أثر التكنولوجيا السيئ

غزت التكنولوجيا عالمنا المعاصر بسرعة كبيرة، فقد أصبح من النادر ملاحظة إنسان أو مجال عمل أو مجال ترفيه بعيد عنها، فالكل طاله جانب من أثر التكنولوجيا السيئ أو الإيجابية، وأصبحت التكنولوجيا بمشتملاتها وأجهزتها جزء من الحياة والنشاط اليومي للبشر، وبخاصة فئتي الأطفال والشباب، حيث أنهما أكثر الفئات العمرية إقبالًا على تعلم دقائقها، واستخدام الأحدث منها.

أثر التكنولوجيا على الأطفال

طُرحت العديد من التساؤلات، واختلفت وتعددت الآراء حول الأثر المباشر للتكنولوجيا على تنشئة الطفل، وحياته المستقبلية فيما بعد، وعلى المستوى الأكاديمي تخصصت دراسات بحثية بعينها في تفصيل وتحليل شرح أثر التكنولوجيا السيئ وكذلك أثرها الإيجابي على الأطفال.

أثر التكنولوجيا الإيجابي على الطفل

أثر التكنولوجيا السيئ أثر التكنولوجيا الإيجابي على الطفل

الاستخدام المنضبط للوسائل التكنولوجية الحديثة سيتبعه لا محالة مجموعة من الإيجابيات التي ستنعكس آثارها على تنمية قدرات الطفل ومهاراته، حيث تتمثل هذه الإيجابيات في الآتي:

الاستفادة من التكنولوجيا في التعليم

حيث أن أجهزة الكمبيوتر والآيباد والهواتف الذكية يمكن استغلالها في تعليم الطفل للمهارات الأولية، ويتمثل هذا في التطبيقات المتماشية مع مرحلته العمرية والعقلية، كتلك التطبيقات المتخصصة في سرد القصص الطفولية الهادفة بالصور أو بالصوت، وكذلك تطبيقات تعليم الأبجديات للغات المختلفة بطريقة ملونة وجذابة.

اكتساب مهارات التواصل الاجتماعي

تسمح التكنولوجيا إذا ما استخدمت بالقدر والوجهة الصحيحة بتنمية المهارات والعلاقات الاجتماعية المطلوبة عند الطفل، فمن خلالها يمكن للطفل التواصل مع الأصدقاء والأقارب، بل وخلق مساحات اجتماعية جديدة بشرط مراقبة الأهل لمثل هذا النشاط تجنبًا للوقوع في أثر التكنولوجيا السيئ في هذا الجانب.

تدريب الطفل على الوصول للأهداف

العديد من تطبيقات الألعاب المسلية تشتمل على مسحة مهارية أخرى غير التسلية وقضاء وقت الفراغ، حيث تهدف هذه التطبيقات إلى تعليم الطفل بشكل غير مباشر تحديد أهداف معينة في نطاق اللعبة، ومن ثَم العمل على تحقيق هذه الأهداف عبر إنجاز مجموعة من المهام.

التكنولوجيا عامل مساعد في تطوير الموهبة

الأجهزة التكنولوجية تساعد الطفل على تنمية موهبته أيًا كان نوعها، من خلال دعم وتعزيز هذه الموهبة بالممارسة الإلكترونية لها، وكذلك من خلال مد الطفل بالمعلومات والحقائق الأساسية المرتبطة بالموهبة وتاريخها وتطورها، ومن خلال إتاحة الفرصة له بالتعرف على أقرانه من أصحاب نفس الموهبة.

أثر التكنولوجيا السيئ على الأطفال

لطالما نبّه أصحاب التخصصات التربوية والنفسية وحتى الطبية إلى أن الاستخدام الغير منضبط والغير مراقب له تبعاته السيئة على صحة الطفل النفسية والعضوية، وكذلك يظهر معه أثر التكنولوجيا السيئ على مستقبل الطفل الإدراكي والمجتمعي، حيث تتمثل أبرز سلبيات التكنولوجيا في الآتي:

الانطواء والعزلة

استخدام الطفل المكثف للأجهزة التكنولوجية تدفعه بالتدريج إلى الوحدة والانعزال عن محيطه العائلي، ثم محيطه المجتمعي من الأصدقاء والأقارب، ليجد الطفل نفسه تدفعه رغبة مُلحة للانطواء داخل عالمه الإلكتروني الخاص، وهو ما يظهر من خلال قضاءه الساعات المطولة أمام الشاشات.

