الحرب الأهلية الجزائرية

دوائر العنف عند مقابلتها بالعنف تزداد، والدماء تجلب دماء، الحرب الأهلية الجزائرية تؤكد على صحة تلك العبارة أيما تأكيد، فالطريقة التي نقرأ بها تصاعد نبرة الأزمة اليوم، ترشدنا لمواطن الخطر، التاريخ أهميته تنتمي للمستقبل في الوقت نفسه، فإننا حينما نقرأ بشكل معلوماتي واضح أخطاء الماضي فإن هذا يساعد على الحؤول دون تكرارها بالحاضر، نتعرف معاً على حرب العشائرية السوداء، نعرف أسبابها وأطراف النزاع المسلح، وتاريخ الحرب وما سبقها بشكل نقاط محددة، ثم ننتقل لخطوات زمنية تعبر عن مراحل تطور الحرب منذ بداياتها وحتى انتهائها، الحرب الأهلية في الجزائر خلفت آثر لن يمحى من ذاكرة الجزائريين وكذلك من ذاكرة المنطقة العربية عامة، فضحايا الحرب وصل عددهم لقرب الربع مليون مواطن، لذلك مع تطورات الوضع السياسي في الجزائر، من المهم أن نلقي نظرة على ماضي البلد وتطورات وضعها السياسي قديماً، حتى نقرأ بشكل منطقي المستقبل ونحاول أن نحتاط من تكرار السيناريوهات الأليمة لأعوام الدم السوداء.

أسباب الحرب الأهلية الجزائرية

الحرب الأهلية الجزائرية أسباب الحرب الأهلية الجزائرية

يمكننا تقسيم أسباب الحرب الأهلية الجزائرية إلى فرعين، أسباب مباشرة، وأسباب غير مباشرة “تراكمية”، ونتناولهم في هيئة نقاط مبسطة في التالي:

الأسباب الغير مباشرة

  • تدهور الوضع الاقتصادي، واستغلال أصحاب الفكر الجهادي التدهور كدعاية لأفكارهم، خاصة بعد فشل الأفكار الشيوعية في تحسين الوضع الاقتصادي، فتم الترويج أن الأفكار اللادينية خلف انهيار الاقتصاد، والاعتماد عل نظام ديني هو النجاة.
  • مشاكل عرقية بين الأمازيغ والإسلاميين من العرب، وفشل محاولات الرئيس الشاذلي بن جديد لخلق ديمقراطية تستوعب الكل.
  • إهمال التعليم وتدهور الوضع الثقافي وفشل خطط إصلاح التعليم، مما ساعد في انتشار الأفكار المتطرفة في كل الأيدلوجيات.
  • سياسات أمنية عنيفة ومواجهات دموية مع المعارضين للحكم، أدت لاتساع رقعة العنف.

الأسباب المباشرة

  1. بعد تطبيق الشاذلي بن جديد لانفراجه ديمقراطية، وسمح بالتعددية الحزبية، خلق هذا وجود رسمي للإسلاميين في هيئة أحزاب شرعية، ومع الأسباب الغير مباشرة السابق ذكرها، تمكنت الجبهة الإسلامية للإنقاذ والإسلام السياسي من الفوز بأغلبية كاسحة لمقاعد البرلمان، عام 1991.
  2. كان الرئيس بن جديد ميال إلى الموافقة على فوز الإسلاميين، احتراما للعملية الديمقراطية، التي وعد بها الشعب، لكن الجيش رفض رفضا قاطعا وصول الإسلاميين للحكم.
  3. وعليه تم إلغاء نتيجة الانتخابات من قبل الجيش، وسيطر على الحكم بعد عزله بن جديد لعدم موافقته على خطتهم.
  4. تم حظر الجبهة الإسلامية، واعتقال الآلاف من أعضائها، بالإضافة لعمليات اختفاء قسري، وشنت حملات مسلحة ضد مناطق تمركزها.
  5. وبدء الصراع على السلطة من هذا المنحنى يأخذ شكل قتال دموي، بين الدولة، والجماعات التكفيرية المتعددة، ومعهم الحزب الفائز في الانتخابات التي تم إلغائها، أو الخارجين عن الحزب بمعنى أصح الذي رفض كثير من عمليات العنف التي حدثت.

