ألمر مكوردي : الرجل الذي عاش أكثر من مرة وُدفن بعد عقود من موته

ألمر مكوردي أمريكي من مواليد نهاية القرن التاسع عشر، وقد عمل في البداية كقاطع طرق كي يواجه عقبات الحياة، إلا أنه، ولحظه السيء، قد عاش أكثر من حياة بعد موته.

0 311

يُعتبر الأمريكي ألمر مكوردي أحد أبرز المعجزات التي حدثت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، فذلك الرجل كان لصًا وقاطع طرق، لكن هذا بالطبع لا يضمن له الشهرة الكبيرة التي حصل عليه لأنه من الطبيعي جدًا وجود الكثيرون ممن يعملون في هذا المجال، لكن ما أعطى ألمر ذلك القدر من الشهرة أنه بعد موته قد تعرض لبعض المواقف والطرائف التي جعلت الكثيرون يقولون أنه قد عاش أكثر من حياة مُختلفة، والأغرب من ذلك أنه عندما كان لصًا لم يكن جيد الحظ بما يكفي لجمع الكثير من الأموال، إلا أنه عندما مات حظي بالكثير من الأموال وبطرق أسهل بكثير من تلك التي كان يقوم بها قبل موته، طبعًا أنتم تتعجبون من هذه الأمور السابقة وتعتقدون أننا نهذي؟ في الحقيقة لا، هذه قصة واقعية سجلها تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، ولمزيدٍ من التوضيح سوف نذكر خلال السطور القليلة المُقبلة تفاصيل القصة الكاملة لذلك الشخص الغريب، فهل أنتم مستعدون لمغامرة جديدة مع بطل جديد وأحداث مجنونة غير مُتوقعة؟

من هو ألمر مكوردي؟

أولى مفردات أي قصة أن نتعرف أولًا على أبطالها، ولقصتنا بطل وحيد عاش أكثر من حياة، مما أدى إلى الجزم بكونه أكثر من بطل، لكن في النهاية الجميع يحمل اسم واحد، وهو اسم ألمر مكوردي، ذلك الشخص الذي وُلد في عام 1880 بولاية أوكلاهما الموجودة في الولايات المتحدة الأمريكية، وهذه البلاد في هذا الوقت لم تكن بالصورة التي عليها الآن، بل كانت تستعد لتُصبح كذلك، ولهذا كان من الطبيعي أن تنتشر أمور كثيرة منها الفقر والجهل، ومن هنا وُلدت ومضات المعاناة الأولى في حياة بطلنا الغريب ألمر.

والد ألمر لم يكن أكثر من مزارع فقير بالكاد يُطعم نفسه وطفله الوحيد، لكنه لم يكن قادرًا على توفير النفقات اللازمة لعلاج والدة ألمر التي ماتت بعد تسع سنوات من ولادته، ويُمكننا القول ببساطة أن أي طفل تموت والدته ويكون والده مُزارع فقير مُدمن للكحول لا يُتوقع منه أبدًا أن يُصبح طبيبًا أو مُهندسًا أو أي شيء مُحترمًا عمومًا، بل إن المصير المحتوم يكون مثل الذي لاقاه ألمر مكوردي بالضبط.

ألمر مكوردي والفشل

فتحت الحياة يدها لبطلنا ألمر، لكنها لم تفعل ذلك من أجل احتضانه وإنما من أجل أن تُمسك به وتُلقيها في غياهب الفشل، فقد فشل ذلك الرجل تقريبًا في كل شيء فعله منذ أن جاوز سن الطفولة والشباب وأصبح رجلًا يُعول عليه، فبالنسبة لكونه طالب كانت هذه أكثر المرات فشلًا في حياته، فلم يستطع حتى إكمال المرحلة الأولى من التعليم، وفي العمل كان لا يستمر في وظيفة واحدة لأكثر من شهر، كان دائم الفشل والرفد من العمل، لدرجة أن صيته قد ذاع كأحد أفشل من في الولاية، وأخيرًا عندما قرر الزواج وإنهاء حياته العزباء فشل كذلك وهربت زوجته بعد فترة قصيرة، وهنا بات من الواضح جدًا أن ذلك الرجل يجب عليه أن يُغير تمامًا من طريقه وأن يُجرب فعل أشياء أخرى، حتى ولو كانت تلك الأشياء مُجرمة من القانون، فأين أصلًا أفاده القانون طوال رحلته الماضية.