الأمراض العضوية

الإصابة بالأمراض العضوية هي أشد أنواع أثر التكنولوجيا السيئ على الطفل؛ لأن قضاء الساعات الطوال أمام الأجهزة الذكية يُعرض الطفل للأشعة المنبعثة منها وهو ما يتسبب في الإصابة بضعف النظر وحساسية العين، هذا إلى جانب إمكانية الإصابة بالسمنة لقلة النشاط البدني، ومن المعروف حجم وخطورة وتعدد المضاعفات الصحية الأخرى الناجمة عن السمنة.

الانفتاح الغير منضبط

الاستعمال الغير مراقب من الأهل للأجهزة التكنولوجية وشبكة الإنترنت قد يُعرض الطفل لمحتوى ثقافي لا يتناسب مع فئته العمرية، أو قد لا يتناسب مع قيمه المجتمعية والدينية، خصوصًا وأن الأطفال ما زالوا في طور التشكل والنمو المعرفي، لذا هم لا يملكون القدرة على التمييز بين صحيح والخاطئ، وبالتالي سيؤثر هذا الانفتاح غير المنضبط بشكل مباشر في سلوكياتهم.

الطفل فريسة سهلة لمصيدة العنف

مشاهدة الطفل لأفلام الحركة والعنف، أو استخدامه لألعاب الحروب والقتل يجعله فريسة سهلة لانتهاج سلوك العنف ومحاولة تطبيق ما يراه على واقعه العملي.

وقد يبدو الحد من أثر التكنولوجيا السيئ على الأطفال صعبًا أو من المستحيلات، ولكن واقع الأمر يختلف تمامًا، حيث بقليل من الاهتمام في اختيار المحتوى المناسب للطفل، مع المراقبة المستمرة لهذا المحتوى وأثره على سلوك الطفل الواقعي، مع وضع شروط وأوقات للاستخدام، يتحصل الطفل على إيجابيات التكنولوجيا ويُعافى من سلبياتها.

أثر التكنولوجيا السيئ على الشباب

أثر التكنولوجيا السيئ أثر التكنولوجيا السيئ على الشباب

الشباب والمراهقين ليسوا أحسن حالًا من الأطفال، فهم أيضًا معرضون إلى أثر التكنولوجيا السيئ وبقدر أعلى وأشد حدة من الأطفال، من هنا نجد تأكيد العديد من الدراسات البحثية على ضرورة إيجاد حلول بديلة وواقعية للحد من سلبيات التكنولوجيا على الشباب والتي أبرزها:

تقلص القدرات الإبداعية

حيث أثبتت نتائج الدراسات المهتمة بمعدلات نمو القدرات العقلية والإبداعية أن الاستخدام المتساهل والكثيف للتكنولوجيا الحديثة له عظيم الأثر على قتل روح الابتكار والإبداع، فبالرغم من أهمية التكنولوجيا ومساهمة أجهزتها المتطورة في التعليم، إلا أنها قد تدفع بالشاب إلى الكسل العقلي والتواكل المعرفي، فيفقد القدرة على إعمال التفكير التحليلي أو النقدي للأمور، ويكتفي بالتحليلات والمعلومات المُستقاة من الآخرين لسهولة الوصول إليها عبر شبكة الإنترنت.

من أثر التكنولوجيا السيئ تفشي البطالة

ويزيد انتشار هذه الظاهرة اعتمادًا على ركيزتين اثنين، الأولى اعتماد المؤسسات الاقتصادية على الأجهزة والمعدات الحديثة والمتطورة، وهو ما ينتج عنه تقليص حجم المعروض من الوظائف المتاحة، فقد أشارت الدراسات إلى أن المستقبل القريب سيشهد تشغيل المصانع الكبيرة بعشرة موظفين فقط أو بزيادة طفيفة، خصوصًا مع التطور المتسارع الوتيرة في إنتاج وبرمجة الروبوتات.

