إعلانات الأطعمة

بتعدد وسائل التكنولوجيا المتاحة، أصبح الأطفال لا يتعرضون لـ إعلانات الأطعمة في الشوارع، جهاز التلفزيون، المجلات وحسب، بل أصبحت تلك الإعلانات تطاردهم بالفعل في كل مكان، من خلال أجهزة آيباد، هواتفهم المحمولة، أجهزة الكمبيوتر، صار البحث أسهل، وصارت الإعلانات مجانية وفي كل مكان؛ لتعرض عليهم كل ما هو محرم في بيوتهم، من سعرات حرارية بنسب عالية، صودا، سكريات، وغيره الكثير. كيف تستهدف إعلانات الأطعمة الأطفال والمراهقين وما هي الطريقة الملائمة لتحجيم هذا التأثير التسويقي الجارف؟ عن أثر هذا التسويق الإعلاني وكيف يتم، وسبل مواجهته سيكون حديثنا هنا.

ماذا نقصد بالأطعمة السريعة؟

مر أكثر من عقد ونصف العقد على دخولنا بوابة القرن الحادي والعشرين، وأصبح مصطلح “الأطعمة السريعة” عالمي ومتواجد في كل أنحاء العالم. بوسعك أن ترى الأطعمة السريعة من حولك في كل مكان؛ المتجر، التلفزيون، الآيباد، الشوارع. نتعرف على المصطلح من خلال تلك الأطعمة التي تحتوي على سعرات حرارية مرتفعة وفي المقابل نجد أن القيمة الغذائية لهذا المنتج الغذائي ضعيفة للغاية. بالإضافة إلى أن الأطعمة السريعة تفتقد لقيمة الشبع، وبالتالي لا يشعر من يتناولها بالشبع فيلجأ للإكثار من الأكل وبالتالي يتهدده خطر السمنة.

كيف تؤثر إعلانات الأطعمة السريعة على الأطفال؟

في يوليو 2016 نشر بحث علمي يفيد تأثر الأطفال بالمحتوى الإعلاني الذي ينشر عن الأطعمة السريعة. كما أنه يضيق من خيارات الأكل الصحي المطروح أمام الأطفال، لصالح الأطعمة السريعة. وفي زمن يستغرق أقل من ثلاثين دقيقة يتأثر الطفل ويستجيب لـ إعلانات الأطعمة السريعة بلا كابح أو معوق. وفي كندا، جامعة ماكماستر، نشر باحثون دراسة تناقش الأثر السلبي لـ إعلانات الأطعمة السريعة والمشروبات على الأطفال وخياراتهم في اختيار الأطعمة. وتم تأكيد أن إعلانات الأطعمة السريعة تزيد من السعرات الحرارية للأطفال نظرًا للتأثر السريع للطفل في حالة تعرضه لوجبة إعلانية دسمة، كما تؤثر الإعلانات أيضًا على خياراته في الأطعمة السريعة وتجنبه للأكل الصحي. أفادت الدراسة أيضًا أن الأطفال في كندا وأمريكا وألمانيا يتعرضون لمعدل يقارب خمسة إعلانات للأطعمة في الساعة الواحدة. كما أن إعلانات الأطعمة السريعة لم تعد تقتصر على التلفزيون فحسب بل توغلت للميديا الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي وألعاب الفيديو وغيرها الكثير. نجد أن الطفل يتعرض لكم مهول من تسويق إعلاني لأطعمة غير صحية يحيط به من كل جانب، ويؤثر على خياراته في الطعام ويؤثر بشكل سلبي على صحته ونظامه الغذائي بالطبع.

كيف تؤثر الأطعمة السريعة على الصحة النفسية للطفل؟

الاحتياج الحقيقي والمؤثر للنظام الغذائي يبدأ عند سن صغير جدًا، بل في مرحلة تكون الجنين. وبالتالي يكون النظام الغذائي للأم مؤثر على الطفل فيما بعد. في دراسة علمية نشرت في عام 2013 في “مجلة الأكاديمية الأمريكية للصحة النفسية للأطفال والمراهقين”. تم اختبار النظام الغذائي الذي يتعرض له الطفل من سن خمسة أشهر حتي ست سنوات، كما النظام الغذائي للأم أيضًا في نفس الفترة. والنتيجة أظهرت أن النظام الغذائي للأم والطفل من فترة الحمل حتى سنوات الطفل الأولى يكون مؤثر بشكل كبير على عواطف وانفعالات ومشاعر الطفل، كما يؤثر بشكل واضح على الصحة النفسية للطفل. ففي حالة الأطعمة السريعة التي يتم تسويقها عن طريق إعلانات أطعمة متواجدة في كل مكان ومؤثرة بشكل واضح، أوضحت الدراسة أن التناوب على مثل هذه الأطعمة بشكل منتظم، حيث تزيد السعرات الحرارية وتقل القيمة الغذائية، يؤثر بشكل واضح على تصرفات الطفل وصحته النفسية. وتم إيجاد خط متصل ما بين تلك الأطعمة وهذا النظام الغذائي وبين السلوك النفسي للطفل وتسببه في مشاكل نفسية تتضمن القلق والاضطراب والاكتئاب.

