أقل لكن أفضل

هل تشعر بأنك تقضي وقتك وتستثمره في مهام وأعمال صحيحة ولها أهمية حقيقية؟ إن العالم الحديث الذي نحياه، يمتلئ بالأنشطة والتفاصيل والمسئوليات التي تفوق قدراتنا على متابعتها وملاحقتها جميعًا. فليس من الحكمة أن نقوم بفعل وإنجاز كل شئ أو كل مهمة نعتقد أننا ينبغي أن نؤديها. لذلك يقدم لنا كتاب (العودة إلى الجوهر) لمؤلفه “جريج ماكيون” دروسًا هامة في كيفية الرجوع والعودة إلى الحياة والنهج الجوهري الذي يتمثل في كيفية استبعاد أمور كثيرة غير مهمة أو ضرورية  من حياتنا، من أجل التركيز على الأمور الأكثر أهمية. إن الشخص الذي يعيش جوهر الحياة كما يقدمه إلينا هذا الكتاب هو الذي يستطيع التمييز والمفاضلة بين العديد من الأعمال الكثيرة التافهة والمستهلكة للوقت دون قيمة، وبين الأعمال القليلة التي تمثل أهمية. باختصار يدعونا مؤلف هذا الكتاب إلى تفعيل مبدأ ( أقل لكن أفضل ) الذي يرتكز على فكرة جودة الحياة وعلى الكيف دون الكم. وسوف نناقش في هذا المقال أهم تلك الدروس التي يقدمها لنا هذا الكتاب المهم.

التخلص من الأعمال غير الضرورية من خلال استكشاف الطريق الجوهري للحياة

كثيراً ما نجد حياتنا ممتلئة بالتفاصيل والأعمال غير المهمة التي يمكن الاستغناء عنها، ومن ثمّ نسعى لتخليص تلك المهام التي تمثل أهمية وأولوية بالنسبة لنا، عن تلك المهام الزائدة عن اهتمامنا الحقيقي. ومع ذلك فإننا نبقى في النهاية محاصرين بكم هائل من الأعمال والمسئوليات التي نضعها في قائمة أهدافنا المطلوب إنجازها وتحقيقها. والحقيقة أن هذه الأعمال غير الضرورية التي تفرض نفسها علينا، سوف تقف أمام التقدم في درجة الكفاءة والإنتاجية والنجاح؛ ما لم نقف عند هذا الحد ونكتشف الطريق الجوهري الذي ينبغي أن نحيّا وفقًا لمبدأه. ويتلخص مفهوم الرجوع إلى جوهر الحياة، في قدرتنا على إنجاز وفعل أشياء قليلة لكن بشكل أفضل؛ وهذا هو مبدأ أقل لكن أفضل . وبالتالي علينا أن نتخلص من كل ما هو غير ضروري أوليس له أهمية في كافة تفاصيل حياتنا، ثم نركز على الأشياء الأخرى الأكثر أهمية وبالتالي يتم إنجازها بجودة أعلى وأفضل.

فليس من الصحيح بالنسبة للحياة الجوهرية أن نتبنى اتجاه يسعى لإنجاز وفعل كل شئ وأي مهمة لأننا بذلك سوف نتشتت تمامًا ويضع تركيزنا ويفتقر إنتاجنا النهائي إلى الجودة والكفاءة. وفي المقابل نحدد أهداف ومسئوليات مختارة بدقة نستطيع إنجازها بشكل ماهر. فالشخص الذي يعيش جوهر الحياة هو الذي يتحرك في طريق واتجاه واحد يستطيع من خلاله أن يحقق نجاح أكبر وأعمق يكون مهمًا بالنسبة له عن أن يتحرك في طرق كثيرة وتفاصيل زائدة تقلل من التركيز والانتباه. وتتسم هذه الحالة التي نستخدم فيها مبدأ أقل لكن أفضل بأنها قيد الاستمرار والمراجعة الدائمة للخطط والمهام والأهداف التي نتبناها. ومن ثمّ نتمكن من صنع قرارات حكيمة ترفض وتتجنب الكثير من الأعمال التي ينبغي أن نهملها ونستبعدها. يتمكن الشخص الجوهري من تحديد درجة الأهمية التي يمثلها الفعل الذي يقوم به، وأيضاً عزل أي أعمال غير ضرورية تأخذ وقتًا ومجهوداً منه دون فائدة أو أهمية تذكر.

