توماس جيفرسون الرئيس الذي نادى بالحرية ولم يعتق عبيده
توماس جيفرسون الرئيس الذي نادى بالحرية ولم يعتق عبيده

توماس جيفرسون هو الرئيس الثالث في تاريخ الولايات المتحدة منذ استقلالها، لكنه ليس مجرد رئيساً تقليدياً، بل هو أحد الساسة الأكثر شعبية في التاريخ الأمريكي، ولا عجب في ذلك فقد أفنى توماس جيفرسون عمره في خدمة قضايا وطنه، ابتداءً من نضاله من أجل حصولها على الاستقلال، وانتهاءً بعمله الجاد على نشر الوعي والارتقاء بالمستوى الثقافي للشعب الأمريكي.

توماس جيفرسون .. من هذا ؟

توماس جيفرسون هو أحد الأربعة رؤساء الأكثر شعبية في تاريخ الولايات المتحدة، فما الذي أنجزه ليستحق تلك الشعبية؟ وكيف نشأ وكيف وصل في الأساس إلى سُدّة الحكم؟

الميلاد والعائلة :

في الثالث عشر من أبريل لسنة 1743م وُلِد توماس جيفرسون بولاية فرجينيا الأمريكية، وكُتب عليه الانخراط في الحياة السياسية منذ ساعاته الأولى في الحياة، إذ ولد جيفيرسون لواحدة من كبرى العائلات بتلك الولاية، فقد كانت عائلته ثرية وتربطها علاقات قرابة وصداقة بكبار الساسة، والده هو بيتر جيفرسون المهاجر من ويلز والذي كان يملك عِدة أفدنة زراعية، أما والدته جين راندولف فقد كانت تندرج من عائلة عريقة أيضاً، وقد تولى والده في وقت لاحق منصب زعامة الولاية وهو من أحد أرقى وأهم المناصب في ذلك الوقت، وكان الزوجين –بيتر وجين جيفرسون- لهما ثمانية من الابناء، وكان توماس جيفيرسون هو الثالث بينهم.

التحمل المُبكر للمسئولية :

ما حظي به توماس جيفرسون من ثروة في عمر الرابعة عشر لم يحظ به آخر، ولكن على الرغم من إن الثروة من الأمور التي يتمناها جميع البشر، إلا إنها كانت سبباً في اكتئاب جيفيرسون، فهذه الأموال لم تكن سوى ميراثه عن والده التي توفي في وقت مبكر من عمره، تاركاً له ثروة مالية ضخمة بخلاف 20 كم2 من الأراضي الزراعية وعشرات العبيد، ولكن التركة الأثقل من هذا كله، كانت تتمثل في أخوته الخمس الأصغر منه سناً، فقد صار ملزماً بأن يكون أباً بديلاً لهم، فلم يكن هناك من يكبره سناً سوى أختين هما مارثا ومريم.

التعليم :

ابتدأ توماس جيفرسون رحلته التعليمية في عام 1752م، وذلك حين ألحقه والده بمدرسة محلية تحت إشراف صديقه الاسكتلندي وليام دوجلاس، وقد كان جيفرسون شغوفاً بتعلم اللغات، فأتقن في سن صغيرة التحدث بعدة لغات منها اللاتينية واليونانية والفرنسية، ثم انتقل جيفرسون للعيش برفقة عائلة موري بمقاطعة جوردونسفيل بعد وفاة والده، وبالتالي اضطر إلى الانتقال لمدرسة أخرى قريبة من محل إقامته الجديد، واستمر جيفرسون في التنقل بين المراحل التعليمة المختلفة، وفي عام 1760م تمكن من الالتحاق بكلية وليام آند ماري، والتي درس بها علوم الرياضيات والفلسفة والميتافيزيقا والقانون وكان صاحب المرتبة الأولى على دفعته.

نشاطه السياسي :

بدأ نشاط توماس جيفرسون السياسي منذ أن كان طالباً بالمرحلة الثانوية، وكان من القلة الداعية آنذاك إلى ضرورة حصول أمريكا على استقلالها، وبعد تخرجه من الجامعة وعمله بمهنة المحاماة، انتخب ضمن أعضاء مجلس نواب المواطنين في ولاية فرجينيا، وكان من أبرز وأقوى المعارضين داخل المجلس للقوانين التي تفرضها بريطانيا، وشهرته كأحد المتحدثين باسم الوطنية الأمريكية مكنته من أن يكون مندوباً لدى المؤتمر القاري الثاني، وحين اندلعت الثورة الأمريكية لم يكن فقد مشاركاً بها، بل كان واحد من أهم وأبرز قاداتها، وقد ساهم في وضع مشروع الدستور الأول للولايات المتحدة.

الاعتقاد الديني :

الاعتقاد الديني الظاهر للأمريكي توماس جيفرسون هو المسيحية الأرثوذكسية، ولكن بالنظر إلى الآراء والتوجهات التي تبناها خلال فترة حكمه، سنجد إن معتقده يختلف بنسبة كبيرة عن معتقدات الكنيسة الأرثوذكسية في تلك الحقبة، وقد قال المؤرخون إن جفيرسون كان متعمقاً في الأديان، وقضي فترة كبيرة من حياته في دراسة اللاهوت والكتاب المقدس، وبعض المؤرخين يروا إن توماس جيفرسون كانت له فلسفة دينية خاصة، تجعله أقرب إلى تعاليم الكنيسة الأسقفية منه للأرثوذكسية، وذهب البعض لأبعد من ذلك فأكدوا بإنه كان يعتنق مذهب الربوبية، وهو ليس ديناً بقدر ما هو فلسفة دينية تعترف بوجود الخالق ولكنها تنكر الأديان ولا تعترف بالأنبياء.

