الاستقلال عن الدولة العثمانية

عملية الاستقلال عن الدولة العثمانية لم تحدث نتيجة أمر واحد مشترك بين جميع الدول العربية التي استقلت، بل كان لكل دولة ظروفها وأسبابها الخاصة التي جعلتها تستقل عن الحكم العثماني فعلى سبيل المثال استقلال بلاد الحجاز عن الدولة العثمانية قد حدث بعد الثورة العربية الكبيرة، وأيضًا استقلال سوريا كان بناء على تلك الثورة وما عقد بعدها من اتفاقيات، أما عن مصر فالاستقلال حدث نتيجة فرض السيطرة البريطانية على مصر وقت الحرب العالمية الأولى، ولكن لا ننسى أن محمد علي قد استقل بحكم مصر مسبقًا في بدايات القرن التاسع عشر، وبالرغم من كونه استقلال فعلي وسيطر محمد علي على كل ما يخص الشأن المصري، إلا أن الأراضي المصرية كانت تابعة للدولة العثمانية اسميًا ومراسم تولية الحاكم على مصر كانت تتم أمام السلطان العثماني، وبعيدًا عن ذلك فالوضع يختلف تمامًا في المغرب وتونس والجزائر، فكل دولة منهما كانت لها ظروفها الخاصة للاستقلال عن الدولة العثمانية، وهذا ما سنتعرف عليه تفصيلًا في سطور مقالنا هذا، ولكن قبل كل شيء يجب علينا معرفة أن استقلال الدول العربية عن الدولة العثمانية كانت له مميزته وله عيوبه أيضًا.

استقلال مصر عن الدولة العثمانية

الاستقلال عن الدولة العثمانية استقلال مصر عن الدولة العثمانية

تختلف مصر اختلافًا كبيرًا عن أي دولة عربية أو إسلامية كانت تابعة للحكم العثماني، فهي في البداية دخلت تحت التاج العثماني إثر هزيمة المماليك في معركة مرج دابق على يد العثمانيين، وكان أول والي عثماني لمصر هو يونس باشا والذي بدأ حكمه في عام 1517، استمرت مصر على حالها تابعة للدولة العثمانية حكمًا واسمًا وإدارة وجيشًا حتى عام 1805، حيث أنه في هذا العام قد تم خلع الوالي العثماني خورشيد باشا بثورة من قبل المصريين، وعين بدلًا منه محمد على باشا كحاكم للبلاد من دون أخذ الأذن من الدولة العثمانية، وقد حاول العثمانيون عزل محمد علي باشا بأمر من الفرنسيين والبريطانيين ولكنهم فشلوا في ذلك، حيث قام المصريون بإرسال الرسائل للباب العالي العثماني محواها عدم قبولهم لأي والي غير محمد علي، ولذا لم يجد العثمانيون أمامهم سوى الموافقة على ما قاله الشعب المصري وبذلك يتم تثبيت محمد علي في الحكم.

وبالرغم من تبعية محمد علي للدولة العثمانية إلا أنها كانت تبعية اسمية أو شكلية فقط، فالحكم كاملًا كان لمحمد علي حتى أنه أسس أسرة علوية يكون الحكم في مصر لأولاده وأحفاده من بعده، وهذا ما حدث بالفعل فقد استمر أحفاد محمد علي في حكم مصر حتى عام 1952، ولكن لم يكن الحكم في تلك الفترة الكبيرة تابعًا للدولة العثمانية فقد، بل استمر حكمهم وهم تابعين للدولة العثمانية حتى عام 1914 وهو يعد عام الاستقلال عن الدولة العثمانية بشكل كلي، ودخلت مصر في عام 1914 تحت التاج البريطاني وظلت هكذا حتى عام 1922، وخلال تلك الفترة أيضًا كان سلاطين مصر من أحفاد محمد علي باشا، واستقلت مصر نهائيًا في عام 1922 وظل حكامها من أحفاد محمد علي حتى سقطوا جميعًا في عام 1952 إثر حدوث انقلاب يوليو أو ثورة يوليو كما تسمى.

الاستقلال عن الدولة العثمانية في الجزائر

دخلت الجزائر تحت الحكم العثماني في الربع الأول من القرن السادس عشر وتحديدًا عام 1515 وذلك حينما استنجد الشعب الجزائري الأخوين عروج وخير الدين بربروس، حيث كانت الجزائر تعاني من الهجمات الإسبانية عليها بعد سقوط الأندلس، وكان هؤلاء الأخوين يمتلكون عدد لا بأس به من الجنود الأتراك، ولذلك استعانوا بهم لمقاومة هذا الغزو الإسباني وكانوا خير رجال يناسبون بهذا الدور، فقد تمكنوا من صد الإسبان وفرض الحماية الكافية على البلاد وبذلك تدخل الجزائر تحت الحكم العثماني وتصبح إيالة الجزائر، ومن الجدير بالذكر أن الأخ عروج بربروس قد توفي في إحدى الحملات المتصدية للإسبان، وتسلم أخوه خير الدين الإمارة من بعده وجدد ولاءه للدولة العثمانية الكبيرة، ومرت الأعوام وتعاقب على حكم الجزائر ولاة تابعين للدولة العثمانية حتى عام 1830.

كانت منها فترة يحكم فيها الدولة الجزائرية ما يسمون بالبايات أو البايلربايت انتهوا في 1587، ثم جاء بعدهم الباشوات وقد ظلوا في الحكم منذ ذلك العام وحتى 1659، ثم جاء بعدهم الآغوات وظلوا حتى 1671، وأخيرًا الدايات الذين ظلوا حتى العام الثلاثين من القرن التاسع عشر وهو نفسه عام الاستقلال عن الدولة العثمانية في الجزائر، ولكنه لم يكن استقلال بالمعنى المعروف من الحرية والحكم الذاتي، بل كان استقلال عن العثمانيين ووقوع تحت وطأة الفرنسيين، فقد قام الفرنسيون بشن حملة بحرية على الجزائر في وقت كانت فيه الدولة العثمانية ضعيفة جدًا، ولذلك تمكنوا من احتلالها وإسقاط الحكم العثماني عليها، لتدخل بذلك الجزائر في عام 1830 تحت حكم الدولة الفرنسية ويستمر هذا الاحتلال حتى عام 1962.

استقلال تونس عن الدولة العثمانية

الاستقلال عن الدولة العثمانية استقلال تونس عن الدولة العثمانية

بدء تفكير العثمانيين في ضم دولة تونس تحت حكمهم في الربع الثاني من القرن السادس عشر، وبالفعل توجه خير الدين بربروس ناحية تونس وتمكن من فتحها ولكنها سرعان ما سقطت في أيدي الإسبانيين، لم يتوقف الأمر على ذلك بل هدأت الأمور بعض الشيء وخرج الإسبان ولكنهم تركوا عدد قليل من الجنود التابعين لهم في تونس، وفي عام 1573 قام السلطان أبي العباس الثاني وهو سلطان حفصي باستدعاء الإسبان مرة أخرى للبلاد، ولم يمض إلا عام واحد حتى أرسل للسلطان العثماني سليمان القانوني الجيش لفتح تونس وهذا ما تم بالفعل، فقد انتصر العثمانيون على الإسبان وطردوهم من تونس وبهذا يبدأ الحكم العثماني الفعلي في تلك الأرضي، فبدأ الحكم فيها الباشوات ولكنهم سقطوا في عام 1591، نظرًا لانتشار الفساد في عهدهم مما جعل أحد الدايات الإنكشاريين ينقلب عليهم ويقوم بثورة تطيح بهذا الحكم الفاسد.

يستمر الدايات في الحكم لفترة حتى يضعفون ويأخذ الحكم منهم البايات، وكان أول باي لتونس هو مراد الأول وقد استمر حكم البايات منذ عام 1613 وحتى عام 1705، حيث تولى الحكم في هذا العام الحسين بن علي مؤسس الدولة الحسينية، كانت فترة الحكم الحسيني جيدة جدًا ولذا استمرت حتى عام 1957 وهو عام تأسيس الجمهورية التونسية، ويذكر أنه خلال عهد الدولة الحسينية تم كتابة أول دستور عربي وألغي الرق وأصدرت أول جريدة وحلت اللغة العربية مكان التركية بل وتم التشجيع على التعليم، فكانت بذلك تونس هي أكثر الدول العربية ازدهارًا ورقيًا، ولكن حدث الاستقلال عن الدولة العثمانية في العام الواحد والثمانين من القرن التاسع عشر، وذلك إثر سقوط تونس على يد الاستعمار الفرنسي الذي ظل حتى 1957.

استقلال العراق عن الدولة العثمانية

كان أول مرور للجيش العثماني على دولة العراق في عام 1516 وذلك وقت معركة مرج دابق التي دارت بين السلطان العثماني سليم الأول والمماليك بقيادة قنصوه الغوري، ولكن لم يفتح العثمانيون الأراضي العراقية إلا في العام الثالث والثلاثين من نفس القرن، وذلك بعدما قام السلطان سليمان القانوني بشن حملته الضخمة على الدولة الصفوية، وقد كانت العراق وهي دار الخلافة وقتها تقع تحت أيدي الشيعة الصفويين، ولذلك وجه السلطان العثماني قسمًا من جنوده نحو العراق وتحديدًا مدينة بغداد وهي العاصمة حتى قدر له فتحها، وبذلك تدخل الدولة العثمانية تحت الحكم العثماني وتستمر تحت هذا الحكم حتى عام 1920، ولكنه لم يكن حكم دائم بل هناك الكثير من التقلبات التي حدثت داخل الأراضي العراقية، فعلى سبيل المثال قد نجح الصفويين في ضم العراق إليهم مرة أخرى عام 1623.

ولكن هذه المحاولة لم تستمر سوى خمسة عشرة عام فقط حيث تمكن العثمانيون من انتزاع العراض مرة أخرى وضمها إليهم، واستمر الحكم العثماني المباشر على العراق حتى عام 1747، ففي ذلك العام تمكن قادة المماليك الشراكسة من حكم العراق حكم ذاتي وهنا قل الدور العثماني في المنطقة كثيرًا حتى أن نشاط الجيش العراقي المتمثل في الإنكشارية قد تقلص دوره هو الأخر وأصبح بمثابة شكل فقط، ولكن هذا الوضع لم يدم طويلًا حيث تمكن العثمانيون من طرد المماليك الشراكسة من العراق في عام 1831، وبذلك تعود الأرضي العراقية بأكملها تحت حكم الدولة العثمانية والذي يستمر حتى العام العشرين من القرن العشرين تقريبًا، فقد حدث استقلال العراق عن الدولة العثمانية إثر توقيع اتفاقية سايكس بيكو بعد انتصار الحلفاء على دول المركز.

الثورة العربية الكبرى من محاولات الاستقلال عن الدولة العثمانية

الاستقلال عن الدولة العثمانية الثورة العربية الكبرى من محاولات الاستقلال عن الدولة العثمانية

من ضمن محاولات الاستقلال عن الدولة العثمانية الثورة الكبرى التي كانت تحت قيادة الشريف حسين، وقد كانت هذه الثورة مسلحة وقوية جدًا بل ومدعومة من الخارج أيضًا مما جعل العثمانيون يفشلون في إخمادها، فقد بدأت الثورة من الحجاز عندما أطلق الشريف حسين طلقته الأولى في العاشر من يونيو عام 1916، وبناء عليه عمت الثورة الحجاز بأكمله فخرج العثمانيون منه وتقهقر الجيش العثماني إلى سوريا، وبذلك يصبح الحجاز مستقل عن الدولة العثمانية، وتتبعتهم جيوش الثورة العربية حتى وصلوا إلى دمشق وتمكنوا أيضًا من هزيمة العثمانيين فيها، ولم تنتهي تلك الثورة إلا بعقد هدنة سميت بمودروس تلتها معاهدة سيفر، وفي تلك المعاهدة تنازل العثمانيون عن حكمهم في الحجاز ونجد والعراق وسوريا ومصر.

ومن الجدير بالذكر أن تلك الثورة العربية التي قامت ضد الدولة العثمانية كانت نتيجة لبعض الأسباب، منها على سبيل المثال احتقار الأتراك للشعوب العربية والنظر إليهم على أنهم ليسوا متساويين معهم وهي في طبقة أقل من الترك، وهذا ما أثار حفيظة العرب كثيرًا وجعلهم حانقين على الأتراك فكان من الطبيعي جدًا قيام ثورة عربية عليهم للقضاء على حكمهم في البلاد العربية، وأيضًا من ضمن الأسباب سوء الأحوال الاقتصادية، والفساد المستشري في البلاد وبين الولاة العثمانيين خاصة، والتعامل السيئ من قبل الجنود الأتراك تجاه العرب، والتضييق الشديد على العرب كل هذا وأكثر دفع العرب للقيام بثورتهم الكبيرة حتى ينالوا الاستقلال عن الدولة العثمانية .

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

اثنان × 4 =