صنع القرار وفقًا لمبدأ أقل لكن أفضل يتطلب المفاضلة بين الأولويات

إن الكثير من البشر يتخلون عن قدرتهم على اتخاذ القرارات والاختيار الحر لأنهم يشعرون بالعجز والشلل أمام المواقف التي يعتقدون أنه لا مفر منها. فمجرد الشعور بأن لديك العديد من المهام والمسئوليات المفروضة عليك دون فائدة، فإن هذا يدفعنا نحو التخبط والعجز في حياتنا. فالشخص الذي لا يعيش جوهر الحياة كما ينبغي، فإنه يفكر في فعل كل الأشياء لكل الناس ويتردد على لسانه ” يجب أن أفعل هذا” و “كيف يمكن أن يتسع الوقت لكل هذا”. بينما الشخص الجوهري يفكر في القيام بأشياء أقل لكن أفضل ، ويتردد على لسانه ” أنا أختار فعل هذا” و “ما الحلول الوسط؟” و “قلة من الأمور مهمة فعلاً”.

إن الأشخاص عندما يجدون أنفسهم أمام مواقف يشعرون معها وكأنه لا يوجد فائدة من مقاومتها أو بذل مجهود تجاهها، فإن ردود أفعالهم تتحرك بأسلوبين: الأول هو أن يتفاعل من خلال بذل مجهود مبالغ فيه لتحقيق مكاسب وإنجازات كثيرة وفي جميع الاتجاهات فيظهرون كما لو أنهم لا يشعرون بالعجز المكتسب. ولأنهم يقومون ويقبلون بفعل كل شئ فإنهم يظلوا في النهاية مشتتين دون قدرة منهم على اختيار الأشياء المهمة فقط لكي يركزون عليها. أما الأسلوب الثاني في رد الفعل، فإنه يتمثل في التركيز على الفرص المتاحة الأكثر أهمية، ويقومون بتنظيمها.

تعلم كيف تهرب وتأخذ استراحة لرؤية ما هو أقل لكن أفضل

يغرق معظم الناس في تفاصيل ومسئوليات الحياة اليومية، دون أن يعطوا لأنفسهم فرصة للتوقف قليلاً لكي يتأملوا حياتهم والاختيارات التي قاموا بها، من بعيد وبرؤية شاملة تكشف لهم كافة الأبعاد التي تخفى عليهم عندما يمارسون حياتهم بشكل جزئي وعن قرب. حتى أننا نجد الشعور بالملل لدى الناس قد بدأ في التلاشي نتيجة للتقدم التكنولوجي الذي عمل على توفير العديد من أدوات ووسائل قتل الوقت والتسلية وسهولة وسرعة التواصل الإنساني في أي وقت. لذلك قد لا نجد شخصاً يشعر بالفراغ والملل لأنه ينشغل بالتفاصيل التي تملأ حياته.

كيف لنا إذن، أن نُفعل مبدأ أقل لكن أفضل ونقوم بالاختيارات الهامة واستبعاد المهام والأشياء التافهة التي ننخرط فيها، ونحن لا نجد الوقت الذي نراجع فيه أنفسنا ونعيد التفكير في كل شئ نفعله في الحياة؟ لذلك علينا أن نوفر بعض الوقت بشكل يومي لكي نهرب فيه إلى التفكير والتأمل وإعادة رؤية الصورة كاملة من بعيد. فعندما نجد بعض الوقت الذي لا نفعل فيه شئ وكأنه وقت الملل، فإن ذلك سوف يدفعنا إلى التفكير في الأمور الهامة التي نحتاج إليها بالفعل. ضع في جدولك وبرنامجك اليومي وقتًا من أجل كل هذا وعندها ستكون قادر على تحديد الأشياء المهمة فقط. انظر على سبيل المثال إلى رجال الأعمال والمديرين الناجحين، ستجدهم يسعون لتوفير وقتًا فارغًا لا يفعلون فيه شئ، فقط يفكرون ويعيدون النظر. بل إن معظم العباقرة والعقول الجبارة في كافة المجالات العلمية مثل “أينشتاين” و”نيوتن” كانوا يعطون لأنفسهم وقتًا للهروب والعزلة، وأدى بهم ذلك في نهاية الأمر إلى ابتكار واختراع إنجازاتهم ونظرياتهم العلمية الشهيرة التي غيرت مسار الحضارة والإنسانية كلها.