أطراف الصراع الدموي

في البداية كان الصراع مباشر بين الدولة ممثلة في الجيش، وبين الجماعات الإسلامية المسلحة، لكن مع تطور الأوضاع وتقدم الزمن في مسار الحرب الأهلية الجزائرية تغيرت الأطراف وانضم لكل فيلق داعمون، فلقد استمرت الحرب الأهلية طوال الفترة من 1991م وحتى 2002 تقريباً، وبالرغم من أن الجزائر لم تستقر وتتحسن فيها الأوضاع بالشكل الذي كنا نتمناه، إلا أنها شهدت فترة هدوء حتى اندلاع تظاهرات رافضة للنظام الحاكم في عام 2019 واستقالة بوتفليقة، يمكن تحديد أطراف الصراع الدموي في التالي ذكرهم:

  1. النظام الجزائري، متمثل في علي كافي، وبعده اليمين زروال، نهاية بالرئيس السابق بوتفليقة.
  2. المتمردون، الحركة الإسلامية المسلحة ومعها جماعة التكفير والهجرة التي كان منبعها من مصر في السبعينات.
  3. انضم لاحقاً للصراع جبهة القوى الاشتراكية والتحرير الوطني، وكذلك الاتحاد العمالي للجزائر ومنظمة الأحرار والتجمع للثقافة، وكلهم كانوا في جانب الدولة.
  4. مع تطور المفاوضات، اختلف الحلفاء في جانب الدولة، مع طريقة تعامل الدولة مع الأزمة وافترقوا.

تاريخ الحرب الأهلية الجزائرية

الحرب الأهلية الجزائرية تاريخ الحرب الأهلية الجزائرية

تقلد الشاذلي بن جديد الحكم في عام 1979، وبدء من فوره محاولة تطبيق خطة لتحسين الاقتصاد، وسميت بالخطة الخمسية.

  1. شهدت بدايات فترة حكمه معارضة قوية لسياسات التعريب التي انتهجها، من قبل “الأمازيغ” لما رأوه من تعدي على تنوعهم الثقافي، وحقوقهم الأقلية، وانضم للرفض عدد واسع من الطلاب والأطباء والمثقفين.
  2. على آثر ارتفاع حدة الاعتراضات، قام بن جديد، بمنح حق حقوق ثقافية وجامعية للأقليات الثقافية، وقرر فتح المجال العام.
  3. مما خلق موجة امتعاض على الجهة الأخرى من الإسلاميين، الذين وجدوا في إجراءاته تنازلاً عن الهوية الإسلامية للجزائر.
  4. بدأت الحركة الإسلامية من هذا الوقت تنشط في حشد صفوفها على أساس تخوف من ضياع الهوية الإسلامية، واستغلت الأوضاع الاقتصادية للترويج لأن البعد عن الدين هو السبب.
  5. من تلك المرحلة بدأ ظهور التيار الديني ومع التفاعل الأمني العنيف، وتدهور الاقتصاد ازداد نفوذه كالتالي:
  6. عام 1982 تمكنت الحركة الإسلامية من التغلغل أكثر في المجتمع مع الثورة الإسلامية في إيران، وبدأت نشاطها ضد محلات الخمور ودعوات وضغط لفرض الزي الإسلامي على النساء، وتزايد أعمال العنف والاحتكاك خاصة في الجامعة.
  7. تدخلت الحكومة بقرار عنيف واعتقلت حوالي 400 طالب من الإسلاميين وحدثت انتهاكات بحقوقهم، مما زاد من دائرة العنف.
  8. تراجع ابن جديد عن الموقف الأمني وأفرج عن المعتقلين وأنشأ أكبر جامعة إسلامية في قسنطينة عام 1984.
  9. وعدل في قوانين الدولة لمدنية للتوافق مع قوانين الشريعة الإسلامية، لتهدئة الأوضاع.
  10. إلا أن الاقتصاد استمر في التدهور، وتصاعدت الأزمات، وانتشر الغضب من إضرابات وتظاهرات، واستمرت حدتها تتصاعد وصولا لأكتوبر الأسود لعام 1988.
  11. تعامل الأمن بعنف مع احتجاجات طلابية ظهر فيها العنف، مما أدى لمقتل حوالي خمسمائة مواطن، واعتقال قرابة الأربعة آلاف.
  12. عاد مرة أخرى بن جديد، يحاول إجراء تصليحات فقام بفتح المجال العام، وسمح بالتعددية الحزبية، وحرر الصحافة والإعلام.
  13. فتم تأسيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ عام 1889.

