قنديل البحر : عدو المصطافين الأول ومفسد بهجة الشواطئ

كائنٌ بسيطٌ شفاف ينتقل بهدوءٍ في الماء وشكله جذاب يبدو مسالمًا من الوهلة الأولى لكن إن قررت الاقتراب سيترك لك أثرًا قد يبقى معك العمر كله إنه قنديل البحر !

0 196

عندما أتحدث عن قنديل البحر أول ما يبدر لبالي هو القنديل الصغير الذي كان في فيلم ديزني نيمو والذي أطلقت عليه دوري اسم “ملبن” ثم حاولت ملاطفته واللعب معه فلسعها لأن تلك كانت تقريبًا أول مرة أتعرف فيها على هذا الكائن البحري الغامض والجذاب بالنسبة لي، بعد ذلك تمكنت من التعرف عليه عن قربٍ أكثر وربما ترك لي بعض التذكارات هنا أو هناك بجانب الذكريات.

إن كنت في أي بلدٍ تقع على شاطئ البحر المتوسط فأظن أنك تدري الآن واحدًا من أسباب اهتمامنا بالحديث عن قنديل البحر بعد أن روع الكثيرين وأفسد عليهم إجازتهم الصيفية ومنعهم من التمتع بالمياه والشواطئ كما ينبغي، لكن قبل أن نكره القناديل ونحكم عليها لربما من الأفضل أن نبدأ بالتعرف عليها قليلًا لعلنا نفهم السبب الذي دفع بها إلى شواطئنا وجعلها تتدخل في حياتنا بهذا الشكل.

معلومات عن قنديل البحر

تعتبر قناديل البحر واحدةً من أقدم الكائنات الحية التي عاشت على ظهر هذا الكوكب من قبل الإنسان وحتى هناك بعض الدراسات التي تقول أنها كانت موجودةً من قبل الديناصورات نفسها حيث سكنت المياه الحارة والدافئة والباردة والعميقة والضحلة والبحار والمحيطات وعند القاع وقرب سطح المياه.

يشبه شكله المظلة مختلفة الأحجام ويخرج من أسفل تلك المظلات زوائد رقيقة رخوية تبدو كالخيوط الرقيقة وهذه الزوائد هي المسئولة عن اللسعات والتي يفرز القنديل سمه عن طريقها، يستخدم قنديل البحر زوائده في الصيد حيث تفرز السم وتبدأ بالتعلق بالفريسة الصغيرة التي يصطادها كالأسماك الصغيرة أو القريدس أو النباتات البحرية أو أي شيءٍ يمكنه أكله ويقتلها عبر السم ثم يبتلعها داخل فتحةٍ في بطنه مسئولة عن ابتلاع الطعام وتفريغ الفضلات.

يحتاج القنديل إلى هضم الطعام بسرعة واستهلاك كمياتٍ قليلة منه لأنه يعجز عن الحركة في وجود ثقل الفريسة داخل جسمه وبالتالي يجعله ذلك فريسةً سهلةً ومعرضًا للخطر.

يغلب عليها اللون الشفاف وهو ما يجعل رؤيتها صعبةً في المياه لأنك أحيانًا تعجز عن تفرقتها عن المياه المحيطة بها لكن بعض الأنواع منها لها ألوانٌ مختلفة كالأبيض والوردي وبعضها الآخر له ألوانٌ مضيئةٌ وكهربائية كالأزرق والبرتقالي وبعضها مرقط وبعضها كبير وبعضها صغير وبرغم ذلك تكاد لا تشعر بوجود ذلك الجمال الهادئ.

فوائد قنديل البحر

بالرغم من أن حديثنا عنها بهذه الطريقة يجعل قنديل البحر من الكائنات الشريرة في هذا العالم إلا أن التوازن الكوني يخبرنا بأن لكل كائنٍ حيٍ فائدةٌ في هذا العالم حتى القناديل الصغيرة التي تبدو لك بلا أهمية ولا دورٍ في الحياة.

في بعض بلاد العالم خاصةً دول شرق آسيا تعتبر واحدًا من أشهى الأطباق البحرية على الإطلاق حيث يتم التخلص من الزوائد السامة ويستخدم الجزء الشبيه بالمظلة في الطبخ ويقال أنه يحتوي على كميةٍ عاليةٍ من المغذيات والكالسيوم ويساعد على تحسين الذاكرة مع الوقت.

صدق أو لا تصدق لكن يعتبر البعض حركتها الهادئة في السباحة وألوانها الخلابة أمرًا باعثًا على الاسترخاء ومهدئًا للأعصاب عند السباحة معهم في نفس المياه ولهذا قد تجد بعض البحيرات حول العالم التي يزورها الناس خصيصًا للسباحة مع قناديلها الذهبية غير اللاسعة والاسترخاء والاستجمام معها.

