علي بن أبي طالب : دروس وعبر يجب أن يتعلمها الأطفال من سيرته

يُعتبر علي بن أبي طالب أحد أبرز النماذج الموجودة في التاريخ الإسلامي بسبب مواقفه وحياته الحافلة وعلاقته بالنبي عليه الصلاة والسلام، لذلك فإنه إذا ذُكر رجالات الإسلام ذكر علي بن أبي طالب ، فهو يستحق حقًا تخليد سيرته وتدارسها بين الصغار والكبار.

0 136

لا شك بالطبع في كون ذكر الصحابي الجليل علي بن أبي طالب كفيل بإدراك تلك المكانة الكبيرة التي ينعم بها في حياة أي شخص يدين بالإسلام، فالرجل كان، ولا يزال، أحد الأعمدة الرئيسية التي قامت عليها الدعوة وكان سببًا مباشرًا في وصولها إلينا بالوقت الحالي، وهذا طبعًا لا يشمل علي بن أبي طالب وحده بل الصحابة جميعًا، فقط نحن نؤكد على أهميته الكبيرة التي لا غنى عنها، خصوصًا وأنه فيما بعد قد أصبح أحد الخلفاء الأربعة الذين حصلوا على البيعة من صحابة النبي، كما أنه أنجب شابين من شباب الجنة وهما الحسن والحسين، هذا بخلاف أشياء أخرى كثيرة تستحق الإضافة إلى قائمة الأشياء التي أنجزها علي بن أبي طالب وجعلته يستحق أن يحظى بسيرة عطرة طيبة يجدر بنا تناقلها باستمرار وخصوصًا بين الأطفال، على العموم، السطور القادمة من المفترض أنها ستُعطي هذا الرجل جزء بسيط من حقه فدعونا ندلف إليها سريعًا.

من هو علي بن أبي طالب؟

على الرغم من أن السؤال قد يبدو غريبًا على مسمع أي شخص يعرف الإسلام ويعرف أن أمور مثل هذه قد تبدو بديهية به إلا أن علي بن أبي طالب بلا شك يستحق معرفة اسمه كاملًا وتفاصيل أدق عن حياته، فهو على بن أبي طالب بن هاشم القرشي، ولد قبل الهجرة بحوالي ثلاثة وعشرين عام، أي ما يوافق سنة 599 ميلاديًا، وهو قريب من النبي قرابة شديدة، حيث أنه ابن عمه، ومن المعروف أن النبي وعلي قد نشأ نشأة واحدة، لذلك كان قريبًا كل القرب من النبي، وقد قيل في بعض الروايات أن علي بن أبي طالب من القلائل الذين ولدوا في جوف الكعبة، وقد كانت والدته فاطمة القرشية، ومنذ اليوم الأول له ظهر علي كطفل قوي ثم فتى قوي ثم رجل قوي، كان قويًا في أغلب مراحله العمرية وكان متعلمًا ومجيدًا للقراءة والكتابة وفي نفس الوقت يُجيد الأعمال المنزلية والعمل بشكل عام، وقد كان علي فوق كل ذلك قريبًا من النبي.

تقرب علي بن أبي طالب جدًا من النبي للدرجة التي جعلت البعض يظن أنه ابن النبي وليس فقط ابن عمه، كما أن فارق السن لم يكن صغيرًا، حيث كان صبيًا صغيرًا عندما كان النبي يتلقى الدعوة والرسالة وهو في الأربعين من عمره، وعلى الرغم من ذلك كان عضدًا ودرعًا من دروع النبي، وهذا ما يتضح من صلة القرابة التي توطدت من خلال زواج علي من ابنة النبي فاطمة، على العموم، بالنسبة لإسلام علي بن أبي طالب فهي قصة آخر عن الوفاء يستحق أطفالنا معرفتها والاستفادة منها أقصى استفادة ممكنة، فهي قصة فتى يدخل الإسلام بعد إتمامه العقد الأول من عمره.

علي بن أبي طالب والإسلام

في البداية ثمة اختلاف في الروايات التاريخية حول الترتيب الخاص بدخول علي الإسلام، فهناك من يرى أنه الثاني بعد السيدة خديجة وهناك من يقول بكونه في الترتيب الثالث، المهم في النهاية أن ابن أبي طالب لم يتردد لحظة واحدة بعد معرفته بنزول الدعوة على معلمه وابن عمه، فكان أول من أسلم من الصبيان كقول لا يحتمل الشك، أيضًا كان الفتى درعًا قويًا لابن عمه طوال فترة الدعوة في مكة، وكلنا بالتأكيد يعرف القصة الشهيرة التي حدثت خلال الهجرة من مكة إلى المدينة، حيث أن الفتى قد نام مكان النبي وعرض نفسه للقتل على يد المشركين، وفي هذا الأمر دلالة شديدة على فكرة التضحية والنضال من أجل ما نؤمن به، ثم بعد ذلك سافر علي بناء على الرغبة النبي تاركًا موطنه مكة وذاهبًا إلى مكان لا يعرف فيه أي شيء مثل المدينة، لكن ربما كان وجود النبي في هذه المدينة كافٍ جدًا بالنسبة له.