الأطعمة السريعة والتلفزيون

كما أسلفنا، تستهدف إعلانات الأطعمة السريعة الأطفال، من خلال أطعمة مليئة بالسعرات الحرارية، السكر، الملح، والقليل من القيمة الغذائية. كما بات من الواضح والجلي تأثير هذه الإعلانات على الأطفال وتشجيعها إياهم لتناول المزيد دائمًا. في دراسة أجريت في جامعة ليفربول في المملكة المتحدة، تم تعريض مجموعة من ستين طفل إلى إعلانات أطعمة سريعة مجانية، وإعلانات لألعاب فيديو، تم إثبات أن الأطفال الذين تعرضوا لـ إعلانات الأطعمة، تناولوا أطعمة بنسبة أكبر من أولئك الذين تعرضوا لإعلانات الألعاب. كما تم إثبات تناول الأطفال لأطعمة سريعة بنسب كبيرة عقب مشاهدة إعلانات الأطعمة والمشروبات السريعة، وتأثير ذلك على صحتهم بات يشكل خطرًا وجب وقفه والحد من تأثيره السلبي.

كيف تؤدي الأطعمة السريعة إلى السمنة؟

كما تؤثر إعلانات الأطعمة السريعة على الأطفال وتجعل منهم مستهلكين، كذلك نجد أن الإفراط من تناول هذه الأطعمة يزيد من خطر الإصابة بالسمنة لدى الأطفال. وذلك لأن الأطعمة السريعة تحتوي على كميات كبيرة من الكربوهيدرات، الدهون، السكريات، وكل ذلك يؤثر بشكل رئيسي في السمنة المفرطة لدى الأطفال. مع الوضع في الاعتبار أن الأطفال المستهلكين للأطعمة السريعة، قلما يتناولون المأكولات والمشروبات الصحية، فنجد أنهم لا يتناولون الحليب، الفاكهة، الخضروات ذات الألياف، وغيرها من الأطعمة الصحية. وفي سمنة الأطفال نجد تزايد أمراض معينة كارتفاع ضغط الدم، وارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم، مما يساعد في رفع نسبة خطر الإصابة بأمراض قلبية، بالإضافة لخطر الإصابة بمرض السكري، ومشاكل صحية في العظام والمفاصل. وتتسبب السمنة أيضًا في ظهور مشكلات اجتماعية ونفسية لدى الأطفال.

لماذا يصعب مواجهة إعلانات الأطعمة السريعة ؟

يجب أن ندرك في البداية أن المواجهة غير متكافئة تمامًا. تلك المواجهة بين شركات ومصانع الأطعمة وشركات التسويق، والمؤسسة التربوية المتمثلة في البيت والوالدين. فكما تحدثنا في البدء عن أن إعلانات الأطعمة السريعة لم تعد تقتصر على التلفزيون أو المجلات وحسب. بل توغلت بفضل التكنولوجيا إلى العديد من الطرق والمنابر الإعلامية الأخرى التي ساعدت على الوصول إلى شريحة الأطفال بكثافة أكبر. ونجد هنا أن التسويق بالنسبة لهذه الشركات لم يعد ارتجالي أو معتاد، بل صار التسويق عبارة عن كيان رئيسي ودعامة أصيلة لبقاء الشركات وضمان زيادة نسبة المبيعات. ومع بذل الشركات الكبرى للأطعمة والمشروبات مبالغ وجهد ضخم على التسويق والدعاية الإعلانية، يصبح من غير الكافي دور التوعية الذي يقوم به الآباء لضبط كميات الأطعمة غير الصحية التي يتناولها أبنائهم، وذلك لأن كل محاولة من الآباء تقوض تحت ضغط وكثافة إعلانات الأطعمة والمشروبات السريعة التي تقتحم على أطفالهم حياتهم من كل جانب. وكما أوضح العديد من الباحثين؛ أن تلك الإعلانات في تطور متزايد، ليس في الجانب الكمي فقط، بل في طرق وأفكار هذه الإعلانات التي تعتمد على أفكار متطورة من التسويق واللعب على تقنيات نفسية لدى الأطفال. كل ذلك يزيد من صعوبة المواجهة وتقوية جانب هذه الشركات في مواجهة التربية الصحية السليمة.

