استهجان الرومانسية

لاقى تيار استهجان الرومانسية قبولا واسعا في كثير من الأوساط، وبلغت الأمور حد إعلان البعض موت الحب وانتهاء الرومانسية، ولعلك تلاحظ ذلك في قلة الأفلام الرومانسية مؤخرا، فلم يعد جمهورها كبيرا كما كان، وحل محلها أفلام السخرية من أنماط الأفلام الرومانسية، كأنها أصبحت قاعدة سينمائية، فإذا أردت الحديث عن الحب عليك بالسخرية أولا، وانعكس هذا على حياتنا العادية، قل لي آخر مرة رأيت فيها تعبيرا واضحا عن الحب في محيطك، اختفت تلك المشاهد نظرا لاستهجانها والسخرية ممن يقوم بها، وهو أمر خطير ويهدد حياتنا وعلاقاتنا العاطفية، فمهما بلغ حجم الضغوط في حياتنا نبقى بشرا، نحب ونكره ونحلم ونتألم ونبتهج، تلك الحياة الحقيقية التي لا يغيرها شيء، فما الذي أوصلنا إلى تلك المرحلة؟ أقصد مرحلة استهجان الرومانسية كأنها خلل عقلي، ودفع العشاق نحو الاختباء والشعور بالحرج من التعبير عن الحب، فقد أصبح استهجان الرومانسية موضة حاليا، وله جمهوره، سنتحدث عن ذلك في هذا المقال وعن أسبابه وعن المنتصر في هذه المعركة.

استهجان الرومانسية موضة العصر

استهجان الرومانسية استهجان الرومانسية موضة العصر

أصبح استهجان الرومانسية موضة بالنسبة للبعض، حتى لتشعر من سباقهم المحموم نحو استهجانها كأنهم خائفين من شيء ما، فيحافظون على المظهر العصري بالسخرية من الحب والرومانسية، فقد أضحت طريقة البعض في التعبير عن حداثتهم هي السخرية من سذاجة الحب والعشاق، ولا مبالغة في اعتبار استهجان الرومانسية موضة، انظر حولك ستجد سباقا في هذا المسار، ويزيد استهجان الرومانسية لدى صغار السن، فيعتبرون الحب شيئا باليا مغبرا بالنسبة لهم، كما يمنحهم الاستهجان فرصة لادعاء النضج والذكاء، ولا أعلم صراحة من الأحمق الذي صور لهم أن هناك تعارض بين الحب والنضج، ويقع علينا ككبار جزء كبير من اللزوم، فقد عجزنا عن تقديم نماذج الحب الصادقة الملهم لتلك الأجيال، فانعكس فقر الحب هذا على سلوكهم، ويتصور البعض أن الإيمان بالحب يرادف السذاجة، ولا أحد يحب الظهور بمظهر الساذج، فيسارعون إلى استهجان الرومانسية بحثا عن البراءة من هذا الاتهام، لذا علينا جميعا استهجان تلك الطريقة البغيضة في ادعاء النضج والذكاء.

جمهور تيار استهجان الرومانسية

لكل شيء جمهور يدعم انتشاره ويساعد على رواجه، ولتيار استهجان الرومانسية جمهور واسع، والحق أنه جمهور متنوع، ينتمي لطبقات وأعمار مختلفة، ولفهم هذا الانتشار ومعرفة أسبابه ينبغي علينا معرفة هذا الجمهور عن قرب، وأهم فئات جمهور إستهجان الرومانسية هي فئة المحطمين، فعندما تنتهي علاقة حب بجرح كبير يتغير الشخص، يصبح أكثرا استعدادا للهجوم على تلك المشاعر التي سببت له الألم، فيسارع في اتخاذ القرارات الغاضبة المنفعلة، فيقرر عدم الحب مجددا، ويجد نفسه أكثر ميلا نحو إستهجان الرومانسية والسخرية من سذاجتها، فهي لذة البدايات الحالمة التي دفعته للحب، كأنما ينتقم مما سبق، فيكون تحت تأثير الانفعال العاطفي والغضب، ويشاركه استهجان الرومانسية فئة صغار السن، فهؤلاء لم يجدوا نماذج الحب الجديدة، واندفعوا نحو إستهجان الرومانسية تقليدا للتعساء من كبار السن، وظنا منهم أن استهجانها نضجا، وأن السخرية من الحب دليل ذكاء، ونضيف لجمهور استهجان الرومانسية ذوي القلوب القاسية، فهؤلاء لا قبل لهم بالحب من الأصل، فالحب يرادف الرحمة.

