عبد الرحمن بن عوف : الصحابي الغني الزاهد في الحياة ومن العشرة المبشرين بالجنة

يُعد عبد الرحمن بن عوف أحد أبرز الصحابة في التاريخ الإسلامي وأسبقهم في تلبية الدعوة، أيضًا هو من العشرة المبشرين بالجنة وله الفضل والسبق في كثير من الأمور الفارقة في الدعوة الإسلامية، ولابد أن الجميع يريد معرفة هذا الصحابي الزاهد.

0 175

لا شك أن عبد الرحمن بن عوف قد حفر اسمه بحروف من نور في تاريخ الدعوة الإسلامية وأصبح أحد روادها على مر العصور، فمنذ اليوم الأول لهذا الرجل في الدعوة وقد تمكن من تحقيق الكثير من الإنجازات وشارك بدمه وماله، أيضًا حظي ابن عوف على أكبر شرف يُمكن أن يحصل عليه مُسلم أو أي شخص بشكل عام، والحديث هنا عن دخوله ضمن قائمة العشرة المبشرين بالجنة، ولا ننسى بالتأكيد أنه كان حاضرًا ضمن كل القوائم التي ظهرت بعد وفاة النبي وترشحت للخلافة كان حاضرًا فيه ومرشحًا لا غُبار عليه، هذا بجانب كونه عضو دائم في مجلس الشورى الخاص بالمسلمين وتدخله في كل القرارات المصيرية، ببساطة، كان عبد الرحمن بن عوف عضوًا فعالًا في الحياة الإسلامية على كافة الأصعدة، ولابد أن ما تم ذكره الآن من أمور جيدة تتعلق بهذا الرجل تدفعنا، ولو على سبيل الفضول، لاستكشاف سيرته ومعرفة كيفية قضاءه لحياته بين الغني والزهد والعقل الراجح، فهل أنتم مستعدون للقيام بهذا الأمر سويًا؟ حسنًا، لنفعل ذلك في السطور القليلة المُقبلة.

من هو عبد الرحمن بن عوف ؟

قبل كل شيء، وقبل الدخول في الإنجازات والفتوحات الخاصة بالصحابي الجليل الذي نتحدث عنه فنحن أولًا مُطالبو بالتعرف عليه عن قرب، فهو عبد الرحمن بن عوف بن عبد العوف، يجتمع نسبه مع البي في كلاب بن مرة، والحقيقة أن عبد الرحمن ليس هو الاسم الحقيقي لذلك الصحابي الجليل، فقد كان اسمه في الجاهلية عبد عمرو، لكن عندما جاء النبي أطلق عليه اسم آخر يتناسب مع حالته ووصفه كأحد صحابة الرسول، فأطلق عليه عبد الرحمن، وقد كان مولد عبد الرحمن بعد عام الفيل، وتحديدًا عام 581، هذا يعني أنه يصغر النبي صلى الله عليه وسلم بحوالي عشر سنوات، ومن الأشياء التي ليس هناك غبار عليها أن عبد الرحمن بن عوف كان بغناه وزهده ورجاحة عقله نصر كبير للإسلام والمسلمين، أيضًا كان الرجل يُحرم الخمر في الجاهلية وقبل حتى ظهور الدعوة الإسلامية، فهي واحدة من الأشياء العظيمة في حياته.

إسلام بن عوف

لم يأخذ عبد الرحمن بن عوف وقتًا طويلًا حتى ينضم إلى الدين الإسلامي، وهذا الأمر إن دل على شيء فهو يدل على رجاحة عقله وقوة بصيرته وتوفيق الله قبل كل ذلك، فقد كان عبد الرحمن أحد الثمانية الذين دخلوا الإسلام في بدايته وأحد الخمسة الذين دخلوا الإسلام على يد أبي بكر الصديق، ففي نفس الجلسة التي أخبره فيها أبي بكر عن الإسلام أعلن الرجل إسلامه بكل صدق، وقد قيل في ذلك أن عبد الرحمن بن عوف كان معتادًا على السفر إلى اليمن كل عام، وفي كل عام كان يُقابل رجل يسأله عن أحوال مكة وهل هناك رجل قد ظهر ودعا إلى دين مختلف أم لا وأن هذا الرجل سيقول فعلًا الصدق ويجب اتباعه، وكان عبد الرحمن يُصدق ما يقوله أبو بكر الصديق، ولهذا كان يعود في كل عام ويسأله عن ظهور الرجل ذو الدين المُخالف، وبالفعل في سنة البعثة أخبره أبو بكر بظهور النبي محمد، ولم يأخذ وقتًا للتفكير حينها وأعلن إسلامه فورًا.