منظمة الصحة العالمية و إعلانات الأطعمة السريعة

في تقرير أعدته منظمة الصحة العالمية في 2016 واشترك في إعداده باحثون ومتخصصون من جهات علمية مختلفة؛ تم مناقشة، والتركيز على زيادة نسبة إعلانات الأطعمة والمشروبات غير الصحية التي تستهدف الأطفال من خلال وسائل الإعلام الرقمية المختلفة وتأثير ذلك على الأطفال. كما حث التقرير المشرعين على أخذ خطوات قانونية جادة في مواجهة هذه الإعلانات وحماية الطفل من خطر التعرض الدائم لها. حوى التقرير بنود كثيرة حول تأثير هذه الإعلانات على معدلات السمنة لدى الأطفال وما يليها من أمراض متلاحقة، كما تكلم التقرير حول كون الطفل غير محمي تجاه مادة إعلانية ضخمة ومتعددة الجهات، وعالمية. كما ناقشت صعوبة الوضع النفسي والصحي عند محاولة الآباء منع أبنائهم من تناول هكذا أطعمة، وكيف أن التعرض الدائم والمكثف للمزيد من إعلانات الأطعمة والمشروبات غير الصحية يعوق خطط وتطلعات الآباء لحماية أبنائهم وتجعلهم دائمًا في وضع الشخص الذي يحاول حرمان الأطفال من كل ما يرغبون، كما تزيد الرياضات وشركات الألعاب الداعمة لشركات الأطعمة، من صعوبة هذه المهمة أيضًا. تاركين الآباء في مواجهة حامية وصعبة مع أطفالهم.

كيف يواجه الآباء خطر إعلانات الأطعمة السريعة ؟

من الضروري أن يدرك الآباء مسئوليتهم التامة عن حماية أطفالهم من خطر إعلانات الأطعمة السريعة، وأن يستوعبوا خطورة هذه الإعلانات وواجبهم الذي يحتم عليهم مواجهة هذه الحملة الإعلامية الشرسة على أطفالهم. تبدأ أولى هذه الخطوات عبر التحدث مع الطفل حول هذه الإعلانات وكيف تعمل. من الضروري أن يستوعب الطفل آلية عمل التسويق بحد ذاته، وكيف أن هذه الشركات تبحث عما يجذب الطفل، وما الذي سيجعله يشتري منتجهم، وعليه يقوموا بوضع الخطة وتقديم الطعم للطفل. من الهام الحديث مع الطفل أيضًا ليس فقط عن فكرة التسويق والإعلانات بحد ذاتها بل عما تقدمه إعلانات الأطعمة السريعة بالتحديد، وتأثير هذه الأطعمة سلبًا عليه وعلى صحته فيما بعد. التسوق وتناول الطعام مع الطفل من الأشياء الهامة والضرورية كذلك، فعلى الوالدين اصطحاب أطفالهم عند التسوق وتعليمهم كيفية قراءة الفوائد الصحية للطعام ونسب الدهون، والكربوهيدرات، والسكريات، والسعرات الحرارية على كل منتج. كما يصبح من الضروري أيضًا تناول الطعام مع الطفل وكيف يضمن ذلك تناوله طعام صحي، بل وتقوية أواصر المحبة والدفء العائلي. كما أن مراقبة الوالدين لنشاط أطفالهم وسعيهم للتقليل من أوقات تعرض الأطفال للتكنولوجيا الحديثة لأوقات طويلة وما تحويه من إعلانات، يضمن بشكل ما تضييق المساحة على إعلانات الأطعمة والمشروبات غير الصحية عند أطفالهم.

لا تمنع أطفالك من تناول الأطعمة السريعة

وهذه من النقاط المحورية في مواجهة خطر إعلانات الأطعمة السريعة التي تستهدف الطفل. ولأننا في عالم مفتوح يصبح معه الحجب والمنع من السذاجة، فيجب أن نعلم أن أطفالنا سيصلهم إعلان مثل هذه المنتجات وسيرغبون بتجربتها كما أقرانهم. لذلك يصبح من المستحيل فرض قيود حول كل ذلك، ومع كثرة هذه القيود، سيلجأ الطفل لكسرها وبشراسة. والحل يكمن هنا في مواجهة بتعقل، تعمل على توعية الطفل بخطر هذه المنتجات المعلن عنها، وضرورة تجنبها، كما نطرح سماحية أن يجرب الطفل هذه الأطعمة ويتناولها من فترة لأخرى؛ إرضاءً لشغفه وتعلقه الطفولي وحرصًا منا على استجابته لما نوجهه له بلا عنف أو تعصب تجاهها. كل هذا سيضمن أن يكون الطفل متعقلًا وغير مكبوت وسيساعد على تنشئته تنشئة صحية.

إن خطر إعلانات الأطعمة السريعة التي تستهدف الأطفال، جلي وواضح للعيان، وعلى هذا الأساس تحركت منظمة الصحة العالمية والكثير من المعنيين بحقوق الطفل. واجبنا نحن أيضًا كأشخاص ناضجين أن نعمل على توعية أطفالنا بحكمة وتعقل عن خطر هذه الإعلانات وما تحويه من منتجات لنضمن جيل من الأصحاء القادر على إفادة نفسه ومجتمعه وعدم الانجراف الأعمى وراء رغباته فحسب.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

13 + 10 =