جاليليو جاليلي

جاليليو جاليلي هو واحد من أنبغ وأجل العلماء في تاريخ البشرية، يكفي القول بأنه يُلقب بأبو العلم الحديث.. لكن على الرغم من الإنجازات العلمية العملاقة التي قدمها جاليليو جاليلي ، والتي كانت بمثابة النواة الأولى للتطور التقني والتكنولوجي الذي نشهده في زمننا المعاصر، إلا أنه عانى من الاضطهاد في زمنه وتم اتهامه بالهرطقة والخروج عن الدين، فترى لماذا؟!.. ومتى وكيف تم رد اعتبار هذا العالم الشهير؟

جاليليو جاليلي .. من هذا؟

جاليليو جاليلي هو العالم الذي أدانته المحكمة بسبب نبوغه العلمي وإدراكه لما خفي عن علماء عصره.. فكيف كانت مسيرته العلمية؟ وكيف انتهى به المطاف خلف القضبان؟!!

الميلاد والأسرة :

وُلِد جاليليو جاليلي في الخامس عشر من فبراير لعام 1564م وكان ذلك في مدينة بيزا الإيطالية، وقد نشأ جاليلي في كنف أسرة إيطالية تعتنق الديانة المسيحية الكاثوليكية وتنتمي إلى الطبقة المتوسطة، والده هو فينسينزو جاليلي ووالدته تدعى جوليا دي كوزيمو أماناتي، ورغم أن الأسرة لم تكن ميسورة الحال إلا أنها اهتمت بتعليم ابنها وما شجعها على ذلك الذكاء الفطري والتفوق الدراسي الذي أظهره وهو لا يزال يخطو خطواته الأولى في طريق العلم.

الدراسة :

تلقى جاليليو جاليلي تعليمه داخل المدارس الإيطالية في مسقط رأسه مدينة بيزا، وقد برع على مدار سنوات دراسته في العديد من المجالات العلمية، كان أولها علم الرياضيات ثم في وقت لاحق اهتم بعلوم الهندسة والطب، وقد تمكن جاليليو جاليلي من التوصل إلى أولى اكتشافاته العلمية وهو لا يزال طالباً في جامعة بيزا، حيث وضع النظرية التي نفت وجود العلاقة بين حركة البندول والمسافة التي يقطعها خلال تأرجحه بين نقطة وأخرى.

هدم المُسلمات العلمية :

كانت بداية جاليليو جاليلي في ميدان العلم بالغة القوة، حيث تمكن من إثبات بطلان العديد من النظريات العلمية التي كانت تعتبر في ذلك الوقت من المسلمات وأبرزها النظرية العلمية الخاصة بعملية السقوط الحر، حيث أن كل العلماء السابقون قد أقروا بأن في حالة سقوط جسمين من نقطة مرتفعة فأن الجسم الأثقل وزناً سيصل إلى الأرض في فترة زمنية أقل من الجسم الأخف، إلا أن جاليليو جاليلي عارض هذه النظرية اعتماداً على نظريته الأولى المتعلقة بمعدل حركة البندول.

عارض من عاصروا جاليليو جاليلي النظرية التي جاء بها وتمسكوا بصحة نظريتهم، مما دفعه إلى محاولة إثبات صحة النظرية الخاصة به عن طريق التجربة العملية، فصعد إلى قمة برج بيزا المائل وقام بإلقاء جسمين بأوزان مختلفة فوصل كلاهما إلى الأرض في نفس الوقت، ولم تكن هذه النظرية الوحيدة التي قام جاليليو بتصويبها وإثبات خطأها عن طريق التجربة العملية.

عمله بمجال التدريس :

عمل جاليليو جاليلي لفترة طويلة في مجال التدريس الجامعي ورغم أنه ألقى محاضرات في مجالات علمية متعددة إلا أنه كان متخصصاً بصورة رئيسية في تدريس مادة الرياضيات، وقد انتقل في أول حياته إلى مدينة البندقية الإيطالية حيث انضم هناك إلى طاقم التدريس في جامعتها، وقد ذاع صيته في هذا المجال العلمي مما أهله للانتقال في عام 1589م إلى جامعة بيزا الرئيسية بعد أن حاز على إجازة بتدريس مادة الرياضيات لطلابها.

ابتكاراته العلمية :

لم يتوقف جاليليو جاليلي خلال حياته لحظة واحدة تقريباً عن وضع النظريات وتطبيقها وابتكار الآلات والمعدات العلمية، ومن بين أهم اختراعات جاليليو جاليلي المحرار أو الترمومتر الهندسي، كما عمل على تطوير آلة المنظار أو التلسكوب التي سبقه إليها ليبرشي، كما أنه كان أول من حاول صناعة آلة قياس الوقت أو الساعة اعتماداً على نظريته المتعلقة بحركة البندول، هذا بخلاف العديد من الدراسات والأبحاث التي قدمها في مختلف المجالات العلمية، وقد برع جاليليو بصورة رئيسية في علم الحركة وعلم الديناميكا وعلم الفلك.

