الجراثيم المسيطرة على العقول

الجراثيم المسيطرة على العقول هي مجموعة من الجراثيم والطفيليات التي تتغلغل إلى عقل العائل وتتحكم بأفعاله وتصرفاته دون أن يدري، فعبر ملايين تطور الجهاز المناعي بحيث أصبح قادرًا على التغلب على العديد من الجراثيم والميكروبات، ولكن تزامنًا مع تطور تلك الكائنات الدقيقة المسببة للأمراض أيضًا، وهذه الحرب الشرسة لا زالت قائمة إلى اليوم، فكلما اكتشف العلم الدواء المناسب، تتطور الجراثيم بحيث تتغلب على الأدوية ومناعة الإنسان، وأصبحت لدى بعض الكائنات القدرة بالتحكم بالعقل البشري، بحيث تجعله خاضعًا لها، ليقوم بتوفير البيئة المناسبة لها من حيث الغذاء وحرارة الجسم وغيرها من الأمور التي ترغب بها الجراثيم، يمكن رؤية تأثير مماثل على بعض الحيوانات والحشرات، حيث يضحي بعض النمل بنفسه ويجعل نفسه مكشوفًا أمام المفترسين، حتى تتمكن الطفيليات المتحكمة به الانتقال إلى العوائل الجديدة، أما في الإنسان فتظهر السيطرة في صور مختلفة، يشرحها المقال بتقديم عدة أمثلة لمجموعة من الجراثيم المسيطرة على العقول .

داء المثقبات البروسية

الجراثيم المسيطرة على العقول داء المثقبات البروسية

المثقبية البروسية أو Trypanosoma Brucei، هي نوع من وحيدات الخلية الطفيلية، تصيب دم الحيوانات والإنسان أحيانًا، وتنتشر في أجزاء كبيرة من القارة الأفريقية، تبدأ دورة حياتها من ذبابة تسي تسي، ومن هناك تنتقل إلى البشر عبر لعاب الذبابة حين تعض الإنسان، تدخل أولًا إلى الجهاز اللمفاوي عند الإنسان ومن ثم تنتقل منه إلى الدم، تظهر أعراض أولية مثل آلام العضلات والمفاصل والحمى، وحين تبدأ الطفليات بمهاجمة العمود الفقري والمخ، تبدأ عندها قدرات الجراثيم المسيطرة على العقول ، حيث تجعل العائل خاملًا تمامًا ويُصاب برغبة في النوم شديدة جدًا، البعض قد ينام لأيام، وإن استمر الأمر دون علاج سيصل الأمر إلى الوفاة، والسبب أن الطفيل لا يميز بين الحيوان والإنسان، وهو يقوم بجعل الحيوان خاملًا ونائمًا ليصبح فريسة سهلة للمفترسين، وبذلك تتمكن الطفليات من الانتقال إلى عائل آخر وتكمل دورة حياتها وتتكاثر، وبالنسبة إلى الإنسان فإنه يقع فريسة للطفيل الذي يجعله نائمًا رغمًا عنه وتتحكم في هرمونات النوم التي يفرزها المخ لديه.

الجراثيم المسيطرة على العقول والمزاج

الجراثيم المسيطرة على العقول الجراثيم المسيطرة على العقول والمزاج

لدى بعض الجراثيم القدرة على السيطرة على مزاج الإنسان وانفعالاته العاطفية وليس عقله فقط، والعديد من الدراسات القديمة ربطت بين التغيرات المزاجية والإصابة بالبكتريا المعوية في الشمبانزي والفئران، ولكن في دراسة حديثة، تم تقسيم مجموعتين من البشر، المجموعة الأولى مصابة ببكتيريا عصوانية في الأمعاء، والمجموعة الأخرى مُصابة ببكتيريا بريفوتيلا، وتم تعريض المجموعتين لمجموعة من الصور الحزينة والمؤثرة وقاسوا وظائف الدماغ بأجهزة الرنين المغناطيسي، ليجدوا أن المجموعة التي تعرضت إلى بكتيريا بريفوتيلا كانوا أكثر تأثرًا بالصور، وأظهروا معدلات قلق واكتئاب أعلى، وتم الربط بين وجود هذا النوع من البكتيريا المعوية ومزاج الإنسان، ولا زالت الدراسات في أولها في الأسباب الحقيقية لهذا التأثير، ولكنها لا تدع مجالًا للشك بأن البكتيريا المعوية التي يمكن أن تصيب البشر مرارًا وتكرارًا خلال العمر، هي من الجراثيم المسيطرة على العقول والمزاج.