بعد مهاجرة المسلمين إلى المدينة حدثت عملية التآخي التي يعرفها الجميع، وقد كان النبي هو الأخ لسيدنا عليّ بعد الهجرة، كذلك لم يتردد للحظة واحدة في تزويجه ابنته فاطمة وتدليل أحفاده، ثم بعد ذلك أخذ علي بن أبي طالب يمارس دوره ببراعة كأب وزوج ومقاتل إسلامي، كما أنه كان يُجيد التجارة ويُجيد الخطابة بصورة مبهرة، فلا يزال علي بن أبي طالب يُعتبر حتى الآن من أهم وأشهر الخطباء في التاريخ الإسلامي، وبالمناسبة، كانت الخطابة واحدة من الطرق التي استخدمها بن أبي طالب في جهاده، لكن الجهاد في حياة هذا الرجل بشكل عام يستحق حديثًا منفصلًا مفصلًا.

علي بن أبي طالب والجهاد

إذا ما اتفقنا على شيء واحد فقط في حياة علي بن أبي طالب فهو كونه أحد أهم المجاهدين والمناضلين في التاريخ الإسلامي، فمثلًا بدأ الجهاد الحقيقي له بعد تجاوزه سن العاشرة بقليل، وتحديدًا عندما قبل بالنوم في مكان النبي ومواجهة سيوف المشركين، وقد كان من المتوقع جدًا أن يقتله المشركين لحظة اكتشافهم له إلا أن نجاته كانت محض قدر إلهي، لكن نحن نتحدث عن قبوله لتلك المغامرة منذ البداية، ثم بعد ذلك هاجر الفتى إلى المدينة وهو في سن صغير وبدأ حياة الجهاد الحقيقية منذ يومه الأول، إذ أنه قد شارك في كل الغزوات التي شارك فيها المسلمين وخاصةً في الغزوات الأولى بدر وأحد والخندق، وتحديدًا الخندق التي قاتل فيها أحد ألد أعداء المسلمين وصرعه ليبث بذلك الروح المعنوية في قلوب المسلمين، ثم جاءت بعد ذلك الغارات على يهود المسلمين وكان لعلي بن أبي طالب اللواء في مواطن كثيرة، وطبعًا الجميع يعرف تلك القصة التي قال فيه النبي أنه سيعطي اللواء لرجل يحبه الله ورسوله ثم جاء علي بن أبي طالب ليستلم اللواء باليوم التالي.

جهاد علي بن أبي طالب لم يقتصر فقط على الأيام التي كان النبي فيها على قيد الحياة، فعلى الرغم من تعلقه الشديد بابن عمه ومربيه إلا أنه قد أكمل الطريق بصورة طبيعية بعد وفاة النبي وجاهد مع الخلفاء الراشدين بعضه أبي بكر وعمر وعثمان، وفي تلك الحروب كان علي إما قائدًا للجيوش أو حتى مجرد جندي عادي بها، لكنه في النهاية كان لا يتأخر عن أي موعد، وربما من تلك المواعيد الهامة، والتي يُمكن اعتبارها أيضًا شكل من أشكال الجهاد قبوله للخلافة في وقت عصيب للغاية.

علي بن أبي طالب والخلافة

فترة علي بن أبي طالب في الخلافة لم تكن على المستوى المطلوب، وهذا ليس لتقصير منه وإنما لقلة المدة التي قضاها في الخلافة وكانت حافلة بالحروب من الخوارج الذين لم يكونوا على وفاق أساسًا مع الإمام وكانوا يحاربونه وأهدروا دمه أكثر من مرة، وهذا أساسًا ما حدث في نهاية المطاف بقتله، وربما هذا الإرث لم يظهر مباشرةً فقط في حكم علي بن أبي طالب، وإنما كانت بوادره ظاهرة جدًا في فترة عثمان بن عفان، لكن هذا استمر وأصبح أكثر كثافة في فترة بن أبي طالب، على العموم، كانت مرحلة الخلافة ليست بالجيدة ولم تشهد الكثير من الإنجازات، لكن ليس عليك عزيزي القارئ أبدًا أن تأخذ ذلك بتحامل على الإمام، فقط فكر فيما حدث وابحث تحديدًا عن خلافه مع معاوية بن أبي سفيان.