ألمر مكوردي رجل عصابات

المهنة الوحيدة التي لم تكن تحتاج من ألمر شهادة أو خبرة سابقة أو حتى رأس مال هي مهنة السرقة وقطع الطرق، وطبعًا لم يجد ألمر الخيار في قبول هذه المهنة من عدمه، كل ما كان يعنيه هو الخروج من تلك الكبوة وجمع الأموال، ذلك الشيء الذي يضمن لك أن تعيش حياة كريمة لا فقر فيها ولا جوع، لكن الفشل لم يكن ليترك صاحبنا بهذه السهولة، فحتى وهو يسرق كان سوء الحظ يُلازمه على طول الخط، وكانت أغلب محاولاته في السرقة فاشلة، الأكثر سوءًا أنه عندما ترك العمل الفردي وقرر أن يقوم بسرقة جماعية يضمن بها مساعدة الآخرين أوقعه القدر كذلك في حِفنة من الفشلة تعيسي الحظ مثله، ومن هنا نشأت بعض المفارقات الكوميدية خلال السرقة.

طرائف عمليات السرقة

عمليات السرقة التي قام بها تعيس الحظ ألمر مكوردي كانت عمليات كوميدية بكل ما تعنيه الكلمة من عانٍ، فمثلًا، في عام 1910، وفي أحد السرقات، قام ألمر باقتحام قطر والاستيلاء على خزينته، وطبعًا من المفترض أن تكون هذه الخزنة مليئة بالكثير من الأموال، وبالفعل كان بها أكثر من ألفي دولار، وهو مبلغ هائل في هذا الوقت، لكن المشكلة الحقيقية التي لم يُعرها اللصوص الأغبياء أي اهتمام أن الأموال كانت عملات فضية معدنية، وهذا يعني أنهم مطالبون بمقطورة كبيرة لحمل الأموال المسروقة عليها، ولهذا فشلت العملية ولم يستطيعوا حمل أكثر من مئة دولار معهم.

في عملية السرقة الثانية وبعد أن استولوا على قطار كذلك كانوا متجهزين بشيء ليحملوا به الأموال، لكنهم لم يجدوا أكثر من سبعين دولار، فقد كان القطار خاويًا من الأموال، وهنا أيقن ألمر ورفقته أن المشكلة في سوء الحظ وغبائهم في ذات الوقت، لكن ما لم يكونوا يتوقعوه أبدًا أن تدخل الصحافة والمحطات الإعلامية في هذه المسألة وتوليهم كل هذا الاهتمام.

من يُسقط المنحوس؟

أصبح ألمر مكوردي ورفقته حديث وسائل الإعلام، وذلك ليس لكونهم لصوص، فاللصوص كُثر في كل مكان وزمان، بل لأن أخبار فشلهم كانت منتشرة في كل مكان، باتت أخبارهم أشبه بالنوادر التي يسمعها الناس ثم يضحكون عليها، بمعنى أدق، كانوا لصوص صالحين كمادة جيدة جدًا للسخرية، لكن، وبالرغم من الجو الكوميدي المُحيط بتلك العمليات، إلا أن الحكومة الأمريكية أرادت أن تُنهي ذلك الصراع وخصصت ألفي دولار كمكافئة لمن يتمكن من العثور على ألمر، زعيم العصابة المنحوس، وهنا تحول ألمر من حديث الناس المُضحك إلا هدفهم من أجل الجائزة الكبيرة، كان السؤال الذي يدور في الولاية واحدًا لا ثاني له، من يُسقط المنحوس أولًا؟

سقوط ألمر مكوردي

انقلبت الولاية كلها خلف ألمر، الجميع كان يبحث عن ذلك الشخص ويُريد إسقاطه بأي طريقة ممكنة، طبعًا لم يكن ذلك من أجل تخليص الولاية من الشر، وإنما فقط من أجل الحصول على الأموال التي رصدتها الحكومة لمن يُلقي القبض عليها هو وجماعته، وبالفعل في خلال أيام قليلة بدأ ألمر وأصدقائه في السقوط، حتى جاء اليوم الذي خرج فيه رجلان مُسلحان وحاصر ألمر في مكانٍ ما وطلبا من الخروج من أجل تسليم نفسه مُقابل تركه على قيد الحياة.

كان الشخصان اللذان حاصرا ألمر يعرفان أن قيمة ألمر الحقيقية تكمن في كونه على قيد الحياة، ولذلك فإنهما قد التزما بأقصى درجات ضبط النفس الممكنة، هذا قبل أن يجن جنون ألمر ويُقرر هو مُهاجمة الشخصين وإطلاق النار عليهما بقصد إخافتهما وتركه، والواقع أن فشل ألمر قد استمر في صورة طلقات طائشة لا قيمة لها، هي فقط استفزت الشخصين الآخرين وجعلتهما يُبادلانه إطلاق النار، وما هي إلى طلقات قليلة حتى سقط سيء الحظ ألمر قتيلًا، ومن هنا كان يُمكننا القول أن فصل ألمر مكوردي قد أُغلق للأبد، لكنه في الحقيقة كان يبدأ للتو.