والأهم من ذلك أنها تستخدم في العلوم الحيوية بسبب قدرةٍ مضيئة لبعض البروتينات بداخلها والتي تعمل كصبغياتٍ كاشفة يستطيع من خلالها الأطباء والعلماء تطوير العديد من الأدوية بل وساهمت في إيجاد العلاج للعديد من الأمراض.

لماذا سمي قنديل البحر بهذا الاسم

في اللغة الإنجليزية يعرف قنديل البحر باسم سمكة الجيلي لكن في الحقيقة فإنه لا يمت للأسماك بأي صلةٍ على الإطلاق وإنما هو واحدٌ من الكائنات الرخوية التي لا تملك أية عظامٍ أو أشواكٍ أو أي بنيانٍ صلبٍ بداخلها يكون أساسًا لها لذلك فهو يشبه الجيلي في رخويته ويستطيع قنديل البحر تقليص جسده لأصغر الأحجام الممكنة وضغطه داخل أماكن ضيقةٍ جدًا دون أن يصاب بأي أذى.

علاج لسعة قنديل البحر

يعتبر السم الذي يفرزه قنديل البحر وينشره بزوائده هو الخط الدفاعي والهجومي الأول له وسلاحه الوحيد تقريبًا ودائمًا ما يكون السم على الزوائد أما الجزء العلوي الذي يشبه المظلة فهو آمنٌ وغير سام بل إن بإمكانك لمس مظلة أخطر قنديلٍ على الإطلاق دون أن تصاب بأي لسعة.

الإنسان ليس من أعداء قنديل البحر ما يعني أن القناديل لا تترصده ولا تسعى لالتهامه أو مهاجمته لكن عندما يحدث بالخطأ أن يتواجد الإنسان بالقرب من القنديل أو يصطدم به في الماء فيدافع القنديل عن نفسه باللسعات، وأحيانًا لا تكون اللسعات مباشرة وإنما يدافع القنديل عن طريق إفراز السم في المياه المحيطة به وهو ما يجعلك تشعر باللسعة قبل أن تلمسه من الأساس.

المادة السامة اللاسعة التي يفرزها القنديل هي مادةٌ قلوية تسبب التهاب الجلد وتهيجه لذلك ينصح دائمًا عند الإصابة بأيٍ من لسعاته أن تسارع بغسل مكان اللسعة أولًا بالماء العادي وتنظيفها لإزالة أي بقايا السم ثم تضيف شيئًا حامضًا كالماء أو الخل على البشرة لمعادلة الباقي من السم ومنعه من زيادة الأذى.

بعد ذلك يجب علاج المكان بالأدوية المناسبة كمضادات الالتهاب والحساسية وغيرها حتى تتعافى لكن في بعض الأحيان تكون اللسعة شديدة لدرجة أنها قد تترك ندبةً لفترةٍ طويلةٍ من الزمن.

أنواع قناديل البحر

هنالك الآلاف من أنواع قنديل البحر ما يقارب 10,000 نوع والتي تختلف عن بعضها البعض في المكان الذي تعيش فيه وفي أحجامها وألوانها وسلوكها لكن جميعها تتفق على كونها الكائنات البسيطة التي لا تملك عقلًا ولا عظامًا ولا أجهزةً حيويةً معقدة وإنما تعيش في سلام تأكل وتتكاثر دون أن تهتم بأي شيء.

يختلف حجم قنديل البحر حسب نوعه وأغلب الأنواع يتراوح طولها ما بين 1 سم و 40 سم لكن هناك فصائل وأنواع يصل طول جسم القنديل الواحد فيها إلى مترين وتمتد أطرافه وزائده حتى 15 متر من حوله وهو حجمٌ هائلٌ ومخيف بالنسبة لكائنٍ يفرز السم بتلك الطريقة.

عمر قنديل البحر

يبلغ عمر قنديل البحر كنوعٍ من أنواع الأحياء ما يزيد عن 500 مليون سنة وهو عمرٌ طويلٌ جدًا مقارنةً ببقية الأحياء على هذا الكوكب ما يجعله من أقدم من سكنوه قبل الإنسان بل وقبل الديناصورات أيضًا، وهو ما يدفعنا للتعجب أن كائناتٍ ضخمةً ومفترسة وقوية كالديناصورات لم تستطع الاستمرار وانقرضت بينما ظلت القناديل بالآلاف أنواعها المختلفة موجودةً حولنا حتى اليوم وربما ستظل موجودةً للأبد!

بعض الفصائل قد تكون جديدة نتجت عن طفراتٍ جينية أو تفرعت من فصائل أخرى أو نتجت عن تزاوج فصائل مختلفة ببعضها بينما أنواعٌ أخرى من قناديل البحر موجودةٌ منذ 500 مليون سنة دون أي تغيرٍ أو تأثرٍ بملايين السنين التي مرت عليها.

