إيجاز القصر

وفائدة إيجاز القصر أنّ العرب قديمًا كانوا مولعين به، ومن كثرة شغفهم بهذا الأسلوب، نظّم كثير من الشعراء أبياتًا شعرية، تتضمن هذا الأسلوب، وذلك لأنه أسلوب لطيف، وفي نفس الوقت عميق، لما يتضمّن من كلام قليل، به معانٍ كثيرة، والتعبير بهذا النوع أو بهذا الأسلوب، لَقدرة كبيرة، تدل على بلاغة وفصاحة صاحبها. ومما يدل على عظم هذا الأسلوب المتميز، بلاغة القرآن الكريم، فآياته معجزة كبيرة، فترى في الآية الواحدة معنى دقيق، وأسلوب بلاغي، وتناسق في كل شيء، فجاءت آيات قرآنية كثيرة ملوّنة بهذا الأسلوب، ولا شك في ذلك، لأنه تحدي للعرب، المعروفين بفصاحتهم وبلاغتهم، ولم يستطع أي فرد عادي الإتيان بمثله أبدًا، لذلك نقول أنه أسلوب مميز تنفرد به لغتنا العريقة، ووضع له اللغويون والبلاغيون حدودًا معينة، منعًا لاستخدامه في أي وقت، ولا داعٍ يُذكر، وذلك لأنّ له أغراض محددة سوف نوضحها، وله أنواع، كما ورد في القرآن الكريم، واستخدمه الشعراء في تنظيم شعرهم.

شرح إيجاز القصر

إيجاز القصر شرح إيجاز القصر

الإيجاز لغة: التقصير، والإيجاز مصدر الفعل أوجز، يعني قصّر، واصطلاحًا: شرح الكلام بمعنى كثير، بألفاظ قليلة، مع الاستيفاء من غير إخلال، وإلّا فسد المعنى، والإيجاز من خصائص اللغة العربية، وأنواعه: إيجاز القصر ، وإيجاز بالحذف، وموضوعنا هو ” إيجاز القصر “، ومعناه: الإتيان بمعانٍ كثيرة في ألفاظٍ قليلة، وهذه الآية سوف توضّح مفهومه “ولكم في القصاص حياة”، فعندما نزلت هذه الآية، أراد المشركون وقتها تحدي القرآن، ليأتوا بمعنى مقابلًا لها، فقالوا “القتل أنفى للقتل”، لكن نحن الآن بصدد مقارنة عظيمة بين هاتين العبارتين، فأول شيء: في الآية الكريمة، “القصاص حياة” عشرة أحرف فقط، بينما الذي من قولهم أربعة عشر حرفًا، أما الوجه الثاني من المقارنة: فمعنى قولهم أن القتل يقتضي القتل، وسبب لانتفاء نفسه، أما الآية تقتضي أن القصاص سبب للحياة، والوجه الثالث: تكرارهم للفظ القتل، بينما في الآية لم يتكرر لفظ معين، غير أن الآية أفادت الردع عن القتل، وتبيّن أن طلب القصاص عدل ورحمة، لكن في مقصود الآخرين لم تردع عن القتل، وتُرك مفتوحًا دون ضابط.

أنواع إيجاز القصر

اختلف البلاغيون حول أنواع إيجاز القصر ، فعدّ بعضهم نوعين له: النوع الأول: ما دل لفظه على محتملاتٍ متعددة، ويمكن التعبير عنه بمثل لفظه وعدده، وضربوا له مثالًا، فمن القرآن الكريم: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين، أما النوع الثاني: ما دل لفظه على محتملاتٍ متعددة، لكن لا يمكن التعبير عنه بمثل لفظه وعدده، ومثال: القصاص حياة، وقد شرحنا علة ذلك. لكن هناك علماء اختلفوا في أنواع أخرى للقِصَر، فقالوا أنها تندرج تحت إيجاز القصر ، لكن لا تُحسب من أنواعه، وهي: (إيجاز التقدير، والإيجاز الجامع، والمساواة)، فإذا جاءت العبارة تحمل معانٍ كثيرة بألفاظٍ قليلة، كان إيجاز قصر، وإذا جاءت بتقدير معنى زائد على المنطوق يسمى إيجاز التقدير أو التضييق، مثل: قُتل الإنسان ما أكفره، وإذا حوَتٌ على معانٍ متعددة، كان الإيجاز جامعًا، مثل: إن الله يأمر بالعدل والإحسان..، وإذا جاء اللفظ مساوٍ للمعنى كانت المساواة.. وبعد ذلك يمكن القول، أن العرب كانت تحب الإطالة وإطناب الكلام، ولكن عند استخدامهم للإيجاز، يدل على البلاغة والفصاحة.

