم

أو أحلام اليقظة، وفيها تتوارد على الذهن بعض أحداث اليوم السريعة، أو بعض ما يشغل الذهن من أفكار، وفي هذه الفترة تنطلق من المخ مجموعة ذبذبات تعرف ب (موجات ثيتا)، ودور هذه الموجات هو إعطاء الأوامر إلى كافة أجهزة الجسم لإبطاء العمليات الحيوية، مما يدخل الجسم في إحساس باسترخاء مفاجئ، وقد تمتد هذه المرحلة حتى 15 دقيقة، وتختلف مدتها من شخص لآخر.

مرحلة النوم الخفيف

وهذه المرحلة تستغرق حوالي 20 دقيقة يصدر المخ خلالها إشارات متتابعة وسريعة، والمعروفة ب (مغازل النوم)، وفيها تنخفض درجة حرارة جسم الإنسان، مع بطء في سرعة ضربات القلب.

مرحلة الانتقال بين النوم الخفيف والنوم العميق

في هذه المرحلة يطلق المخ ذبذبات بطيئة تعرف ب (موجات دلتا)، تأخذ الجسم إلى مرحلة بين النوم الخفيف والنوم العميق.

مرحلة النوم العميق

مع استمرار تدافع ذبذبات دلتا يصدر المخ إشاراته لجميع أجهزة الجسم للتباطؤ في عملها بشكل تدريجي، ومعها تهدأ حركة الجسم، ويتحول بالتدريج من النوم الخفيف إلى النوم العميق خلال 30 ثانية تقريبا.

وفي مرحلة النوم العميق، تحدث الأحلام التي يتم استشعارها أثناء النوم، وتتميز أيضا بالحركة السريعة للعينين، والتي حيرت وما زالت تحير العلماء في تفسيرها، وبعض التفسيرات ترجعها إلى نشاط المخ أثناء الأحلام حيث يتم عرض مجموعة من الصور يخيل للإنسان أنها حقيقية، وقد يقترن بذلك تحريك لليدين أو الرجلين أثناء الحلم.

ومن أجل توضيح العلاقة بين الذكريات والنوم فقد أشار العلماء إلى إمكانية حدوث الأحلام خلال المرحلتين الأولى والثانية من مراحل النوم، غير أن هذه الأحلام يصعب تذكرها بخلاف أحلام مرحلة النوم العميق التي تعتبر الأحلام الحقيقية والتي يمكن تذكرها.

النوم والتعلم

عند تلقي العلم، يبقى أثره في الذاكرة فترة قصيرة، لذلك يحتاج الشخص إلى تثبيت تلك المعلومات، وإلا فإنها سوف تتلاشى بعد حين، ومن أجل تثبيت تلك المعلومات، يرسل المخ إشارات لتثبيت تلك المعلومات بشكل دائم.

ويرى الباحثون أن الشخص لو تعلم معلومة ثم نام بعدها، فإن درجة ثبات المعلومة في هذه الحالة تكون أقوى من أن يتعلمها ويبقى مستيقظا، ويرجعون ذلك إلى حالة النشاط التي يكون عليها المخ في مراحل النوم المختلفة، وتبقى درجة التذكر مرتبطة بحجم هذا النشاط دون تقديم تفسير واضح لذلك.

والمقدرة على الحفظ والتذكر ليست ثابتة عند الجميع، بل أنها تختلف حسب نشاط الخلايا العصبية للدماغ وهي مختلفة من حيث التوقيت والقوة من شخص لآخر.