استشهاد علي بن أبي طالب

كعادة الصحابة والصالحين، لقي علي بن أبي طالب حتفه إثر خيانة وغدر خلال الصلاة، وكأن هؤلاء الفجرة لا يتخيرون سوى وقت الصلاة من أجل أداء تلك الأمور الدنيئة، وقد حدث الأمر هذه المرة من خلال رجال من الطواغيت يُعرف باسم عبد الرحمن بن ملجم، حيث أنه اغتنم فرصة انشغل علي بالصلاة ثم ضربه بالسيف على رأسه، وعلى الرغم من أن الصحابة قد حملوه سريعًا إلى بيته وجاؤوا له بالكثير من الأطباء إلا أن ذلك لم يفلح معه ولقي الفتى الأمين ربه في سن الرابعة والستين، وهو سن مقارب للسن الذي مات فيه حبيبه النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أما مسئولية التغسيل والدفن فقد كانت من نصيب عبد الله بن جعفر، وهكذا رحل بن أبي طالب من الدنية الفانية إلى الدار الباقية.

دروس وعبر من حياة الإمام

كان علي بن أبي طالب يُلقب بلقب شهير جدًا وهو الإمام، والآن بعد أن تعرفنا على الكثير من المحطات الهامة والفارقة في حياة الإمام فسوف نكون بكل تأكيد في حاجة إلى الخروج ببعض الدروس التي تحظى بقدر كبير من الأهمية والتي يُمكن أن توجه بسهولة إلى الأجيال القادمة، ومن أهم هذه الدروس التضحية في سبيل الإيمان.

التضحية في سبيل الإيمان

أهم وأكبر درس يُمكن تعلمه من سيرة علي بن أبي طالب هو درس التضحية من أجل الإيمان، ونحن هنا لا نتحدث عن الإيمان بالمعنى الكامن في الأذهان والبديهي، وإنما نتحدث عن الإيمان بشكل عام، عندما تؤمن بشيء بشدة فإن كل ما عليك هو التضحية في سبيله، عندما تفعل ذلك فبكل تأكيد سوف تكون من أجل اقتناعك الشديد بما تفعله، هذا يعني أنه قد وصل بالنسبة لك إلى درجة عالية جدًا من الصحة، وقد فعل علي بن أبي طالب ذلك عندما وافق على النوم بدلًا من النبي صلى الله عليه وسلم، فهو يؤمن بصدقه، ولهذا ضحه بنفسه من أجله.

الشجاعة سيف لا يُهزم

الدرس الثاني والمهم جدًا أيضًا في حياة علي بن أبي طالب والذي علينا التركيز معه والاستفادة منه هو درس الشجاعة وكونها في الأساس سيف لا يُمكن هزيمته، فنحن نرى علي بن أبي طالب يدخل في نزاع أو قتال مع أحد أهم رجالات المشركين وأكثرهم قسوة يوم الخندق، ومع ذلك فإن شجاعته وإقدامه كانا السبب الرئيسي في تأكيد مسألة النصر التي نتحدث عنها وعن كونها تأتي كنتيجة للشجاعة، وهذا درس لك عزيزي القارئ في حياتك عليك الأخذ به واتباعه.

الطريق الطويل يحتاج للنفس الطويل

الدرس الثالث المستفاد من الصحابي الجليل علي بن أبي طالب يتعلق بالنفس الطويل وأهميته في الصمود بداخل ذلك الطريق الطويل الموحش، فجميعنا يرى عليّ وهو يبدأ منذ صباه رحلته في الإسلام، وعلى الرغم من مروره بالكثير من الأزمات والعراقيل إلا أنه قد صمد وأكمل طريقه حتى النهاية، فقد استشهد أساسًا بعد نضال من أجل إنقاذ الراية الإسلامية، ولو لم يكن هذا درسًا واضحًا في الدعوة للصمود فما هو الدرس يا تُرى؟

التربية السليمة أفضل استثمار ممكن

تزوج علي بن أبي طالب أكثر من مرة ومن ضمن هذه الزيجات السيدة فاطمة الزهراء ابنة النبي، وقد أنجب منها الحسن والحسين، ويُمكن القول إن الحسن والحسين كانا الأسعد حظًا بأبيهما وجدهما، فقد حدث معهما مثل ما حدث ما علي في صغره تمامًا، والحديث هنا عن التربية النبوية السليمة، ومنذ اليوم الأول كان عليّ راغبًا في تحقيق ذلك مع أطفاله إعمالًا للمبدأ الذي يُريد إيصاله إلينا، وهو كون التربية السليمة في الحقيقة أفضل استثمار ممكن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

14 − 13 =