ايجاز القصر في القرآن الكريم

من خصائص إيجاز القصر في القرآن الكريم، يكمُن فيه الغموض، مقارنة بإيجاز الحذف، لأنه يحتاج إلى تأمُّل وتفكُّر، بيدَ أنه أكثر فائدة للتعبير عن المعاني، وأوجز في العبارة، وأبعد عن التكلُّف في التكرار، وأحسن تأليفًا في تلاؤم الحروف، بالإضافة إلى وروده بكثرة في القرآن الكريم، وكل هذه الخصائص، نجدها موجودة في “آية القصاص”، والتي تم شرحها. ومن أمثلة إيجاز القصر في القرآن الكريم: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)، (ولا يَحيقُ المكر السيئ إلا بأهله)، (إنه من سليمان)، (وأتوني مسلمين)، (ألا له الخلق والأمر)، فالأمثلة السابقة من القرآن، تدل على بلاغته وفصاحته، ومواضع مستحسنة ولطيفة، وجاءت موجَزة، ليس بها حذف أو إطالة. وهناك ما عدّه البلاغيون من إيجاز القصر ، فنجد أسلوب نائب الفاعل في قوله: (قُتِل الخرّاصون)، والأمثلة في القرآن كثيرة، ومليئة بهذا الأسلوب، فنجد في الآيات السابقة، اقتصار اللفظ، مع أنه يحمل معانٍ كثيرة، ففي “ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله” أن الله تعالي قصر الأشياء المهلكة، وكل شيء قبيح على من هو أهل لذلك، مما يدل على تعبير قرآني جميل.

ايجاز القصر في الشعر

اقتصر الشعر على أبيات قليلة في هذا الأسلوب، لأنه موضع بليغ وفصيح، لا يبلغه إلا من كان لديه الملكة والقدرة عليه، فهناك أمثلة تدل على المعاني الكثيرة، بألفاظ يسيرة، فمنه قول أبي ذؤيب الهذلي: والنفس راغبة إذا رغبتها- وإذا ترد إلى قليل تقنع، فهنا يوصف الشاعر نفس الإنسان، وأنها دائمة الرغبة والطلب، لكن إذا عوّدتها على القليل تقنع به. وهناك شعراء أرادوا الإتيان بأسلوب الإيجاز، بمثل ما ورد في القرآن، لكن لم يستطيعوا، فنجد الفرزدق هنا يقول: ضربت عليك العنكبوت بنسجها- وقضى عليك به الكتاب المنزل، فقول الفرزدق لاقى نقدًا كبيرًا، وبيته غير مُستحسن، لأنه أراد الإتيان بمثل قوله تعالى في سورة العنكبوت، فجاء قوله غير مقبول. بينما في قول السموأل: وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها- فليس إلى حسن الثناء جميل، أسلوب جميل وبليغ، لأنه جمع في هذا البيت في قوله “ضيم النفس” جميع مكارم الأخلاق، لأن ضيم النفس معناه المشقة والعناء، فلم تجد فيها ضيمًا، وهكذا نجد في بيته معانٍ كثيرة، لكن بلفظ قليل.

أمثلة إيجاز القصر

إيجاز القصر أمثلة إيجاز القصر

هناك أمثلة من الحديث النبوي الشريف، فنجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- صاحب الفصاحة والبلاغة، له العديد من الأقوال، فنجدها في: الضعيف أمير الركب، لا ضرر ولا ضرار، إنما الأعمال بالنيات، من استبدّ برأيه هلك، نية المؤمن خير من عمله، ترك الشر صدقة، والأحاديث كثيرة مما وردت فيها أقوال تدل على التقصير. وهناك أمثلة لهذا الأسلوب، نجدها في “التوقيعات”، فنجد توقيعات الخلفاء للمجاهدين، مثل توقيع أبي بكر الصديق إلى خالد بن الوليد -رضي الله عنهما- بقوله: (ادنُ من الموت توهب لك الحياة)، حيث أراد بقوله توجيه القائد، وإرشاده لفعل شيء معين، وهو أن الموت سيكون سبب لحياة بعد ذلك، فعند طلب الشهادة، تكون الحياة بعد الموت، ففي هذه العبارة إيجاز قصر، ولا يمكن حذف شيء منها. ومنه توقيع عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- إلى ابنه الحسين: (رأي الشيخ خير من مشهد الغلام)، فنجد أيضًا في هذا القول معنى أكثر منه لفظ، وذلك لأنه أراد قول أنّ خبرة الشيخ ورأيه، أفضل من غلام صغير ليس لديه تجارب سابقة، فعكس بقوله عظمة الشيوخ.

وهكذا، قد رأينا فائدة هذا الأسلوب، وما له من مكانة عظيمة في اللغة العربية، وأنه كان مطمح البلاغيين واللغويين، وأفردوا له مؤلفات كثيرة في باب المعاني، فما أعظم لغتنا العربية!

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

ستة عشر + 2 =