أما الركيزة الثانية فتتمثل في كون الشخص الغير قادر على ضبط النفس في استخدام الأجهزة التكنولوجية يتجه نحو التكاسل أو رفض العمل بحجج واهية.

تحول التكنولوجيا إلى إدمان

يُشير الأطباء النفسيين إلى أن الإدمان السلوكي أحد أبرز مظاهر أثر التكنولوجيا السيئ على الشباب والمراهقين، كما يؤكدون على أنه لا يقل في خطورته عن الإدمان بمفهومه العادي للمخدرات والكحوليات وغيرهما، بل إن الإدمان التقليدي يُمكن السيطرة عليه عند الشباب بسن القوانين وفرض العقوبات وكذلك العزل والعلاج، لكن إدمان التكنولوجيا لا ينتبه له الأهل، فيُهمل إلى أن يتفاقم ونرى أثره على سلوكيات الشاب من حيث العزلة والانطواء والإصابة بالأمراض النفسية.. إلخ.

التكنولوجيا مدخل لاعتناق الأفكار المتطرفة

عالم التكنولوجيا الافتراضي بعيد عن السيطرة المؤسسية الحكومية، وبعيد أيضًا عن السيطرة المجتمعية والفردية، فقدان السيطرة هذا جعل التكنولوجيا مرتع لكل من أراد الترويج لمعتقداته وأفكاره سواءً الدينية أو السياسية أو الاجتماعية.. إلخ، وكذلك أيًا كان مدى اتساقها وتناسقها مع القيم الثقافية والمجتمعية.

والشباب في مرحلة عمرية تغمرها مشاعر البطولة والتحدي، لذلك يبحث كل واحد منهم على دور ومنفذ للزعامة والسيطرة، ومن هنا انتشرت العديد التطبيقات والمواقع الإلكترونية التي تهدف إلى استقطاب المراهقين وتعزيز غريزة الزعامة فيهم من خلال إقناعهم بمجموعة من الأفكار المتطرفة والهدامة.

ولا يُقصد بالتطرف هنا الحصر في الإرهاب واستخدام السلاح لفرض الرأي بالقوة، لكن الأفكار المتطرفة التي تعد ضمن أثر التكنولوجيا السيئ على الشباب واسعة النطاق، فتشمل انقياد الشاب إلى الداعين لليمين المتطرف والمروجين للتعصب والمذهبية، وكذلك انقياده وراء المتطرفين من أقصى اليسار، وهم الداعين للانحلال الأخلاقي الغير متسق مع القيم العربية.

الشقاقات والشروخ المجتمعية من قلة التواصل

يشكو الأهل دومًا من انقطاع الروابط الأسرية والتفاعلية مع الأبناء بسبب انشغالهم بالعوالم الافتراضية على أجهزة التكنولوجيا، وهي شكوى واقعية حاصلة، وألقت بظلالها على تدمير قيم ومفاهيم الترابط الأسري ومن ثَم العائلي ومن ثَم المجتمعي. ولا يمكن التهاون في هذا البند من أثر التكنولوجيا السيئ على الشباب؛ لأن قطع الروابط خلق نمطًا حياتيًا جديدًا، هذا النمط تهدمت فيه بشكل أو بآخر مشاعر الود والحب والتعاون والإخلاص، حيث تبدَّل العقل الجمعي ليدور كل إنسان حول أوجه استفادته المادية بغض النظر عن أي ألم قد يسببه للغير.