الجثة لا تعرف صاحبها

وجد الشخصين، اللذين طاردا ألمر، أنفسهما في ورطة كبيرة، فقد رُصدت المكافأة لمن يقوم بالدلالة على مكان ألمر وليس قتله، لكنهما قد قررا القيام بمحاولة أخيرة والذهاب بجثته إلى الشرطة طامعين في المكافأة، وبالفعل أعطتهما الشرطة المكافأة المُعلن عنها، فقد وجدت أنهما قد فعلا الصواب بقتله دفاعًا عن النفس، فلو كانت الشرطة نفسها في مكانهما لفعلت نفس الأمر، لكن يا تُرى إلى أين ستذهب جثة الرجل سيء الحظ هذا؟

وضعت الجثة في أحد دور الجنائز بانتظار من يأتي ليأخذها ويدفع التكاليف من أجل مباشرة عملية الدفن، لكن الغريب أنه لم يأتي أحد أبدًا، وكأن ألمر كان فرع وحيد في شجرة جدباء لا صلة لها بأي شجر آخر، في النهاية، وبعد تسجيل الغياب من كل عائلة ألمر التي لا يعرفها أحد، أقدم صاحب دار الجنائز على استغلال الجثة أفضل استغلال ممكن وإحياء ذكرها وكأنها قد مُنحت حياة ثانية.

استغلال جثة ألمر مكوردي

عادةً ما يثق الناس بالأشخاص الملتزمين دينيًا، أما إذا كان هؤلاء الأشخاص في الأساس يتولون إدارة بعض المؤسسات الدينية فإن الثقة ستكون عمياء بلا أدنى شك، ولهذا عندما قام صاحب دار الجنائز باستغلال الجثة الرجل الميت لم يعرف أحد، وطريقة الاستغلال ببساطة تكمن في تحنيطه الجثة وكتابة بعض العبارات الدينية عليها مع إقناع الناس أن صاحب تلك الجثة هو رجل صالح يحبه الله لأنه لم يستسلم طوال حياته، وقد جاءت تلك الخدعة بالكثير من الأموال لصاحب دار الجنائز، حيث قيل أنه قد أصبح غنيًا من الأموال التي جناه من الناس الذين كانوا يدفعون الأموال فقط من أجل ألمر.

لم يتوقف الاستغلال عند ذلك الحد، ففي عام 1917 أدرك رجل ذكي أنه من الظلم أن يستفد البعض من الجثة بينما هو لا يجد المال ليشتري طعامًا له ولأولاده، ولذلك ذاهب إلى صاحب دار الجنائز وأخبره أنه شقيق ألمر وأنه قد علم مؤخرًا بموته ويُريد استعادة الجثة من أجل الدفن، وطبعًا الرجل كان يكذب، فقد كان مُجرد مالك لسيرك صغير لا يأتيه أحد، لذلك فضل استغلال جثة ألمر في جذب الناس إليه، وهذا ما نجح به بالطبع، حيث أنه مع إعلان وجود الجثة في السيرك بدأ الناس يتوافدون على السيرك لمشاهدة الجثة المعجزة، ثم مرت الأيام وأخذت الجثة تتنقل بين المتاحف وألعاب الرعب والخوف، حتى تصوير الأفلام كان يُستعان خلاله بجثة ألمر، لكن بالطبع كان لابد من وجود نهاية لكل هذا الألم.

نهاية الرجل الذي مات أكثر من مرة

النهاية جاءت منطقية، فمع تناقل الناس للجثة بدأ الكلام يُثار حولها وأنه قد أصبحت مصدرًا للذعر لدى البعض، كما قيل إنه أثناء استخدامها في تصوير أحد الأفلام أُصيب بطل الفيلم الذعر بالخوف منها وكاد يموت بأزمة، لذلك تم إيداع الجثة في حضانة الحكومة مرة أخرى، والتي بدورها قامت بدفنها في أحد المقابر الرئيسية بعد رحلة ربما تجاوزت الخمسة عقود، لكن الغريب حقًا في تلك القصة أن ألمر مكوردي أثناء موته قد حقق مكاسب مادية أكثر بكثير من تلك التي حققها طوال حياته، ولا عجب في ذلك ما دُمنا نؤمن بالغرائب والمُفارقات، وقبل كل ذلك، القدر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

3 − اثنان =

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد