تسعة مجهول
بابوا غينيا الجديدة
الرئيسية » غرائب » بابوا غينيا الجديدة : تعرف على الجزيرة التي تأكل لحوم موتاها

بابوا غينيا الجديدة : تعرف على الجزيرة التي تأكل لحوم موتاها

بابوا غينيا الجديدة جزيرة تقع ضمن نطاق قارة أستراليا، لكنها تمتلك واحدة من أغرب العادات على الأرض، وهي عادة أكل لحوم الموتى.

تُعتبر بابوا غينيا الجديدة واحدة من الأماكن التي كُتب عليها بث الرعب في نفوس الناس بمجرد سماع اسمها، فتلك الجزيرة لمن لا يعرف كانت عندما يموت شخص ما منهم يقومون بإقامة طقوس الجنازة عليها ثم يذهبون بعض ذلك إلى البيت ويحملونه معهم ويُقيموا وليمة كبيرة على جسده، أي أنهم بالمعنى الأدق يلتهمونه التهامًا، وطبعًا هذا الأمر أشبه بالمعجزة الصغيرة، لأنه حتى في الحرب، ومن قبيل التعذيب والإهانة، كان الناس يأكلون جثث أعدائهم، لكن أن يتم أكل جثث الأهل والأحباب فهذا أمر جديد لم يسمع به أحد من قبل، لكنه في النهاية قد حدث بالفعل في هذه القرية، بل إنه قد استمر لفترة طويلة حتى ظهر المرض الذي نتج بسبب تلك العادة المجنونة، وكان سببًا بالنهاية في إيقاف ذلك الطقس نهائيًا، عمومًا، دعونا في السطور القادمة نتعرف سويًا على جزيرة بابوا غينيا الجديدة وما كان يحدث بها من عادات، والأهم من كل ذلك الطريقة التي انتهى بها كل هذا الجهل.

بابوا غينيا الجديدة

بالتأكيد عندما تسمع كلمة غينيا فسوف يتبادر إلى ذهنك غينيا الموجودة في قارة أفريقيا والتي تشارك بصورة دائمة في البطولات الأفريقية الكروية، لكن الحقيقة أنه ثمة غينيا أخرى تتواجد في قارة أستراليا، تلك البلد تحتوي على جزيرة يُقال إنها من أكبر جزر العالم، أو إذا أردنا التدقيق فهي ثاني أكبر جزيرة على ظهر الأرض، وغينيا هذه مساحتها صغيرة جدًا، وعدد سكانها صغير كذلك، أصلًا نحن في الأساس نتحدث عن دولة تقع في قارة أستراليا، والتي تُعتبر في الأساس واحدة من أصغر القارات الموجودة بين القارات الست.

عرف العالم بابوا غينيا قبل حوالي ستة قرون، لكنها قد بدأت تنتشر منذ أربعة قرون فقط، وتحديدًا في القرن السادس عشر، وسبب ذلك ببساطة أن الأوروبيين قد وصلوا إليها في هذا الوقت، وطبعًا كلنا نعرف أن الشيء قبل أن تعرفه أوروبا يختلف كثيرًا عن الشيء بعد أن تعرفه، حيث يحظى ذلك الشيء بشهرة واسعة، وكأن أوروبا تحمل الأضواء معها أينما حلت، لكن، من يا تُرى يسكن بابوا غينيا الجديدة؟

سكان بابوا غينيا الجديدة

يقول البعض أن تلك الجزيرة الواقعة في أستراليا كانت مأهولة بالناس منذ وقت طويل يتجاوز الوقت الذي من المفترض أن الاكتشاف قد حدث به، لكن ما ساهم في أن تظل تلك الجزيرة معزولة عن العالم ولا يعرف أحد عنها شيء هو أن السكان هناك كانوا يعيشون حياة السمك، بمعنى أنهم يعتقدون أن كل من سيُفكر في الخروج من الجزيرة ويصطدم بهذا العالم الخارجي الموحش فسوف يلقى الموت عقاب له، كانوا يخافون من العالم، وهذا بالتأكيد يرجع إلى كونهم لا يعرفون عنه الكثير، بل إنه ربما كان بعضهم يظن أنه لا يوجد حياة وأناس آخرون خارج تلك الجزيرة.

سمحت حياة سكان بابوا المنعزلة بأن تحتدم الصراعات الداخلية على أتفه الأسباب، فمثلًا، فيما يتعلق بتوزيع البيوت عن الناس كان الشخص المتغلب بالقوة هو الذي يظفر بنصيب الأسد، وكان النظام هناك نظام قبلي، بمعنى أن كل قبيلة تعتبر نفسها دولة قائمة بذاتها، وهذه يُعطي الحق في الحفاظ على نفسها ضد أي عدوان خارجي، هذا العدوان في الأصل يكون من قبيلة أخرى ربما لا تبتعد عن تلك القبيلة كثيرًا، عمومًا، ظلت الحياة في هذه الجزيرة على نفس الحالة حتى جاء الوقت الذي دخل فيه الأغراب إلى البلاد، وأصبحت الحياة أصعب بعض الشيء على الناس هناك.

النيل من الأغراب

بدأ الأغرب يعرفون بابوا غينيا الجديدة منذ بداية القرن السادس عشر، كانوا يأتون في رحلات استكشافية عادية غرضها الكشف عن لغز تلك الجزيرة ونقل ما يحدث بها إلى العالم الخارجي حتى يعرف بها الجميع، لكن هذا كله لا يعرفه سكان الجزر، فقط ما يعرفونه أن الرجال البيض الذين يأتون في قوارب بحرية ليس لهم أي غرض أو هدف بخلاف أذيتهم، وأنه لا خير من قدومهم، أصلًا أخذ سكان الجزيرة وقتًا طويلًا حتى يدركوا أنه من الممكن أن يكون هناك بشر بيض بهذه الطريقة ويحملون أشياء زرقاء في مكان عيونهم، والأشد استغرابًا بالنسبة لهم تلك الأقلام التي كان يمسكها البيض ويكتبون بها ما يرون، كانوا يتساءلون عن مفهوم الكتابة، ما هو ومتى وجد على الأرض!

قابل سكان الجزيرة الرحلات الاستكشافية بالضرب والتعذيب، وأحيانًا القتل، كانوا يفعلون كل ما بوسعهم من أجل إبعاد ذلك الخطر، من وجهة نظرهم، عن الجزيرة تمامًا، وبالفعل نجح أهل الجزيرة في إيقاف زحف المستكشفين البيض إلى أقصى حد ممكن، لكن ما لم ينجحوا به هو التعتيم التام على وجودهم، حيث بدأ العالم يعرف أنه ثمة جزيرة تُدعى بابوا غينيا الجديدة وثمة العديد من العادات المدهشة بها على رأسها عادة أكل لحوم البشر.

اكتشاف العادة الغريبة

أثناء الرحلات الاستكشافية التي قام بها الأوروبيين إلى بابوا غينيا الجديدة كان أهم ما يشغلهم بعد دراسة الجزيرة أن يتم دراسة الناس نفسهم، بمعنى دراسة ما يحبون وما يكرهون ودراسة عاداتهم وتقاليدهم، كان هذا شغفهم الوحيد، وكانت حالة الجزيرة وجوها العام ينذران بأن الكثير من الأمور المدهشة تحدث، أمور يجب ألا يتم توفيتها وتوثيقها توثيقًا يضمن نقلها إلى العالم الآخر، العالم الحقيقي الذي يعيش فيه أناس عاديون لا يأكلون لحوم موتاهم مثلما يفعل هؤلاء، فقد كان مدهشًا بالنسبة للأوروبيين أن يرصدوا جنازة ثم يكتشفوا أن الميت لم يُدفن أو حتى يُحرق، وإنما يؤكل، أجل كما تسمعون، كان هؤلاء المجانين الغرباء يأكلون موتاهم.

أكل لحوم البشر

تمكن المستكشفون الأوروبيون من كشف الكثير من الحقائق في حياة سكان جزيرة بابوا غينيا الجديدة، فبالرغم من أن السكان كانوا يكرهون هؤلاء المستكشفون ويُحاربونهم ويقتلونهم إلا أنهم في نفس الوقت لم يتمكنوا من إخفاء كل شيء يتعلق بحياتهم، كانوا كالكتاب المفتوح الذي من السهل جدًا قراءته، ثم أنه من السهل جدًا استكشاف الأشياء الظاهرة التي يصعب إخفاءها، وطبعًا على رأس تلك الأشياء ما يتعلق بالعادة الغريبة في تكريم الموتى، والتي في الحقيقة أدهشت الأوروبيون إلى أبعد حد، لدرجة أنهم بعدما رأوا هذا بدئوا يقللون من رحلاتهم إلى تلك الجزيرة.

الأمر ببساطة يبدأ من الموت، حيث يكون الحزن شديد بين أفراد القبيلة وكل الذين لهم علاقة بهذا المتوفي، هذا الحزن يُتبع بدعوة الناس لتقديم واجب العزاء في المتوفي ومواساة أهله، إلى هنا كل شيء يمضي بخير، ثم بعد ذلك يتم الإمساك بالناس وجبرهم على تناول الوليمة التي يتم إعدادها، وإلا هنا يُمكن القول إن كل شيء يسير بخير أيضًا، فحتى الآن ليس هناك ما يدعوا للدهشة، لكن، عندما تأتي الوليمة وتكون مكونة من أجزاء الشخص المتوفي وبعض أعضائه فلا يُمكن أبدًا أن تقول بأن كل شيء يخير، بل ثمة كارثة حقيقية تحدث.