الذكريات والنوم

من خلال الأبحاث التي تتم على العلاقة بين الذكريات والنوم، قام مجموعة من العلماء البريطانيين بعمل دراسة حول علاقة النوم بتخزين الذكريات لفترات طويلة، حيث تم إجراء مجموعة تجارب على مجموعة من المتطوعين الغير ناطقين بالإنجليزية، حيث قاموا بتعليم 80 متطوعا عدة كلمات إنجليزية، بحيث نام بعضهم عقب التعلم مباشرة، بينما بقى الآخرون مستيقظين، وقد أظهرت التجربة النتائج التالية:

  • من ناموا في أعقاب عملية التعلم كانوا أكثر استيعابا للكلمات الجديدة عن من بقوا مستيقظين.
  • انقسم الفريق الأول إلى مجموعتين، حيث أظهر البعض استيعابا وتخزينا للكلمات الجديدة أكثر من غيرهم، وقد أرجع الباحثون ذلك إلى أن هذه الفئة كانت الأكثر اهتماما بالكلمات الجديدة.
  • ومن التجربة ثبت للباحثين أن النوم يلعب دورا هاما في تخرين المعلومات.
  • وأن نشاط الدماغ يكون أكبر وأكثر تركيزا مع المعلومات ذات الأهمية الخاصة للشخص.
  • وقد قام بهذه التجربة مجموعة من الباحثين في معمل النوم الخاص بجامعة سوانزي، حيث يهتم مجموعة الباحثين بتفسير ما يحدث من أحلام أثناء النوم.

وقد أدت هذه التجارب إلى نتائج هامة سوف تحدث ثورة في عالم الاحتفاظ بالذكريات، وعلاج ضعف الذاكرة عن طريق التدخل وإحداث تنشيط لذبذبات المخ المسئولة عن النوم، وذلك من أجل تنشيط الإشارات التي تساعد على تثبيت المعلومات لفترات طويلة، وبذلك يمكن عمل جلسات علاجية لتقوية الذاكرة.

نصائح للطلبة ليلة الامتحان

يعاني معظم الطلبة من إرهاق ليلة الامتحان، بسبب الجهد المبذول في الاستذكار والمراجعة، وحيرتهم بين الاستمرار في المراجعة أو النوم. والواقع أن النوم هو الخيار المفضل في هذه الحالة، حيث أنهم بمجرد خلودهم إلى النوم، يتم الاحتفاظ بالمعلومات وتخزينها في منطقة عميقة من الدماغ تسمى الكيبوكومباس، ويتم ذلك في مرحلة النوم الخفيف، وبمجرد الوصول إلى مرحلة النوم العميق، يتم تحرك المعلومات لتتخزن في قشرة الدماغ لتصل إلى منطقة الثبات لفترات ممتدة، وعلى ذلك يجد الطالب أن ذاكرته عامرة بالمعلومات وكان يتخيل أنه لن يتذكر منها شيئا، وأنه كلما كان نومه عميقا كلما تمكن من استرجاع معلوماته بشكل أفضل، وأن ما درسه في الساعات الأخيرة قبل النوم، هو الأكثر حضورا في الذاكرة.

الاستذكار أثناء النوم

ومن الدراسات التي أجريت على الذكريات والنوم أيضا أثبت الباحثون قدرة الشخص على تخزين ما يسمعه من معلومات أثناء النوم، وأن إشارات خارجة من الدماغ لها القدرة على التفاعل معها وتخزينها، مما يدعم فكرة أن يقوم الطالب بالاستماع إلى محاضرة مسجلة مثلا أثناء النوم، وسوف يكتشف أنه قد استوعبها بالكامل بدون أي جهد أو عناء.

ومن هنا يذكر رئيس جمعية النوم البريطانية نيل ستانلي أن من يعتقد بأن النوم تضييع للوقت بلا فائدة مخطئ، وأن الإنسان بمقدوره الاستفادة بفترات النوم خصوصا النوم العميق فوائد كثيرة.

هكذا تعرفنا على الذكريات والنوم، والفوائد العديدة التي يمكن الحصول عليها أثناء النوم، وأيضا تعرفنا على مراحل النوم، وما تفعله الموجات الدماغية من أجل الحفاظ على ذاكرة قوية، وكيف يمكن للطالب أن يستثمر فترات النوم في تخزين المزيد من المعلومات مع الحصول على قسط وافر من الراحة البدنية، وأن هناك مجال لتنشيط الذاكرة والحفاظ على قوتها وحمايتها من الضعف.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

واحد × خمسة =