كما توجد أنواع أخرى من الجراثيم المسيطرة على العقول وتعيش في الأمعاء، وهي قادرة على جعل العائل يأكل ما ترغب به هي، على سبيل المثال، بعض أنواع البكتيريا لا تفضل التغذية التي تحتوي على الكثير من السكريات، فتتحكم بعائلها وتجعله لا يفضل تناول السكريات مثل الشوكولاتة، أما فطر المبيضات أو الكانديدا فهو محب للسكريات، ويجعل العائل يأكل الكثير من الشوكولاتة بشكل خاص وأنواع أخرى تحتوي على نسب سكر عالية، هذا التأثير يمكن أن يكون طويل المدى، فالعلماء لاحظوا أن المصابين بالسمنة المفرطة لديهم أنواع من البكتيريا تختلف عن هؤلاء الغير مصابين بالسمنة في الأمعاء، مما يعني أن البكتيريا المعوية كثيرًا ما تتحكم في نوعية الطعام الذي يتناوله العائل لصالحها، عبر تطورها لتصبح قادرة على إفراز مواد كيميائية معينة تسبب الرغبة أو عدم الرغبة في تناول نوع معين من الطعام، يهمها هي وجود هذا النوع من الغذاء للتمكن من النمو والتكاثر بشكل أفضل.

التوكسوبلازما الغوندية أشهر الجراثيم المسيطرة على العقول

التوكسوبلازما الغوندية أو داء المقوسات، هو طفيل ويعتبر من أشهر الأمثلة على الجراثيم المسيطرة على العقول ، العائل الأساسي لهذا الطفيل هي القطط، ولكنه ينتشر بشكل كبير بين ثلث سكان العالم، وذلك لأن طريقة انتقاله سهلة جدًا، من غائط القطط إلى الإنسان عند يقوم بتنظيف القطة، تأثير هذا الطفيل على العقل يظهر بشكل أوضح إن أصاب الفئران أو القوارض، بحيث يلغي الخوف الغريزي عند الفئران من القطط، ويعرض الفأر نفسه إلى القطة دون خوف، فتأكله القطة وينتقل الطفيل، أما عند الإنسان، فلو أصيبت امرأة حامل يمكن أن يؤدي إلى “داء الصعل” وهو داء خلقي يجعل رأس الجنين صغير في الحجم بشكل ملحوظ، والذي منه أتي لفظ “صعلوك” أو صغير الرأس، ويمكن أن يؤدي إلى تخلف في النمو العقلي لدى الطفل.

هذا الطفيل يصيب ضعيفي المناعة بشكل ملحوظ ويؤدي إلى أعراض أخرى مزعجة، والدراسات الحديثة أثبتت أن الإصابة بهذا النوع من الطفيليات يجعل البشر أكثر ميلًا للمخاطرة بشكل عام، حيث يقومون بأفعال خطيرة دون مبالاة، تمامًا مثل القوارض، وتقلل من عندهم غريزة الشك أو الشكوكية، والتي من شأنها أن تجعل الإنسان يفكر قبل الإقدام على تصرف غريب، على سبيل المثال، لاحظ العلماء أن المصابين بالطفيل يقومون بشرب أي سائل غريب يُقدمه لهم العلماء، دون السؤال أولًا عن نوع السائل، أو التشكيك حول كون السائل المجهول قد يكون مضرًا لصحتهم.

بكتيريا عقدية

البكتيريا العقدية هي من أشهر مسببات التهاب الحلق عند الأطفال، وفي السنوات الأخيرة تم الربط بين إصابة الطفل بها وبين تغيرات سلوكية نادرة تظهر على الطفل مباشرة عند الإصابة، أو عند تأخر تقديم العلاج المطلوب، حيث يعاني بعض الأطفال المصابين من تشنجات عصبية لاإرادية واضطراب الوسواس القهري، هذه الحالة تُعرف باسم PANDAS، والتي هي اختصارًا للاضطرابات العصبية والنفسية عند الأطفال المصابين ببكتيريا العقدية، تظهر الأعراض على شكل اضطرابات شديدة في المزاج، وخوف شديد من الحشرات أو المرتفعات، وقلق شديد خاصة عند الانفصال عن الأهل، وأنواع أخرى من الوسواس القهري يتطور مع الوقت وعدم توفير العلاج المطلوب، تأتي عادة الأعراض على شكل نوبات تظهر بدون سابق إنذار وتزيد طوال فترة الليل، وهذه الحالة دليل كافي عن أن البكتيريا العقدية من الجراثيم المسيطرة على العقول عند عوائلها.