تساعدنا هذه المساحة الفارغة من الأفعال والتفاصيل، على تفعيل مبدأ أقل لكن أفضل من خلال رؤية صورة حياتنا بشكل كامل وشامل يأخذ في اعتباره كافة الأجزاء دون الاقتصار على جانب دون آخر. إن هذه الرؤية الشاملة لحياتنا وأهدافنا البعيدة تساعدنا على مراجعة طريقنا الذي نسير فيه مع إمكانية تصحيحه بشكل دائم ومستمر دون أن نغرق في الجزئيات والأشياء البسيطة التي تخفي ورائها شبكة من العلاقات والتعقيدات المتكاملة. فعندما نحتفظ بمذكرة بحيث ندون فيها الملاحظات المهمة والضرورية فقط بشكل يومي، فإن ذلك سوفي يساعدنا على رؤية الصورة بشكل شامل وتتكامل الأجزاء كلما أعدنا قراءة هذه الملاحظات.

اعطِ مساحة لقليلاً من اللعب والتسلية ضمن برنامجك اليومي في الحياة

قد ينظر البعض إلى اللعب واللهو والتسلية على أنهما أنشطة غير جوهرية في الحياة أو في تطبيقنا لمبدأ أقل لكن أفضل ، وهو ما يتنافى مع نظرة الجوهرية الحقيقية، والتي ترى في اللعب والتسلية أموراً لا غنى عنها ومهمة في حياة كل شخص؛ البالغ منهم قبل الطفل. فاللعب هو مجرد أشياء بسيطة نفعلها من أجل السعادة التي نحصل عليها، سواء كان مجرد لعب بمراكب ورقية أو سماع موسيقى أو لعب بلياردو. اللعب واللهو يمتلكون القدرة على تطوير وتحسين أشياء عديدة في حياتنا كالصحة النفسية وعلاقاتنا الاجتماعية والشخصية والتفكير والقدرة على التعلم والإبداع. ويعتقد الشخص غير الجوهري أن اللعب شئ تافه ومضيعة للوقت، ولا يحصل منه على فائدة أو يحقق أهداه. بينما يدرك الشخص الذي يعيش بما هو أقل لكن أفضل أن اللعب ضروري ويدفعنا لمزيد من الاستكشاف وتحرير عقولنا وإنجاز الأعمال التي نؤديها بطرق أكثر إبداعًا وابتكاراً. لذلك نجد لدى بعض الشركات اهتمامًا بممارسة الموظفين لبعض من اللهو واللعب مثل شركة (جوجل). فهم يعلمون مدى تأثر اللعب وقدرته على منح شعور السعادة للموظفين وهو ما يجعلهم أكثر إنتاجية وابتكاراً في أعمالهم التي يؤدونها.

يمنحنا اللعب قدرة على الرؤية العقلية، المتسمة بالأفق الواسع والبعيد، نستطيع أن نستكشف من خلال هذه الرؤية مزيداً من الأشياء، نتيجة للأسباب الآتية: أولاً، يفتح اللعب أمامنا نطاقًا ومجالاً واسعًا من الخيارات والاحتمالات التي كانت مختفية عن أنظارنا وما كنا لنراها بدونه. لذلك نستطيع الإتيان بأفكار مبتكرة جديدة. ثانيًا، اللعب هو العلاج الحقيقي لكل توتر أو إجهاد يمثل عقبة أمام معدل إنتاجنا وإنجازاتنا اليومية. فعندما نشعر بالتوتر وأن الأمور خرجت عن السيطرة، عندئذ سوف يساعدنا اللعب على إزالة التوتر ومن ثم نستعيد نشاطنا من أجل التمكن من معالجة الأمور بشكل سليم. ثالثًا، يؤثر اللعب على أجزاء معينة من المخ بشكل إيجابي، والتي تكون مسئولة عن القدرة على التفكير المنطقي الهادئ والقدرة على التحليل والاستكشاف ومن ثم نتمكن من تحديد المهام الضرورية وأولوياتنا.