كيف كان يتم الأمر؟

لمزيد من الأمانة في نقل ما كان يحدث من جنون في جزيرة بابوا غينيا الجديدة دعونا نقص لكم كيف كان يحدث الأمر ببساطة، ففي البداية يتجمع الرجال على المائدة يتحدثون عن الشخص الميت وصفاته الحسنة وكيف أن رحيله سوف يترك فراغًا كبيرًا في حياتهم، وفي هذه الأثناء تكون النساء في المطبخ يقمن بإعداد الوليمة من جسد المتوفي، وذلك من خلال تقطيع جسده إلى أجزاء صغيرة كلحم واصطفاء باقي الأعضاء كالقلب والكبد والكلى والمخ، وقد كانت تلك الأعضاء هي أهم شيء في جسد المتوفي وأكثرها استخدامًا عند الأكل.

وقت الوليمة يُقدم لحم المتوفي في صورة طبيعية على الحساء، ثم يُعطى لأقرباء المتوفي من الدرجة الأولى، أطفاله وزوجته، الكبد والمخ، وهما بالنسبة لهؤلاء المجانين القطع المُفضلة التي تتواجد بها كل الفائدة، كما أنه لا يقوم بأكلهما إلا من كان يحبه المتوفي، وبعد ذلك يتم شرب الدماء وكأنه شراب تحلية، أرأيتم كيف يكون الجنون في أفضل صورة له، لكن الأكثر جنونًا هو إيمان هؤلاء الشديد بما يفعلونه.

بداية عادة أكل لحوم البشر

للغرابة لا يعرف سكان جزيرة بابوا غينيا الجديدة متى بدأت تلك العادة، الأغرب أنهم لا يعرفون أصلًا أن ما يفعلونه منافي للطبيعة البشرية، بل زعموا أن استنكار الأوروبيين للأمر يعني أنهم هم الذين يُخالفون الفطرة، وأنه من الغريب جدًا أن يتم دفن الشخص بعد موته وتركه وليمة للتراب أو الدود أو اللصوص الذين يحرصون على سرقة أعضاء الموتى، كما أنهم يرون أيضًا أن أكل لحم الموتى وأعضائهم البشرية يعني أنهم يكنون الحب الشديد لهم، ما هو خلاف ذلك يُمثل المشكلة الكبرى، وبالرغم من محاولات الأوروبيين المستميتة في جعلهم يتراجعون عن ذلك الفعل المقزز إلا أنهم لم يقتنعوا ولو لدرجة صغيرة، وكأنه كان من الواجب أن تحدث معجزة أولًا حتى يرجعوا عن هذا الجنون، وبالفعل حدثت المعجزة التي جاءت في صورة مرض كوريو الشهير.

انتشار مرض كوريو

لم يقتنع سكان جزيرة بابوا غينيا الجديدة بما يقوله الأوروبيون عن عادة أكل لحوم البشر الموتى، وأنها ليست فقط مقززة وإنما هي كذلك ضارة، بل تمسكوا بعادتهم هذا وظنوا أن أوروبا تمهد لاقتحام عالمهم الصغير الذي قضوا كل هذه السنوات الماضية في الحفاظ عليه، كانوا مجانين بحق، وكان ما يفعلونه أشد جنونًا، لكن في فترة من الفترات ظهر مرض جديد وغريب يُدعى مرض كوريو، فكان ذلك المرض سببًا رئيسيًا في القضاء على عادة من أسوأ العادات في تاريخ البشرية.

كان مرض كوريو يُسبب للذين يُصابون به حالة من الارتعاش اللاإرادي، بمعنى أن شخص لا يتمكن من السيطرة على الكثير من الأجزاء في جسمه، وعلى رأس تلك الأجزاء اليدين والقدمين، واللذان كانا يبدأن في الارتعاش فيُسببان الخوف الشديد للشخص الذي يرتعش ولذويه أيضًا، فلم تكن مثل هذه الأمور شائعة لديهم، كما أنهم لم يكونوا على دراية بالطب والأطباء، ولهذا توهموا أن هذا المرض جاء نتيجة أكل لحوم الموتى، وإنه إذا استمر فسيقتلهم جميعًا، وطبعًا إذا تعلق الأمر بحياة الإنسان فإن العادات والتقاليد وكل شيء آخر يُصبح بلا قيمة.

ختامًا، علينا أن نعرف أن ثمة أماكن كثيرة في هذا العالم لا نعرفها ولم نسمع بها، وفي تلك الأماكن تحدث الكثير من الأمور التي لا يُمكن تصديقها، وسبحان الله على هذا الاختلاف بين الناس في العقول والأفكار.

محمود الدموكي

كاتب صحفي فني، وكاتب روائي، له روايتان هما "إسراء" و :مذبحة فبراير".

أضف تعليق

4 × 4 =