الإحباط الشخصي :

رغم كثرة الإنجازات العلمية التي قام بها جاليليو جاليلي خلال سنوات عمله في ميادين العلم المختلفة، إلا أنه كان محبطاً بشدة على الجانب الشخصي، حيث أن عمله في مجال البحث العلمي كان مرهقاً بدرجة كبيرة ورغم ذلك لم يكن يحقق له دخلاً مادياً مرتفعاً، مما جعله يعيش في حالة من الفقر أغلب سنوات عمره، حتى أنه -رغم تقديسه لمجال البحث العلمي- رفض أن يلتحق به ابنه وفقاً لما ورد بالعديد من المصادر التاريخية، وحرص على إرساله إلى جامعة بيزا ليتحصص في دراسة الطب ويعمل به، حيث أن الأطباء كانوا يحظون بمكانة اجتماعية مرتفعة بجانب أن العمل في مجال الطب كان يُدر عليهم دخلاً مرتفع.

إنجازه وتأثيره :

ما حققه جاليليو جاليلي يفوق ما يمكن وصفه بالإنجاز، فهو أكثر تأثيراً وشمولاً وعمقاً، فما قدمه جاليليو من نظريات ودراسات وابتكارات علمية كان بمثابة عملية تمهيد للطريق أمام أجيال كاملة من الباحثين والعلماء، حتى أن العالم الشهير ألبرت اينشتاين قد وصفه بلقب أبو العلم الحديث وقال عنه ستيفن هوكنج أن مولد العلم بدأ من عند جاليليو جاليلي

 مركزية الشمس واتهامه بالهرطقة :

لم يكن جاليليو جاليلي أول من وضع نظرية مركزية الشمس التي تقول بأن الشمس هي مركز الكون وأن الأرض مجرد كوكب يدور في فلكها، فقد سبقه إليها العالم نيكولاس كوبرنيكوس وأعاد جاليليو نشرها وتولى الدفاع عنها، بعدما أثبت صحتها من خلال التلسكوب والذي كان يعد أحدث الوسائل التكنولوجية المعروفة في ذلك الزمان.

تصادمت آراء جاليليو جاليلي في ذلك الوقت مع بعض رجال الكنيسة ممن كانوا يعتمدون على نظريات اليونان القديمة القائلة بأن الأرض هي مركزية الكون، وكانت نتيجة ذلك اتهام بعضهم جاليليو جاليلي بالهرطقة والخروج عن المِلة على الرغم من أن جاليليو قد عرف بين الجميع بالتزامه العقائدي.

محاكمة العلم :

يعتبر المؤرخون محاكمة جاليليو جاليلي أحد أظلم الأيام في تاريخ البشرية، حيث أن في تلك الليلة تم الانتصار للجهل على العلم والظلام على النور، حيث فشلت كافة محاولات التوفيق بين جاليليو ومعارضيه وبناء على ذلك فقد تم تقديمه إلى المُحاكمة بتهمة الهرطقة، حيث ادعوا أن النظريات العلمية التي جاء بها والتي تتعلق بعلوم الفلك ومركزية الشمس تعارض ما ورد في نصوص الأنجيل.

يشاع أن المحكمة لم تكن مقتنعة بالاتهامات المقدمة ضد جاليليو جاليلي إلا أنها اضطرت للحكم عليه إرضاءً للثائرين ضده، حيث حُكِم عليه في البداية بالإيداع داخل السجن وفي اليوم التالي تم تخفيف الحكم إلى وضعه تحت الإقامة الجبرية، مع حظر المحكمة تداول كتب جاليليو ومنشوراته كما تم تجريم مناقشة أو طرح الموضوعات التي جاء بها.

الوفاة :

عاني جاليليو جاليلي في آواخر أيامه من تحديد إقامته وزاد من معاناته إصابته بالعمى، وفي الثامن من يناير عام 1642م توفي جاليليو داخل منزله في توسكانا الكبرى وتم دفنه في فلورنسا.

رد اعتبار جاليليو جاليلي :

انتصر القدر لـ جاليليو جاليلي بعد مضي قرن كامل على وفاته، ففي عام 1741م أصدر البابا بنديكت الرابع عشر قراراً بإعادة طباعة ونشر نظريات جاليليو، وفي عام 1992م ألقى البابا يوهانز باول الثاني خطابه التاريخي الذي قدم فيه اعتذاراً من الكنيسة إلى العالم جاليليو جاليلي بعدما تبين صحة نظرياته وارتكاب الكنيسة خطأ فادح بمحاكمته، وفي عام 2008م تراجع الفاتيكان بصورة كاملة وصريحة عن الحكم الذي صدر ضد جاليليو في عام 1632م.

تكريم جاليليو جاليلي :

نال جاليليو جاليلي خلال حياته الكثير من الهجوم واللعن والاتهام بالهرطقة والخروج عن الدين، لكنه رغم تلك الضغوط لم يتراجع وثبت على مبادئه وما يمليه عليه ضميري كعالم، فاستحق أن يتم تخليد ذكره وتكريم اسمه بعد وفاته وقد تم ذلك بصورِ عدة، حيث تم إطلاق اسم جاليليو جاليلي على العديد من المؤسسات العلمية، كذلك هناك العديد من الآلات المستخدمة في أعمال البحث العلمي واستكشاف الفضاء تحمل اسمه مثل مركبة جاليليو الفضائية وهي عبارة عن قمر صناعي يدور في محيط كوكب المشترى، كما تم إطلاق اسمه على أحد أنظمة الأقمار الصناعية، كذلك سُميت النظريات الرياضية والفيزيائية التي جاء بها باسمه مثل تحويلات جاليليو ووحدة جال أو Gal  المشتقة من اسمه والتي تشير إلى السرعة الميكانيكية.

ترك الرد

يرجى إدخال تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا

تسعة عشر − 12 =