قنديل البحر الخالد

بالرغم من أن كل الكائنات الحية على الإطلاق مصيرها الموت والفناء إلا أن العلماء وجدوا نوعًا من أنواع قنديل البحر التي ترفض الموت وتتحداه بل بلغ بها الأمر أن أقر العلماء باعتقادهم أن هذا النوع من القناديل خالدٌ ولا يمكن أن يموت! فهل هذا حقيقي؟

مبدئيًا عند ذكر كلمة قنديل البحر الخالد من الطبيعي أن تتبادر لأذهاننا صورة كائنٍ كبيرٍ وعجوزٍ يبدو القدم على جسده الذي يأبى الفناء لكن دعني أفاجئك بأن هذا القنديل يعتبر من أصغر الأحياء حيث يبلغ طوله ما بين 4 و 5 ملم وحسب!

تكمن قدرة هذا القنديل على الخلود في أنه عندما يشعر بالتهديد أو بالمرض أو الإصابة أو حتى بعد أن يتم دورة حياته الطبيعية في التكاثر يبدأ في الانكماش وتتساقط أطرافه ويصبح كتلةً سائلةً تسبح مع التيار وخلال ذلك تبدأ خلاياه بالتجدد والاختلاف ثم تتجمع معًا ويتكون جسده من جديد وتستمر هذه الدورة طوال فترة حياته بلا انتهاء ما يجعله مستمرًا للأبد غير قادرٍ على الموت إلا في حالة أن يأكله كائنٌ آخر أو تصاب البيئة البحرية بمرضٍ ما يقتل كل القناديل.

قنديل البحر السام

أغلب أنواع قناديل البحر تقريبًا سامة أو بمعنى أدق تفرز تلك المادة السامة من زوائدها والتي تساعدها على النجاة ضد أعدائها والتهام فرائسها لكن ليست كل تلك الأنواع قادرةً على التأثير على البشر لدرجة أن نطلق عليها لقب القناديل السامة والخطيرة، إلا أن هنالك أنواعًا أخرى منها شديدة السمية لدرجة أن بعضها قد يستطيع قتل إنسان!

قنديل البحر الصندوقي هو أخطر وأشرس قنديلٍ سامٍ على الإطلاق من بين فصائل القناديل المختلفة وتمت تسميته بهذا الاسم لأن شكل مظلته يشبه شكل الصندوق وغالبًا ما يكون شفاف اللون ومرقطًا، يملك 15 زائدة في كل واحدةٍ منها ملايين الإبر الصغيرة وكل إبرةٍ مليئةٌ بالسم القاتل قادرةٌ على قتل عدة أشخاصٍ في لحظاتٍ معدودة وتمتد أذرعه تلك إلى ما يقارب العشرة أقدام من حول جسمه وهو ما يجعله واحدًا من أخطر الكائنات على هذا الكوكب بشكلٍ عام.

قنديل البحر الأسترالي

انتهينا من أشرس وأخطر القناديل السامة ذلك الضخم المرعب؟ الآن مع رعبٍ آخر لن تستطيع حتى رؤيته قبل أن يقتلك لأن قنديل البحر الأسترالي يبلغ طول 0.2 ملم ما يعني أنه من المستحيل أن تراه في المياه وهو يقترب منك لكن المفاجأة أن ذلك الكائن الدقيق يملك سمًا يعادل سم أفعى الكوبرى 100 مرة ويفرز السم من زوائده ومظلته معًا وقادرٌ على قتل الإنسان في عدة لحظات إلا أن هنالك العديد من المحظوظين الذين نجوا من لسعته وعاشوا ليعانوا من آلامٍ رهيبة لعدة أسابيع بعدها.

ينتشر هذا القنديل كثيرًا في المياه الأسترالية الجنوبية ومن هنا جاءت تسميته بالقنديل الأسترالي وطبقًا لتصنيف القناديل حسب سميتها يحتل هو المركز الثاني بعد القنديل الصندوقي بل هو متفرعٌ من تلك الفصيلة في الأساس.

قنديل البحر العملاق

أكبر فصيلة موجودة على الإطلاق من قناديل البحر هي فصيلة تعرف باسم “لبدة الأسد” وترجع تسميتها إلى أن شكلها يشبه الشعر الكثيف المحيط بوجه الأسد والذي يعرف باسم اللبدة ولونها مقاربٌ للون شعر الأسد، ينتشر هذا النوع من القناديل في الكثير من أرجاء العالم ويبلغ طوله 2.5 متر بينما تصل زوائده إلى طول 37 متر وعددها يزيد عن المائة زائدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

19 + 13 =