هناك أيضاً شئ آخر علينا أن نهتم به بجانب اللعب والتسلية. فلكي نحقق الحياة الجوهرية بما هو أقل لكن أفضل فإننا نحتاج أن نخصص بعض الوقت للراحة والاسترخاء، وساعات محددة للنوم، من أجل استعادة النشاط والطاقة مرة أخرى. فالاستيقاظ لفترات طويلة تصل إلى ساعات اليوم بأكمله، بدون النوم ما يقارب 6 ساعات يوميًا، يؤدي ذلك إلى تقليل إدراكنا للأشياء بنسبة 0.1%، فالشخص الجوهري يعطي للنوم أهمية عالية لأن كل ساعة من النوم سوف يقابلها ساعات كثيرة من الإنجاز والعمل النشيط والقدرة على التفكير والإدراك الجيد. عليك إذن أن تسمع لصوت الطفل الذي بداخلك وتلهو قليلاً. بالإضافة إلى حصولك على الراحة والنوم اللازمين.

استخدم معايير حادة وواضحة مع الأشياء قليلة الأهمية لحياة أقل لكن أفضل

إن القدرة على التخلص من كل الأشياء والمهام غير الضرورية وعديمة النفع بالنسبة لنا، سوى أنها تمثل عبئًا زائداً عن الحاجة؛ تعتمد على استخدامنا لمعايير دقيقة ومحددة بوضوح في عملية المفاضلة والاستبعاد التي نجريها. وإن لم نفعل ذلك فسوف نغرق في الكثير من الأعمال والتفاصيل التي نعتقد أنها ضرورية ومهمة لكي تستمر في حياتنا دون الاستغناء عنها.

انظر على سبيل المثال إلى استخدامك لمواقع التواصل الاجتماعي، فسوف تجد نفسك تهدر الكثير من الوقت الزائد دون تنظيم أو معايير واضحة تضعها لنفسك لكي تتخلص من هذا الاستخدام الزائد. وانظر أيضاً إلى الطريقة التي تتعامل بها عندما تريد التخلص من ملابسك القديمة، فقد تحتفظ منها ببعض الملابس لأنك تشعر باحتمالية استخدامك لها في يوم ما لا تعلمه. هذا اليوم قد لا يأتي في حقيقة الحال، لأنك ببساطة لم يكن لديك معياراً محدداً أو قاعدة تستخدمها لكي تحدد ما الذي تريد وتختار بقائه حقاً وما الذي تريد التخلص منه بوضوح ودون مواربة وبذلك فأنت تتناقض مع مبدأ الجوهرية؛ أقل لكن أفضل .

ولكي تتمكن من هذا التحديد، قم بإتباع أسلوب (ما فوق 90% للأولويات المهمة). ويعني أن تتخذ معياراً حاداً في تقرير احتياجك لهذا الشيء أو ذاك، من خلال إعطائه نسبة مئوية محددة. فعندما تريد التخلص من ملابسك القديمة ولكنك متردد إذا كنت ستحتاج إليها في يوم ما أم لا، فقط عليك أن تعطي نسبة مئوية محددة توضح درجة احتياجك لها، أو إمكانية استخدامها في المستقبل، وإذا كان الرقم المعطى أقل من 90%، قم بالتخلص منها على الفور، ولا تحتفظ إلا بما تعطيه نسبة 90% فيما فوق، على اعتبار أنه يمثل الأشياء والأعمال الهامة حقًا. إن الوضوح والصرامة في تحديد الأمور سوف يؤدي بك إلى تطبيق حقيقي لمنهج أقل لكن افضل ، لذلك ينبغي أن يكون رد فعلك واستجابتك على أي شئ أو مهمة، هو إما قبول بشكل واضح وإما رفض بشكل واضح.

تعلم أن تقول “لا” بشكل قاطع ومباشر لرفض كافة التفاصيل غير الجوهرية

يمثل الرفض بأسلوب مناسب ولبق، وفي التوقيت المناسب؛ قوة جوهرية كبيرة قد تدفع نحو أحداث كبرى وإنجازات أو إخفاقات أكبر. ربما يكون من السهل أن ترفض وتستبعد بعض الأشياء من حياتك كملابسك القديمة. أما إذا كان الرفض موجهاً لشخص ما، فإننا نجد صعوبة في ذلك. فكلمة (لا) تصبح ثقيلة على اللسان حينئذ؛ إما لأننا لا نريد أن نسبب إحباطًا للآخرين من خلال رفضنا لهم، وإما لأننا نخشى ونخجل من أن نرفض بوضوح وصراحة حتى لا تتدهور علاقاتنا الشخصية. إن الشخص الجوهري الذي يعيش بمنهج أقل لكن أفضل يكون لديه الجرأة على الرفض بأسلوب قاطع وحاد دون أن يشعر بالحرج والضغط الاجتماعي، ومن ثمّ فإنه يوافق على الأمور الضرورية والمهمة فقط. فعندما تقوم بالرفض الحاسم لبعض العلاقات الشخصية عليك تذكر أن ألم ساعة واحدة فقط خيراً من ألم ساعات كثيرة قد تأتي نتيجة لموافقتنا على أشياء وأشخاص لم يكن ينبغي أن نقبلها لعدم أهميتها بالنسبة لنا. فكلمة نعم قد تجعلنا نفقد الكثير من الفرص والأشياء المهمة بشكل فعلي.

ومع ذلك علينا أن نتعلم الرفض بأسلوب لبق ومهذب. فكلمة (لا) ليست هي الطريقة الوحيدة للرفض. فوصولك لجوهر الحياة يمكنك من الرفض دون أن تنطق بكلمة (لا). وأحياناً أخرى، يكون الرفض الصريح والواضح أكثر لباقة من القبول غير الواضح أو المبهم. ولذلك قد يجلب إليك الرفض الواضح، احترام الآخرين لك في كثير من الأحيان. إن الرفض يمثل مهارة رئيسية من مهارات القيادة، وليس مجرد شئ ثانوي، فنستطيع أن نطورها وننميها مع الخبرة والتجربة وإعادة المحاولات، وعندها نكون قد امتلكنا سلاحاً قوياً من أسلحة الحياة الجوهرية. النقطة المهمة الأخرى في مبدأ أقل لكن أفضل هي تحديد هدف ومهمة أساسية واحدة فقط، وتتمكن من قياس مدى إحرازك للتقدم في تحقيق هدفك من خلال معايير ملموسة وواضحة. فإذا قمت بتحديد هدفك الأساسي في أن تقضي على كافة أشكال الظلم والاضطهاد ضد المرأة في العالم، على سبيل المثال؛ فإن هذا الهدف مبهم وغامض تمامًا ولا يمكنك أن تقيس مدى تقدمك فيه بمعايير محددة. بينما لو وضعت أمام عينيك أن تنشئ مؤسسة حقوقية تسعى إلى تبني قضايا المرأة والدفاع عنها وتكون جاهزة للعمل في غضون سنة. فهذا يعتبر هدف واضح وملموس تستطيع أن تعرف وتتساءل عن كل الخطوات التي قطعتها نحو تحقيقه على أرض الواقع بشكل ملموس وفعلي.

الممارسة الجوهرية للحياة تتطلب الاعتراف بالخطأ والبعد عن أسباب الفشل

إن الكثير من الناس يتقيدون بإنجاز وفعل أشياء غير مهمة أومربحة، ومهدرة للوقت، لأنهم يشعرون فقط بالالتزام والارتباط بتلك الأشياء والأعمال. لذلك يستمرون في خسارة المجهود والمال والوقت في أعمال يدركون فشلها وعدم قدرتها على جلب ربح أو نجاح. لذلك فإن السلوك الجوهري القائم على مبدأ أقل لكن أفضل يتطلب منا أن نتوقف عندما نجد أنفسنا متجهين نحو منحدر الفشل، ثم نعترف بأخطائنا بكل شجاعة وجرأة، ونبدأ في تصحيح هذه الأخطاء بشكل فوري. فلا داعي أن تستمر في فعل شئ وترتبط به وأنت تعلم أنه سيقودك إلى طريق مسدود، لذلك علينا أن نفك التزاماتنا وقيودنا به على الفور.

علينا أن نرسم ونضع حدوداً واضحة ودقيقة أمامنا قبل أن نتقدم في فعل أي شئ، تكون بمثابة دستور أو معيار نعتمد عليه في استمرارنا في الالتزام بشيء من عدمه. فالشخص الجوهري يعتبر الحدود أمراً يدعو إلى التحرر وليس أمراً معوقاً. فعندما تضع قواعد وحدود تتحرك وفقًا لها، سوف تساعدك على تسهيل ومرونة حياتك ونجاحك فيها. يمكنك أن تقرر عدم متابعة العمل داخل المنزل علي سبيل المثال، وبالتالي يكون هناك حدوداً بين ممارساتك في الشغل ومتابعة العمل داخل المنزل في حياتك الخاصة. فإقامة الحدود في هذه الحالة يسهل إنجاز الأمور ويختصرها دون تضييع للمجهود والوقت وتشتيت للانتباه ودون أن يمثل عائق أو قيد أمام مبدأ أقل لكن أفضل .

يتطلب جوهر الحياة إزالة العقبات أمام الأشياء المهمة وليس إيجاد حلول سريعة

تتمثل حكمة السلوك الجوهري للحياة في قدرتك على التخلص من كل الأشياء التي تعيقك وتوقف خطواتك وبالتالي تعمل على إزالتها واستبعادها تمامًا من طريقك لكي تحقق الأشياء والأعمال المهمة فقط. وإن لم تركز على إزالة هذه العقبات فسوف تسايرها وتتقبل أن تفعل المزيد من المهام غير الضرورية، وتسعى حينها إلى تقديم وتكديس حلولاً سريعة.

افرض أنك تتحرك على سبيل المثال، مع فريق كشافة وتريد الوصول إلى المخيم بأعضاء الفريق في أسرع وقت ممكن. وكان من المفترض أن يحمل كل فرد حقيبة على ظهره بحيث تتساوى الأوزان بين جميع أفراد المجموعة، تحقيقاً لمبدأ المساواة. لكن في نفس الوقت يوجد مجموعة من الأطفال أقل سنًا وخطواتهم بطيئة الحركة مقارنة بذويهم الأكبر سناً والأسرع في الخطوات. فكيف تحل هذه المشكلة؟ هناك أولاً الأسلوب غير الجوهري في حل تلك المشكلة، ويتمثل في أن تأخذ بعض الأوقات بشكل متقطع، من أجل الاستراحة، فيستطيع أن يلحق المتأخرون بالمسيرة وببقية الفريق، وإما أن تضع الأطفال والأشخاص ذوي الخطوات البطيئة، في مقدمة المسيرة، لكن هذا الاقتراح سوف يعيق سرعة الفريق في نهاية المطاف. لذلك فإن الأسلوب الجوهري القائم على مبدأ أقل لكن أفضل يتمثل في انتقال بعض الأوزان والأحمال الزائدة، من الأطفال والأشخاص البطئية، إلى الأكبر منهم سنًا والأسرع في الخطوات. وبذلك تتمكن من حل المشكلة.

يتسم أيضاً، الأشخاص ذوي الاتجاه الجوهري بقدرتهم على الاستعداد لأي احتمالات غير متوقعة. فليس من الضروري أن تسير إعداداتنا وخططتنا في مسارها الطبيعي والمتوقع لها، بل كثيراً ما تتعثر أمام عقبات مفاجئة. لذلك علينا أن نستعد بشكل ملائم لتلك المفاجئات السيئة حتى نتمكن من إزالة العوائق واستكشاف حقيقة الأمور وعلاجها. فأي عمل تقوم به أو تنفذه، ينبغي أن تمنحه وقتاً ومساحة لكي تراجعه وتعيد تصحيح الأخطاء والأحداث غير المتوقعة.