عبد الرحمن بن عوف والهجرة

لم يتأخر عبد الرحمن بن عوف يومًا واحدًا عن تلبية نداء الدعوة الإسلامية، فقد هاجر الهجرة الأولى إلى الحبشة ثم هاجر الهجرة الخاصة بالمدينة، ولكي يخرج عبد الرحمن من مكة عُرض عليه ترك كل ماله خلفه، ففعل ذلك دون تردد وفضل الدار الأخرة عن دار الدنيا، ولما كان في المدينة وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار كانت أُخوة عبد الرحمن بن عوف مع سعد بن الربيعة، والذي عرض عليه منذ اليوم الأول أخذ نصف ماله وزوجة من زوجاته، لكن بن عوف قال له فليُبارك الله لك في أموالك وزوجاتك، لكن دلني على السوق، وبالفعل، بعد الهجرة بفترة قصيرة، ومن خلال التجارة والبيع والشراء، تمكن عبد الرحمن بن عوف من تكوين ثروة كبيرة واسترداد مقامه وماله مجددًا.

عبد الرحمن بن عوف والجهاد

لم يترك عبد الرحمن بن عوف أي معركة أو غزوة في التاريخ الإسلامي دون أن يشترك بها، فقد كان من الصحابة الذين شهدوا كل المشاهد مع النبي، لكن ربما أكثر ما يتذكره بن عوف في جهاده غزوة أحد، ففي هذه الغزوة كُسر فكه وأصيب بالرماح في أكثر من مكان مما أدى إلى إصابة العرج لأقدامه، حيث ظل على هذه الحالة حتى مماته، أيضًا ضمن الأحداث الهامة التي اشترك بها عبد الرحمن فتح مكة، حيث كان له دور كبير وفارق، هذا بخلاف كونه القائد في الكثير من الغزوات والسرايا التي كان يُرسلها النبي، ببساطة، ضرب عبد الرحمن بن عوف المثال الأفضل والأهم في الجهاد والتجارة معًا.

عبد الرحمن بن عوف والخلفاء الراشدين

هل تعرفون مكانة الوزير التي تتواجد الآن في كل مكان بالعالم؟ كان عبد الرحمن بن عوف يحمل هذه المكانة في عهد الخلفاء الراشدين، وقد كان مُطاعًا مسموعًا مُستشارًا، ذو رأي راجح لا يُشق له غُبار، وربما هذا الأمر قد بدأ بصورته الأقوى في عهد عمر بن الخطاب، فمثلًا عندما جاء الطاعون كان بن عوف قارب الإنقاذ الأهم للمسلمين بفضل الله ورحمته، وذلك من خلال الحديث الذي رواه عن النبي وأخبر فيه عن طريقة التعامل مع الطاعون، بعد ذلك، وعندما طُعن عمر رضي الله عنه وقبل أن يتمكن الموت منه تمكن من اختيار ستة رجال يكون الأمر فيهم من ناحية الخلافة، بمعنى أن عمر كان يرى أن هؤلاء الأجدر بهذا الأمر، وبالفعل تم اختيار الثلاثي علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ، وهنا ظهرت واحدة من أكثر المواقف عظمةً في التاريخ الإسلامي بأكمله.

انسحب عبد الرحمن بن عوف من أمر الخلافة وترك الأمر كله بين عثمان وعلي، ثم سألهم عن ثقته في حكمه فارتضوا بما يقوله، وفي اليوم التالي صعد بن عوف على المنبر وبايع عثمان بن عفان، ثم كان معه في أمره بعد الخلافة وحظي بنفس المكانة التي كان يحظى بها في عهد عمر بن الخطاب، ببساطة، كان عبد الرحمن خير داعم للخلفاء الراشدين في أمور حكمهم وأظهر أكثر من مرة أنه لا يطمع بذلك في أي شيء بخلاف إعلاء راية الإسلام.