مارثا جيفرسون :

في عام 1772م أعلن توماس جيفرسون زواجه من مارثا ويلز سكلتون والتي عرفت فيما بعد باسم مارثا جيفرسون نسبة إليه، وعاش معها حياة هادئة وهانئة ورُزِقا بستة ابناء لم يبلغ منهم سن البلوغ سوى اثنين فقط، وقد توفيت مارثا أثناء ولادتها لطفلهم السادس، وكان جيفرسون متيمناً بها حتى إنه رفض خوض تجربة الزواج بعد رحيلها رفضاً مطلقاً.

الحرية :

توماس جيفرسون كسياسي وبرلماني وأيضاً كرئيس للولايات المتحدة له العديد من الإنجازات، ولكن يبقى أهم إنجاز هو غرسة لنواة الحرية في تربة الحياة السياسية الأمريكية، فقد كان جيفرسون من أوائل الداعين للحرية والمساواة ونبذ العنصرية، حتى إن في زمننا الحالي كل مواطن أمريكي يتمتع بحرية العقيدة والرأي والانتقال، يدين بالفضل إلى توماس جيفرسون

بين الاستعباد والحرية :

كان توماس جيفرسون من أوائل المعارضين لتقنين العبودية داخل الولايات المتحدة، وكان في كل مناسبة يعلن موقفه المعادي لتجارة الرق، ومن خلال المناصب الرسمية العديدة التي تقلدها حاول الحد من تلك التجارة، ولكن عدد -غير قليل- من المؤرخين يرون إن جيفرسون كان مجرد مدعي، وعدد أكبر يرى إنه لديه ازدواجية في الشخصية إذ كانت أفعاله تخالف أقواله وما يعلنه مبادئ، إذ أن هو نفسه كان يملك عدداً كبيراً من العبيد المسخرين لخدمته، ولو كان مقتنعاً بالفعل بما يصرح به لكان الأولى به إطلاق سراحهم.. مؤيدي سياسات جيفرسون ومحبينه لديهم رد على هذا الاتهام، وهو إن توماس جيفرسون كان غارقاً في الديون، وهذا دفعه إلى رهن العديد من الأشياء التي يملكها، وهؤلاء العبيد كانوا من بين أملاكه التي تم رهنها لصالح الدائنين، وبالتالي لم يكن له حق التصرف فيهم سواء بإعادة البيع أو بإطلاق السراح، ويشير بعض المؤرخين أيضاً أن جيفيرسون قد عاني في الكثير من الأوفات بنوبات حادة من الاكتئاب، ويرجحون أن مبعث هذه الكئابة في نفسه كان هؤلاء العبيد.

تكريم جيفرسون :

سخر توماس جيفرسون حياته وكرس كامل طاقاته لخدمة الولايات المتحدة الأمريكية، سواء كمنضال من أجل الاستقلال أو كرئيساً للدولة أو من خلال إسهاماته في المجالات العامة والتنموية، ولهذا فقد عَدّه الشعب الأمريكي أحد أبرز وأهم رموزه التاريخية، وبناء عليه قد تم الاحتفاء به بأكثر من شكل، وتم تخليد ذكراه بالعديد من الوسائل، ومن أهم طرق التكريم والتخليد الآتي ذكره:

  • تم إقامة نصباً تذكارياً خاصاً بالرئيس توماس جيفرسون في العاصمة الأمريكية واشنطن.
  • تم نحت وجه توماس جيفرسون ضمن منحوتة جبل رشمور، بجانب الرؤساء جورج واشنطن وتيودور روزفلت وأبراهام لينكولن.
  • تم وضع صورة جيفرسون على العديد من العملات، فصورته متضمنة للورقة الملاية من فئة دولارين وكذا دقت على عملاتالنيكل، كما زُخرفت سندات التوفير E.E أيضاً بصورته.
  • تمت إقامة أكثر من تمثال ونصب تذكاري لجيفرسون بأكثر من ولاية أمريكية، كما تم إطلاقه اسمه على العديد من الشوارع والميادين بمختلف أنحاء أمريكا.

السنوات الأخيرة والوفاة :

بعد انقضاء مدة ولاية توماس جيفرسون كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية، انخرط في مجالات العمل العام والتطوعي، وأولى اهتماماً كبيراً بالجانب الثقافي والتعليمي، فكان يؤمن بأن العلم هو أقوى أساس يمكن أن تقام عليه دولة عظيمة، وأثمرت جهوده عن إقامة جامعة فيرجينيا، والتي أتاحت أمام الطلبة دراسة تخصصات علمية جديدة لم تكن مناهجها متوفرة بأي كلية أمريكية من قبل، وفي وقت لاحق على ذلك عانى جيفرسون من مرض تجرثم الدم، وعلى إثره توفي في الرابع من يوليو لعام 1826م عن عمر يناهز 83 سنة.

ترك الرد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا

9 + 20 =