الصراعات السياسية قبل الحرب في نقاط زمنية

بالرغم من أهمية تاريخ ما قبل الحرب الأهلية الجزائرية الذي ذكرناه، لفهم كيف وصلت الأمور لهذا الحد، إلا أننا يمكننا توثيق الحرب بداية من هذا التاريخ في المحطات الزمنية التالية:

  1. في انتخابات 1990 فاز حزب الجبهة على خصمه الحكومي بسهولة، لكن الثاني لم يرضْ بالنتيجة فقام بعمل تعديلات في قوانين الانتخاب لصالحه.
  2. وقام الأمن بعمل حملة أمنية موسعة ضد أعضاء الجبهة، واعتقل مؤسسي ورؤساء الحزب على بلحاج، وعباس مدني.
  3. دعا حزب الجبهة على آثر تلك التعديات لإضراب عام، فأعلن النظام الأحكام العرفية في 5 يونيو 1991.
  4. المواجهة الأمنية وعدم الاعتراف بالهزيمة الجماهيرية، لم تزد الجبهة إلا شعبية، ففازوا بأغلبية 188 مقعد من أصل 232 في البرلمان.
  5. ألغى النظام نتيجة الانتخابات بقيادة الجيش، ولما اعترض الشاذلي بن جديد، تم عزله، وتكوين المجلس الأعلى للدولة في عام 1992.
  6. تم تسجيل عدد مرعب من الانتهاكات في حق معتقلين من حزب الجبهة في عام 1992، مما زاد من عنف المعارضة وتأجيج روح الانتقام.

الحرب الأهلية في محطات زمنية

كل ما سبق يمكن وضعه تحت بند الخلافات السياسية، ومواجهات أمنية عنيفة، أو سياسات ديكتاتورية خاطئة، لكن بعدها حدث تصعيد دموي، حول الصراع لحرب أهلية وخلقت الحرب الأهلية الجزائرية ونوضحه في التالي:

  1. في 26 من أغسطس 1992 تم تحويل الصراع إلى صراع دم بشكل رسمي، حيث تم استهداف قيادات مدنية في الحكومة بمطار الجزائر، بانفجار أود بحياة 9 وإصابة 128 بإصابات خطيرة.
  2. أدان من فوره حزب الجبهة الانفجار، مما وضح حدوث انقسام بداخل الجبهة والتيار الديني، وتبني تكتلات جديدة للفكر الدموي.
  3. وبدأت من فورها تخفت كلمة حزب الجبهة ولم يعد لها يد في الصراع بشكل مباشر، في حين أن أسماء ظهرت جديدة على الساحة، منها جماعة التكفير والهجرة، والحركة الإسلامية المسلحة، وجبهة الجهاد المسلح الإسلامية، وكانت تلك الكيانات عنيفة ومتطرفة فكرياً، ورفضت الاعتدال النسبي الذي اتصفت به جماعات إسلامية أخرى.
  4. كانت سياسات اليمين زروال، وتورطه في جرائم ضد كثير من المقاتلين من جبهة التمرد، عائق واضح أمام المفاوضات، لذلك باءت جميعاً بالفشل، لكن بعدها تغير الوضع:
  5. استمرت أعمال العنف وفشلت المفاوضات حتى عام 1994م، حتى عام 1999، نظمت انتخابات جديدة في الجزائر، ووصل للحكم بوتفليقة.
  6. بدء بوتفليقة من فوره حوار مصالحة، وسن ما يعرف بميثاق السلم والمصالحة، وأيضا الوئام المدني.
  7. أخلى سبيل كثير من المعتقلين، ووقف المطاردات الأمنية للإسلاميين الغير مسلحين، وفتح جبهات حوار مع المسلحين.
  8. بدأت الجماعات الإسلامية في نزع سلاحها على آثر تلك الخطوات من عام 2000، وقتل قائد حركة متشددة رفضت المصالحة، مما أنهى القتال نسبياً في عام 2002، وانتهت الحرب الأهلية الجزائرية عند هذا الحد.

