اكتساب الموهبة

دائما ما شكلت الموهبة و اكتساب الموهبة أزمة كبيرة لدى المهتمين بتحليل الأمر خصوصًا وهم يرون أمور خوارق من قبل البشر ولكن على الجانب الآخر حين تنظر مثلا إلى بدايات الفنانين ستجد شغفا منذ الطفولة بالشيء الذي يحبونه ويظل هناك خوارق مثلا مثل شخص كان لديه شغف آخر في صغره وحين كبر أخذه شغفه الآخر نحو مناطق بعيدة كليا، فكيف يمكننا حل هذه المشكلة؟ بمعنى لو كنت أريد لابني أن يصبح رساما؟ هل آتيه بالفرشاة والألوان طوال والوقت وأجبره على الرسم المتواصل؟ أم أنني حتى لو حاولت إبعاده عن الرسم ستظل لديه الموهبة أيضًا؟ ربما سنتحدث بهذا الموضوع باستفاضة في السطور التالية قبل أن نسأل أولا عن ماهية الموهبة وكيف يمكننا تعريفها.

تعريف الموهبة

اكتساب الموهبة تعريف الموهبة

قبل أن نتحدث عن تعريف الموهبة علينا أن نعرف الموهبة، فالموهبة في اللفظ المنح الإلهي على سبيل الوهب وهو العطاء غير المبرر ليس على سبيل رد الدين أو الإعارة بل منح مطلق دون سبب استحقاق، واللفظ نفسه يثبت أن الموهبة عبارة عن هبة ربانية وربما كذلك رآها العرب القدامى فأطلقوا عليها هذا المسمى وخلاصة أقوال العلماء في الموهبة أنها استعداد فطري لدى الإنسان يكسبه مهارة ما تجاه مجال معين أو جانب معين من جوانب المجال المعين ويجعله ماهرا فيه ومتميزا بشكل خارق، نلاحظ هنا أنه استعداد فطري وبشكل خارق، بالتالي ليس للأمر علاقة بالتمرن أو أخذ قرار بشأن اقتحام هذا المجال من عدمه.

أهمية الموهبة

الموهبة لها أهمية كبيرة سواء كانت شخصية لدى الإنسان أو اجتماعية بمعنى أن تأثيرها يظهر على الإنسان أو على مجتمعه ذاته والأهمية الشخصية تتجلى في أن يكون للإنسان شيء يستطيع فعله بمهارة وفي نفس الوقت يستمتع بممارسته، فهناك شخص مثلا مهارته تتمكن في إجراء عمليات حسابية تؤهله لشغل منصب جيد في قسم المحاسبة لدى شركة كبيرة ولكنه لا يستمتع بهذا العمل وبالتالي لا يهتم سوى بإنهاء عمله فحسب عكس الشخص الشغوف بالعمل والذي يفوز بسعادة العمل والحياة، أما بالنسبة للجانب الاجتماعي فإن أهمية اكتساب الموهبة فيه في وجود أشخاص شغوفين بما يعملون لدرجة اكتشاف طرق جديدة لفعل الأشياء بسهولة أو فعل الأشياء بطريقة جديدة ومبهرة وتوفر فوائد وملذات جديدة للأفراد، عكس الشخص الذي يؤدي مهمة فحسب فهو لا يهتم بالإبداع فيه أو شق طرق جديدة ولكن الموهوب هو من يكون من شدة شغفه بموهبته يحب أن يأخذها لأبعاد أخرى تفيد مجتمعه وتفيد المحيطين به، ولولا وجود الموهبة ما كان في أيدينا الآن الهواتف الذكية ولا نستخدم الحواسيب ولا نقود السيارات، وما كنا قرأنا شيء مثل ملحمة الحرافيش لنجيب محفوظ ولا استمعنا لمقطوعات بيتهوفن ولا استمتعنا بجداريات مايكل أنجلو ولا ألهمتنا مسرحيات شكسبير.

علامات وجود الموهبة

للموهبة علامات معينة فقد يولد الإنسان بموهبة ولا يدري أنها لديه كما يعمل الإنسان على اكتساب الموهبة ولا يستطيع الحصول عليها، فكيف أعرف أن لدي الموهبة وأنني لست متطفلا عليها أو مدعيا لها؟ من خلال هذه النقاط البسيطة والسريعة سنستعرض علامات وجود الموهبة:

  • عندما سئل الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب لماذا تلحن أجاب بإجابة بليغة ومقتضبة وواضحة وحاسمة، حيث قال “لأني لا أشعر بالرغبة في أي شيء آخر، من علامات اكتساب الموهبة أو وجودها بداخلك بأي وسيلة أنك لا تشعر بالرغبة في عمل أي شيء غير هذا، هذا كل ما في الأمر، حين تجد أن هناك دافع يأخذك دون إرادتك إلى فعل هذا الشيء فهذا يعني وجود الموهبة لديك.
  • حين تجد نفسك تستمتع بفعل الشيء فهذا يعني أنك لديك الموهبة أو أن محاولات اكتساب الموهبة قد نجحت (لا نريد أن نقطع بأحد الرأيين وننقض الآخر)، فحين يرسم الرسام فهو يستغرق تماما في رسامه وحين يحل عبقري الرياضيات معادلة فإنه قد يأخذ يوما كاملا فيها يتأملها، وحين يكتب الكاتب روايته قد يستغرق بالكامل ويتوحد مع شخصياتها وأحداثها، وحين يلعب اللاعب رياضته فإنه لا يرى غيرها، وهذه أعلى درجات المتعة، بالتالي ممارسة الموهبة غير ممارسة التعلم، في الموهبة أن تستمتع، حين تتعلم شيء فإنك تجد صعوبة كبيرة في إدخال المعلومات إلى رأسك لأنه أمر غير مألوف لك.
  • حين تفعل الشيء بسهولة سواء بعد اكتساب الموهبة بشكل واعي أو بعد اكتشافها فيك فجأة فهذا يعني أن لديك موهبة ما، الأمر مثل قيادة الدراجة بالضبط، من لا يجيد قيادة الدراجة سيراك ساحرا لأنك تستطيع حفظ توازنك على عجلتين رقيقتين بهذا الشكل والإسراع بها أو القيادة بيد واحدة أو حتى بدون الإمساك بالمقود من أصله بينما أنت ترى الأمر بسيطا جدا وتفعله دون أي مجهود أو صعوبة، هذا هو الفرق بين من يملك الموهبة وبين من لا يملكها.
  • هذه النقطة بالطبع ليست جوهرية ولكنها ضرورية، ولكن الموهبة تحتاج إلى جمهور، أشخاص يثنون عليك ويعيرونك اهتمامهم ويستهلكون فنك أو عملك الإبداعي ويقدرونه ويقيمونه بشكل إيجابي لأن هذا يعني على الدوام أنك نجحت إلى حد كبير في لفت الأنظار إليك كموهوب جديد على الساحة، بالطبع لا يعني أنك يجب أن تلاقي التقدير الدائم من كافة الناس ولكن على الأقل تشجيع الناس لك والتفاتهم لموهبتك هذا يجعلك تصدق أحيانا أنك موهوب بالفعل.

هل يمكن اكتساب الموهبة ؟

اكتساب الموهبة هل يمكن اكتساب الموهبة ؟

نأتي الآن للنقطة الأهم والتي من أجلها نكتب المقال أصلا، وهي هل يمكننا اكتساب الموهبة أم أننا إن لم نجد الموهبة فينا فإننا لن نكتسبها أبدا، الحقيقة كل ما قيل في هذا الأمر محض نظريات ولا يوجد شيء علمي بحت حاسم يؤيد نظرية ضد الأخرى لذلك بدوري سأتكلم من منظور ذاتي، وسأعرض موقفين لعلنا نفهم هل يمكننا اكتساب الموهبة أم أننا نولد بها ونكتشفها في أنفسنا بمحض المصادفة؟ إليكم الموقفين:

الموقف الأول

في طفولتي البعيدة كنت منبهرا جدا بمن يستطيعون الرسم، بمن يجيدون تصوير المناظر الطبيعية أو الأشخاص بالفرشاة والألوان فضلا عمن يستطيعون إخراج أعمال إبداعية صرفة لا هي من الواقع البحت أو من الخيال المبهم المجهول، لذلك صرت أمسك بالأقلام الرصاص والجاف والألوان وأي أقلام أعثر عليها وأعبئ الصفحات بالرسومات، لا أستطيع أن أنكر أن مستواي في الرسم ظل كما هو وكذلك الخط العربي حيث كنت أجرب فيهما بالتساوي، ولا أستطيع أيضًا أن أقول أنني أصبحت خطاطا أو رساما ماهرا مثلما كنت أحلم، ولكن ظل مستواي متوسطا بسبب التمرين المتواصل والمنهك رغم أني كنت شغوفا جدا بالرسم ومحبا له بطريقة لا يمكن وصفها، وبالتالي نستنتج من هذا لا يمكن اكتساب الموهبة بالرسم بل يمكن اكتساب مهارة الممارسة الجيدة المقبولة ولكن لن تصل لموهبة الشخص الموهوب بفطرته والذي بأقل الممارسة والتمرين سيقطع ما يقطعه منعدم الموهبة في سنوات.

الموقف الثاني

عندما ذهبت للثانوية كنت أقرأ الشعر بطريقة كبيرة وكنت أحبه خصوصا نزار قباني وفاروق جويدة وبدر شاكر السياب وغيرهم، وأحببت أن أكون شاعرا أكتب العامية فلم أفلح، ظللت أجرب كثيرا، فلم أكتب ما يرضيني، ثم قررت أن أكتب الفصحى فلم تطاوعني القوافي، فآثرت الشعر الحر رغم ذلك لم أستطع كتابة أي شيء يمكن أن يسمى شعرا، غير أنني لاحظت أن بعض قصائدي _إن جاز لنا التسمية_ تجسد قصة ذات أحداث وسرد وشخصيات حتى وإن ارتدت زي القصيدة، ولا أدري في أي وقت وجدت نفسي مدفوعا لكسر إطار الشعر والتحرر نحو إطار القصة والذي ولأول مرة وجدت نفسي فيه بنفس الطريقة التي لم أرغب في فعل شيء غيرها ووجدت أنني أفعل هذا بسلاسة ومهارة ووجدتني واثق من نفسي للدرجة التي جعلتني لا أتورع عن عرض قصصي على بعض الناس متوقعا الثناء والاستحسان أو القبول على الأقل، بالتالي نستنتج أن الموهبة قد تظهر في وقت ما وما من شيء يستطيع إيقافها مهما حاول ذلك وأنه في لحظة من اللحظات ومهما حاولت اكتساب الموهبة في شيء معين ولديك موهبة في شيء آخر فإن الموهبة الفطرية ستغلبك والموهبة التي تحاول أن تكتسبها ستهزمك.

أخيرا وليس آخرا اكتساب الموهبة أمر من الأمور بالغة الصعوبة لأنها تحتاج إلى الكثير والكثير من التمرين وفي الآخر لن تحصل على أكثر من المقبول بينما الموهبة الفطرية هي الأكثر رسوخا والأكثر قدرة على الإبداع والتميز ولفت الأنظار إليها، ويظل هذا الرأي خاص بكاتب هذا المقال وغير ملزم لأي شخص آخر.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

اثنان + 5 =