أسباب استهجان الرومانسية

هناك أسباب كثيرة أدت إلى استهجان الرومانسية مؤخرا، ومن الإجحاف إرجاع الأمر إلى التجارب السيئة وصغر السن وقسوة القلوب فقط، فالحقيقة أن حياتنا أضحت صعبة، وانعكس ذلك على كافة أشكال العلاقات الاجتماعية وليست العاطفية منها فقط، ولم تساعدنا التكنولوجيا في توفير الوقت، بل أغرقتنا في المزيد من العمل، كما أصبحت حياتنا سريعة وشديدة القسوة، نستيقظ كل صباح ونركض خلف أعمالنا الكثيرة، فلم يعد لدينا الوقت اللازم لتأمل مشاعرنا والتعبير عنها، كما زادت قسوة المنافسة في عالمنا، وأضحت الرومانسية في عالم مليء بالحروب والأزمات نوع من الرفاهية، حتى أنه أصبح هناك من ينظر للعشاق والمحبين نظرة العاطلين عن العمل، نعم عزيزي القارئ وصلنا إلى تلك المرحلة، كما أضحى الحب صعبا في عالمنا الحديث، فكل الأشياء تحدث وتنتهي بسرعة يصعب مجاراتها أو اللحاق بها، هذا بالإضافة لزيادة حجم التعقيدات، وإعلاء قيمة العقل المادي والمال على ما عداهم، ساهمت كل تلك الأسباب في زيادة استهجان الرومانسية من قبل الكثيرين.

وينتصر الحب في النهاية

استهجان الرومانسية وينتصر الحب في النهاية

يبقى الحب في النهاية، بل وينتصر على كل محاولات إستهجان الرومانسية الرائجة، ذلك أننا بشر، نظل بحاجة للاجتماع والمشاركة الوجدانية، نبحث عن الحبيب الذي يشاركنا الحياة بكل أشكالها، يشاركنا الحزن قبل الفرح، ويساعدنا ويؤنس وحدتنا، ومهما قاومنا القلب وتدفق المشاعر نقع في الحب، نقع تماما ونتعرى من كل قيود المنطق، نصبح بلا سلطان أمام العاطفة القوية، فننجرف مع تيار الحب ليأخذنا إلى الجنة، وتسقط دعاوى استهجان الرومانسية بسهولة، ونجد أنفسنا ننقلب على ما سبق وسخرنا منه، ونمارسه ونحن سعداء للغاية، فلا يصبح القرار قرارنا عندما نحب، ونجد أنفسنا نمارس الحب على طريقة العشاق، ونميل إلى الرومانسية حينها، ذلك أن الرومانسية ليست شيئا واحدا، كما تستقل عن التكلف والأنماط المعلبة، فلا تقف حدود الرومانسية عند باقات الورود وقصائد الشعر، بل تمتد لتشمل اهتمامك بالحلوى المفضلة لحبيبتك أو ابتياع مسكن الأسنان لها، فكل صور الاهتمام بالتفاصيل هي أفعال رومانسية جميلة، لذا ينتصر الحب مهما وصل حجم إستهجان الرومانسية.

في النهاية يجب تفهم استهجان الرومانسية من قبل البعض، فهناك جمهور كبير لها، تحدثنا عن هذا الجمهور ودوافعه، سواء كانوا من صغار السن الذين لم يجدوا النماذج الملهمة، أو كانوا من المجروحين والذين يسوقهم الغضب نحو استهجان الرومانسية للانتقام، هذا بالإضافة إلى قساة القلوب بالطبع، ولكل منهم أسبابه التي تدفعه نحو استهجان الرومانسية وعدائها، كما أن حياتنا أصبحت سريعة، لم يعد لدينا الوقت والبال الرائق لممارسة الحب وتأمل المشاعر، وزادت قسوة المنافسة الشرسة في العمل من ضغوطنا، واتحدت الأسباب معا حتى تكون حولنا سور عال يمنعنا عن الحب، ولكن بالرغم من كل ذلك يبقى الحب، وتنتصر العاطفة على العقل المادي، وعندما نحب نتجاهل كل دعاوى إستهجان الرومانسية السائدة، وتلك نتيجة حتمية، ذلك ما دمنا بشرا وما دامت قلوبنا تنبض، فعندما نقع في الحب تتولد لدينا رغبة قوية في الرومانسية، نصبح أجمل وأكثر رقة، نجد أنفسنا أكثر لطفا تجاه الحبيب، ونهتم دون قصد أو تكلف أو ادعاء، ونعبر عن الحب بشتى الطرق.

الكاتب: أحمد ياسر

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

2 × ثلاثة =