حقيقة العشرية السوداء في الجزائر

العشرية السوداء، هو المصطلح الذي يصف الحرب الأهلية الجزائرية التي استمرت منذ 1991 وحتى عام 2002، أي أكثر من عشرة أعوام، وحقيقة العشرية السوداء لا زالت يشوبها بعض الضباب، فحتى اليوم هناك بعض الشخصيات العامة التي قتلت ولم يفهم بشكل صريح من الذي قتلها؟ وتتجه أصبع الشك نحو النظام، كما تتجه نحو الجماعات المتطرفة، ومن تلك الشخصيات محمد بوضياف، والذي تم اغتياله على منصة بشكل علني أمام كاميرات التلفاز عام 1992م والذي كان يفترض أنه سيقوم مبكراً بمهام الرئيس بن جديد، وكانت سياسته الوئام والمصالحة، وحادث اغتياله حتى اليوم لم يحدد من الذي أطلق الرصاص، فقد أتهم حارس شخصي له وقيل أنه يتبع الجماعات الإسلامية، وفي الوقت نفسه أكثر من ثلاثة مليون مشيع في جنازته أغلبه كانوا يشيرون نحو رجال الجيش غاضبين، ويؤكدون أن الجيش هو من قتله، على كل هذا الحادث وكثير من الحوادث على مر العشر سنوات كان يشوبها الغموض، لكن ما وضحناه هو ما ذكره التاريخ حول الحقيقة.

ضحايا الحرب الأهلية الجزائرية

الحرب الأهلية الجزائرية ضحايا الحرب الأهلية الجزائرية

شهدت الحرب الأهلية الجزائرية عدد ضخم من المجازر الدموية التي ارتكبتها الجماعات الإسلامية، بالإضافة لمقتل آلاف من عناصرها من قبل الجيش، تم تسجيل 200 ألف ضحية بشكل رسمي، وهناك تقارير تقول إن العدد أكبر من هذا بكثير، نظراً لعدم وضوح مصير الكثيرين، وبعض الملفات لم تغلق مثل ملف المختفيين، ويمكن تحديد أكبر الفجائع التي خسر فيها مدنيين أرواحهم على آثر الحرب في النقاط التالية:

  1. المثلث الأسود، أو مثلث الموت، هي المنطقة التي سيطرت عليها الجماعة الإسلامية، عبارة عن ثلاث ولايات، الجزائر، البليدة، والأربعاء.
  2. في هذا المثلث حدثت أبشع الجرام الدموية، ففي عام 1997م قتل 400 مدني مسالم في الليلة نفسها، بين رجل وامرأة وطفل.
  3. مجزرة ثاليت في قرية المدية عام 97 قتل 52 من أصل 53 من سكان القرية.
  4. مجزرة حوش خميستي قتل فيها 93 مدني في ثلاث ساعات.
  5. مجزرة بن طلحة في العاصمة 1997، قتل فيها 200 مدني.
  6. مجزرة غليزان في 30 ديسمبر 1998 وقتل فيها 1280 مدني.

الحرب الأهلية الجزائرية كانت مرحلة سوداء في تاريخ الجزائر، انتهت قريباً، لم ولن ينساها أبداً الشعب، كان العنف ودائرة الدم والسياسات الأمنية الخاطئة، هم الوقود الأساسي، بجانب تدخلات من دول أجنبية، حرصت على تمويل ودعم المتمردين، وزادت القتال عنفاً لأغراضها الخبيثة، لكن الشعب الذي أنهكته الدماء والحروب، قرر أن ينهض واقفاً متوحدا تحت راية الوئام الوطني، وقبل المصالحة الوطنية التي أعدها بوتفليقة، وحرص أغلب الشعب على تبجيل هذا الدور للرئيس السابق، إلا أن مرضه وعجزه كانوا السبب الرئيسي في رفض استمراره مما أشعل التظاهرات، بالإضافة لاستمرار المشاكل الاقتصادية في البلاد، الحرب لعنة البشرية، والسلام والتصالح طريقهما دائماً الديمقراطية وتقبل الآخر، ونبذ الأفكار العنيفة والدموية في أي أيدلوجية.

الكاتب: شيماء سامي

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

ثمانية عشر + سبعة عشر =