داء الكلب

عند التحدث عن الجراثيم المسيطرة على العقول لابد أن يتبادر إلى الذهن مباشرة داء الكلب، وهو مرض فيروسي يصيب الدماغ والعمود الفقري في الحيوان أو الإنسان المُصاب به، ويتسبب في التهابات بالدماغ وتحكم في العديد من أفعال المُصاب ورغباته، وعادة تنتهي الإصابة بالموت، إن لم يتناول المريض جرعات الأمصال مباشرة بعد الإصابة، يعيش هذا الفيروس في لعاب المُصاب سواء في الحيوانات وأشهرهم الكلاب، أو الإنسان، وينتقل عبر العض، من الكلب إلى الإنسان حين ينتقل اللعاب المُحمل بالفيروس، أو من الإنسان إلى آخر، عندما يُصاب الإنسان تبدأ لديه أعراض مثل الإنفلونزا في البداية، ومن ثم يتطور الأمر إلى تهيج وهلوسة وهذيان، ويعمل الفيروس على جعل العائل أكثر جرأة ورغبة في العض، ومن السهل إثارة غضبه، لأن العض ضمان للفيروس للانتقال والانتشار في عوائل أخرى، كما يسبب خوف شديد عند المريض من الماء، لأن الماء يساعد على نظافة الفم من الفيروس، وهذا الأمر ليس في صالح الفيروس، فيتحكم الفيروس بعقل الإنسان، إلا أن يتخلص منه تمامًا.

نيجلرية دجاجية

هي طفيل مرعب، ينتقل في جسم الإنسان عبر الأنف مباشرة إلى المخ، وتُعرف باسم الأميبا الأكلة للدماغ، تعيش في المياه الدافئة العذبة مثل البرك والأنهار والبحيرات، التي لا تحتوي على مادة الكلور، وبمجرد أن يلامس الإنسان المياه المُحملة بالطفيل سينتقل إليه ويصل إلى المخ، تبدأ أعراض الطفيل بعد 5 أيام من الإصابة، وتبدو في البداية مثل الإنفلونزا العادية، حيث يشعر الإنسان بالغثيان والقيء والصداع، ثم تتحول الأعراض إلى شكل من أشكال تجاهل المحيطين بالمُصاب، فلا يهتم لأحد ولا يتفاعل مع أي شخص، ومن ثم يبدأ في فقدان توازنه، ثم تبدأ أعراض الهلوسة، وأخيرًا الموت.

الملاريا من الجراثيم المسيطرة على العقول

الجراثيم المسيطرة على العقول الملاريا من الجراثيم المسيطرة على العقول

الملاريا طفيل وحشي، كان ولا يزال يسبب مئات الوفيات سنويًا، ودورة حياة طفيل الملاريا مثيرة للاهتمام جدًا، حيث يحتاج الطفيل إلى عائلين، الأول هو البعوض من أنواع معينة من البعوض، والثاني هو الحيوان أو الإنسان، ومن المهم معرفة أن الطفيل يتغذى بشكل كبير على السكريات في دم الإنسان أو البعوض، في البداية، عند إصابة البعوضة بالطفيل، فإنه يتحكم بها ويزيد شهيتها تجاه السكريات، وبالتحديد السكريات التي تأتي من الرحيق أو السكريات النباتية، لأن البعوضة تحمل الطفيل في فترات الحضانة للطفيليات الصغيرة، وبالتالي فهي غير قادرة بعد على الانتقال إلى الإنسان.

وحين تكتمل فترة الحضانة ويُصبح الطفيل قادرًا على عدوى الإنسان، يُغير من رَغبة البعوضة لتصبح راغبة في امتصاص السكريات من دم الحيوان أو البشر، فتقوم بلدغ البشر وينتقل الطفيل إلى دم الإنسان عبر لعابها، لتبدأ دورة جديدة داخل الإنسان، حيث يلتهم الطفيل السكريات من دمه، ويسبب نقصًا في فيتامينات الجسم وفقر الدم، حتى يجبر الإنسان على تناول المزيد من السكر لإطعام الطفيل، ومع زيادة تناول السكريات، ترتفع نسبة السكر في الدم، فيصبح أكثر عرضة للدغات البعوض الغير مصابة، حتى تنتقل إليهم الطفيل، ويعيد دورة حياته، إذًا الملاريا من الجراثيم المسيطرة على العقول ، سواء كانت عقول البعوض ورغابتها في تناول أنواع معينة من السكر، أو البشر ورغبة في زيادة تناول السكريات لخدمة الطفيل.

هذه كانت أمثلة بسيطة عن الجراثيم المسيطرة على العقول ، فهناك العديد من الدراسات الأخرى التي لا زالت قيد النظر في أنواع أخرى من البكتيريا والطفليات والفيروسات، وهناك فيروسات معروفة بالفعل مثل فيروس Chlorovirus ATCV-1، والذي يُسمى بفيروس الغباء لأنه يضعف القدرات المعرفية عند البشر المصابين، ويمكنه أن يعيش في جسم الإنسان لسنوات عديدة في الحلق، وهناك أيضًا الفيروس الأشهر في التاريخ، وهو فيروس الإنفلونزا، إذ يعتقد العلماء أنه يجعل البشر أكثر ميلًا ليكونوا اجتماعيين ويودون الخروج من المنزل وتوسيع شبكة معارفهم الاجتماعية، وهذا يفيد الفيروس في الانتقال والانتشار.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

17 + 16 =