عبد الرحمن بن عوف والأحاديث

على الرغم من أن الكثير من الصحابة قد عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن رواة الحديث يُعتبروا قلة مقارنة مع أعداد الصحابة، أما عبد الرحمن بن عوف فقد روى ما يقترب من الخمسة وستين حديثًا موزعين على أصح كتب الحديث ومنها صحيح البخاري، أيضًا كان له أحاديث هامة ونادرة، ربما لم تكن موجودة في أي مكان آخر ولم يسمعها أحد سوى عبد الرحمن، ومن هذا المنطلق اكتسب أهميته الكبرى في علم الحديث.

بره وكرمه وزهده

لا يُعرف في الكرم والزهد والبر من هو أعظم من عبد الرحمن بن عوف على امتداد التاريخ الإسلامي، فقد كان الرجل غنيًا لأبعد درجة ممكنة، وكان يُنفق نصف ماله دفعة واحدة إذا ما احتاج النبي والإسلام لذلك، كما أنه كان يُجهز الجيوش ويفك الكثير من الصعب التي تواجه المسلمين، وقد وصل مال هذا الرجل إلى الحد الذي جعل الناس يعجزون عن حمل ماله بعد وفاته، أيضًا الكثير من المسلمين قد نالوا نصيبهم من هذا المال وورث أولاده الكثير والكثير لدرجة أن البعض كان يقول بعدم وجود شخص في هذا الكون أكثر ثراءً من عبد الرحمن بن عوف .

فيما يتعلق بالمرة فنحن هنا نتحدث عن بره لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم على وجه التحديد، فقد كان عبد الرحمن يُرسل لهم الأموال كما أنه قد أخذهم إلى الحج وحماهم في عهد عمر بن الخطاب، وفي الزهد فقد كان عبد الرحمن يخشى كثرة ماله ويُحاول أن يُنفق ماله في الأبواب والمنافذ المستحقة، حيث كان يقول دائمًا بأن أخير الناس وأفضلهم ماتوا وهم فقراء ومنهم حمزة بن عبد المطلب الذي لم يجد ما يُكفن به ومصعب بن عمير وغيرهم، أيضًا كان متواضعًا، فلم يكن يستغل الغنى الذي يتمتع به في أخذ ما هو ليس مقسومًا له، كان رحمه الله أكثر الناس زهدًا.

الشيعة وابن عوف

أغلب كتب الشيعة والعلماء التابعين لها يؤمنون تمام الإيمان أن عبد الرحمن بن عوف ليس في تلك المكانة التي يضعه فيها أهل السنة والجماعة، حيث أن هؤلاء يعتقدون بأن كامل العشرة المبشرين بالجنة لا يستحقون ما وصلوا إليه وأن عبد الرحمن بن عوف على وجه التحديد قد بايع عثمان بن عفان لأنه قريبه ولم يُبايع علي بن أبي طالب مع أنه كان يستحق ذلك، وأنه في الأساس كان يضع عينه على الخلافة بعد عثمان وقبل علي، وبكل تأكيد هذه محض افتراءات وأكاذيب، فكل صحابي يكره الشيعة فهو بلا شك صحابي جليل قام ببطولات وله مواقف كبرى يكره هؤلاء وجودها.

عبد الرحمن بن عوف على الشاشات

بكل تأكيد قصة رجل مثل عبد الرحمن بن عوف لم تكن لتترك دون تجسيد، فهي شخصية قريبة جدًا من إنجازات التاريخ الإسلامي وشهدت ما يُمكن وصفه بالعصر الذهبي، كما أنها قد شهدت بداية الدعوة وفترة تعرضها للمخاطر وفترة الانطلاق بها، ببساطة، هي شخصية كل العصور، وقد تم استغلال تلك القوة الكبيرة لهذا الشخصية من خلال مجموعة مسلسلات أهمها القعقاع بن عمرو التميمي الذي خرج في عام 2010 وظهرت شخصية عبد الرحمن بن عوف كشخصية مساعدة وفي عام 2012 من خلال مسلسل عمر، وظهرت كذلك الشخصية على أساس كونها شخصية مساعدة، لكن كان لها وجود لا يُستهان بها وتمكنت من إظهار جوانب كثيرة في حياة هذا الرجل.

ختامًا عزيزي القارئ، لا يُمكنك العثور على الكثير من الشخصيات في العهد الإسلامي مثل شخصية عبد الرحمن بن عوف ، فمن خلال استحضار سيرته يُمكنك تعلم كل شيء تقريبًا، وهو أمر يُنصح به الأطفال والكبار على حدٍ سواء، فهذا الرجل يُعرف بكونه النسخة الجيدة والأفضل من شخصية قارون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

13 + 1 =