قم بالاستفادة من الروتين اليومي لكي تعزز من مبدأ الجوهرية؛ أقل لكن أفضل

إن الروتين يمثل أداة هامة وفعالة من أجل التخلص من العوائق والعقبات، وبدونه سوف نتشتت كثيراً مع مهام غير ضرورية. لذلك فإن الشخص الذي يصل لجوهر الحياة، فإنه يضع روتينًا يتمكن من خلاله أن يحافظ على استمرارية الأمور والأعمال التي حدد أنها تمثل ضرورة وأهمية بالفعل. ومن ثم يتم تنفيذها بسهولة ودون تفكير. إضافة إلى ذلك فإن الروتين يساعد على تكوين وخلق العادات، ومن ثم ينتج مع مرور الوقت سهولة إنجاز الأشياء التي كانت صعبة في وقت ما، رغم أهميتها. إن الدرس الأساسي الذي نتعلمه هو أن نتحقق دائمًا من توافر روتين يتلاءم مع رؤيتنا وأهدافنا في إنجاز ما هو أقل لكن أفضل . فقد خلق مدرب السباحة الأوليمبي (ميشيل فيلبس) روتينًا لكي يتبعه طوال فترة التدريب. فينبغي على فيلبس أن يشاهد قبل النوم، فيديو بحركة بطيئة لمسابقة احترافية ممتازة. فما كان من فيلبس إلا أن حاول محاكاة هذه المسابقات المثالية التي يشاهدها، أثناء فترة التدريب. وعندها أصبح فيلبس معتاداً على هذه المسابقات الاحترافية، مما يسر له الفوز وتحقيق النجاح.

فجوهر الحياة ومبدأ أقل لكن أفضل يؤكد على قيمة النجاحات والإنجازات الصغيرة، ومن ثمّ تتراكم ويزيد الكم الصغير على الكم الصغير حتى يصل في النهاية إلى كم وإنجاز كبير وعظيم. فالخطوة الناجحة السابقة تدفع إلى النجاح في الخطوة التالية. فالأمور لا تحدث في يوم وليلة ولا يتم إحراز النجاح الكبير والهائل بشكل مفاجئ، فهذا غير وارد في الحياة العملية. والحقيقة أن هذا الإنجاز الصغير يمنحك شئ من التحفيز والدفع نحو مزيد من التقدم والاستمرارية، وكذلك تساعدك على تعميق ثقتك بنفسك. وبالتالي تستطيع مواصلة مسيرتك وطريقك مع إمكانية تصحيح ومراجعة هذا الطريق الذي تتبعه بشكل دائم. إن هذه الخطوات والنجاحات البسيطة سوف يظهر أثرها الكبير والهائل في المدى البعيد. إن الكم الصغير يصنع الكم الكبير في النهاية، ولصناعة المزيد من الكمات الصغيرة والاستمرار في إنتاجها، فيتعين علينا أن نصنع ونتبع روتينًا معينًا يجعل الأمور سهلة التنفيذ والإنجاز.

خاتمة

إن الرسالة الأساسية التي يريد هذا المقال أن يؤكدها على القراء هي الكشف عن جوهر الحياة والتي يتعين علينا أن نحياها وفقًا لمبدأ أقل لكن أفضل . ويمكن تلخيص هذا النهج الجوهري في أن إنجاز أمور قليلة لكنها ذات أهمية وجودة عالية، خيراً من التركيز على إنجاز كل شئ دون ضرورة أو أهمية. فعلينا أن نتعلم ونتدرب على عدة أمور تتسم بالمنهج الجوهري المثمر في الحياة، مثل: الهروب والعزلة قليلاً من أجل إعادة تأمل ومراجعة حياتنا بشكل شامل وأعمق. الاهتمام بدور اللهو والتسلية والاسترخاء لكي تمنحنا مزيداً من النشاط والحيوية في إنجاز المهام بشكل مبتكر وجديد. التخلص من العقبات والعوائق التي تقف في طريق إنجاز الأعمال المهمة والضرورية من خلال (وضع معايير محددة – الرفض الواضح والحاسم). الفكاك من أي التزامات تقود إلى طريق مسدود وفاشل. وأخيراً خلق روتين يساعدنا في الحفاظ على استمرارية الأشياء الهامة والضرورية بسهولة. وحينها نكون قد أنجزنا ما هو أقل لكن أفضل في حياتنا.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

أربعة − ثلاثة =