أثر التكنولوجيا الإيجابي على الشباب

أثر التكنولوجيا السيئ أثر التكنولوجيا الإيجابي على الشباب

رغم ما تم سرده تفصيلًا عن أثر التكنولوجيا السيئ على حياة ومعتقدات وآراء وطموحات الشباب، فهذا لا يعدمها -أي التكنولوجيا- الإيجابيات المتحصل عليها من استخدام الشباب والمراهقين لها، وأبرز هذه الإيجابيات ما يلي:

جعل الحياة اليومية أكثر يسر وسهولة

فأصبح الإنسان الآن قادر على إنجاز العديد من المهام والأعمال في وقت قليل وجهد ضئيل مقارنة بالوقت والجهد المطلوبين عند استخدام الطرق التقليدية القديمة، علاوةً على ارتباط الكثير من الأعمال والمعاملات المالية والحكومية والتعليمية بالتكنولوجيا.

إتاحة الفرصة لمتابعة مجريات العالم في نفس اللحظة

بحلول عصر العولمة أصبحت مجريات الأمور وصغائر الأحداث في مكان ما على الكرة الأرضية يلقي بتوابعه ونتائجه على بقية العالم، فوقوع كارثة ما أو تغير سياسي معين في بلد قد يؤثر بشكل مباشر على اقتصاديات دول أخرى، لذلك كان من أهم إيجابيات التكنولوجيا على المجتمعات بصفة عامة ومن بينها فئة الشباب التمكين من متابعة الأحداث والأخبار في خلال لحظات معدودة من وقوعها. وكذلك سمحت التكنولوجيا بإبداء الرأي فيها وبيان أثرها السلبي أو الإيجابي على كل مجتمع وعلى كل فئة عمرية.

توسعة المدارك

ساهمت التكنولوجيا في تقريب الشعوب وتسهيل الاطلاع على الثقافات المختلفة، وبالنسبة لفئة الشباب فهذه الميزة قد تكون عنصر جيد في توسعة المدارك وتنمية الثقافة والتشبع بالأساليب الحضارية في تعزيز قيم الاختلاف والخصوصية، وقد تكون مدخل للتشبع بكل ما هو غير مناسب، فالتنشئة السليمة والتربية الصحيحة هي الفيصل في الحكم على الأمور، لذلك من المستحسن اعتبار التقارب ميزة وأثر إيجابي، وتصنيف الشاب الذي يبحث في الثقافات الأخرى عن كل شاذ وخبيث في خانة الحالات الفردية التي تحتاج إلى تقويم.

تصحيح المعلومات الخاطئة

الشاب الكامن في عقله مجموعة من الأفكار والمعلومات الخاطئة عن موضوع ما أو مجتمع ما يمكنه عبر التكنولوجيا وبضغطة زر واحدة التعمق والإبحار في تفاصيل الموضوع وخصائصه وآراء المهتمين به والرافضين له، وكل هذا من شأنه تصحيح الخطأ وبيان الصورة واضحة جلية.

التكنولوجيا سهلت التعليم عن بُعد

أكم من الأكاديميات ومراكز البحوث المرموقة التي يود الشباب التخرج فيها وحمل شهادتها؟!.. الكثير بالطبع، ولا يملك جميع الشباب القدرة المالية أو الاجتماعية أو حتى التحصيلية على الالتحاق بهذه الجامعات والمعاهد الدولية، فجاءت التكنولوجيا الحديثة بأجهزتها وتطبيقاتها لتقرب المسافات، فأصبح بإمكان كل شاب الالتحاق بهذه الجامعات والدراسة فيها عن بُعد، هذا إلى جانب العديد من الأكاديميات الإلكترونية التي توفر فرص التعلم الذاتي لمهارات سوق العمل مثل: اللغات ولغات البرمجة وبرامج التصميم والمونتاج.

التكنولوجيا وسيلة لكسب المال

العمل عن بُعد هو أحد الخصائص الإيجابية للتكنولوجيا، حيث تنتشر على المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي فرص عديدة للعمل الحر عن بُعد، وهو ما يعد بابًا واسعًا للشباب لكسب المال أو تنميته بمصدر دخل إضافي.

وكما هو الحال قد يعتقد البعض أن العلاج والسيطرة درب من دروب المُحال، ولكن الأمر أيسر من ذلك، فكما أكدنا على ضرورة ضبط معدلات الاستخدام عند الأطفال، فكذلك هو المطلوب مع الشباب والمراهقين.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

7 + اثنا عشر =